العدد : ١٤٦٣٩ - الأحد ٢٢ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٣٩ - الأحد ٢٢ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٣٩هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

موقف القضاء المصري .. والصلف الأمريكي

في مقال نشرته مؤخرا.. أشرت فيه إلى أن مجلس الشورى سيناقش في القريب العاجل -هذا الأسبوع أو ما بعده- مشروع الاتفاقية بين مملكة البحرين والولايات المتحدة الأمريكية.. بشأن الالتزام المتبادل بما يسمى «الامتثال الضريبي»، وذلك بعد أن أقرها مجلس النواب وأحالها -بصفة عاجلة- إلى مجلس الشورى لمناقشتها من أجل الموافقة عليها أو رفضها.

هذه الاتفاقية في حال التصديق الكامل عليها من جميع الجهات والسلطات المعنية في مملكة البحرين سيتم الالتزام بها من خلال جميع البنوك على أرض البحرين -بحرينية أو غير بحرينية- والتي عليها أن ترسل تقارير كاملة عن حسابات الوافدين الأمريكان في البحرين -خبراء ومستثمرين أو غير ذلك- إلى مصرف البحرين المركزي الذي عليه أن يرفع هذه التقارير إلى السلطات الأمريكية لكي تتم محاسبة أصحاب هذه الحسابات من الأمريكان ضريبيا على أساسها.. وهذا هو فحوى مشروع الاتفاقية المشار إليها.

وقبل أن أخوض فيما أردت الخوض فيه في هذا المقام اسمحوا لي الآن أن أعود إلى الوراء بعض الشيء.. وأقول إن الحكومة المصرية منذ سنوات عدة وفي عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك كانت قد قررت فرض ضريبة على العاملين بالخارج.. فأصدرت قانونا بهذا الشأن بعد أن أقره مجلس الشعب المصري.. وبدأ تطبيق هذا القانون فعلا.. ولكن مجموعة من العاملين المصريين بالخارج وجدوا أن هذا القانون قانونٌ جائرٌ.. فأقاموا دعوى قضائية أمام القضاء المصري وكانوا من القانونيين والمستشارين القانونيين – يطالبون فيها ببطلان هذا القانون الجائر.. وفعلا مرت هذه القضية على جميع درجات القضاء المصري حتى وصلت إلى محكمة النقض المصرية التي حكمت ببطلان هذا القانون وأمرت بوقف تنفيذه وإعادة جميع الأموال التي تم تحصيلها من العاملين بالخارج إليهم من دون نقصان.

الحكومة المصرية لم ترضخ ولم تيأس، فأقدمت على إعداد مشروع قانون جديد.. وحوَّرت فيه بعض الشيء.. وأقره مجلس الشعب.. وصادق عليه رئيس الجمهورية، وبدأ تنفيذه وتحصيل الضرائب من العاملين بالخارج من جديد من خلال إدارة عامة متخصصة في ضرائب العاملين بالخارج أنشئت بمصلحة الضرائب المصرية.. وبدورهم لم يرضخ ولم ييأس رجال القانون والمستشارون المصريون العاملون بالخارج.. فأقاموا دعوى جديدة على أساس حكم المحكمة السابقة.. فأصدر القضاء المصري من جديد الحكم نفسه ببطلان القانون الثاني على أساس أن فرض أي ضرائب على أموال متكسبة من الخارج يقع باطلا.. وألغت المحكمة هذا القانون للمرة الثانية.. وبعدها أرادت السلطات الضريبية في مصر أن تعيد الكرّة للمرة الثالثة وتستصدر قانونا ثالثا محوّرا.. فتصدى لهم الرئيس محمد حسني مبارك قائلا لهم «كفى.. لا تفضحونا».. وبقي المصريون في الخارج معفيين من الضرائب حتى هذه اللحظة على ضوء مقتضيات مفاهيم العدالة الحقة.

هذه هي العدالة.. وهذا هو المنطق.. إذ كيف تفرض ضرائب على أموال متكسبة من الخارج.. ومن دولة أخرى؟.. وهذا المنطق هو الذي جاءت على أساسه والتزمت به القوانين العادلة.. ذلك لأن المنطق مصدره العقل.. والعقل هو من عرفت البشرية وجود الله سبحانه وتعالى من خلاله.

ولكن هذا هو الصلف الأمريكي.. وهذا هو العنفوان الأمريكي في منتهاه، والذي دفعهم إلى ملاحقة أبنائهم في خارج حدود بلادهم وإلزامهم بدفع ضرائب على أموال متكسبة من الخارج مع أن مفهوم الضرائب هو أنها تفرض مقابل انتفاع دافعها بالخدمات وجميع الحقوق على أرض وطنه.. وهذا الانتفاع ينتفي تماما في حالة عيش المواطن خارج حدود وطنه وعندما ينتفع بخدمات دولة أخرى.

ولكنه الصلف الأمريكي نفسه والضرب بكل القيم والأعراف والأديان والاحترام للشعوب وحقوقها المتجذرة في عمق التاريخ التليد الذي جعل المدعو «ترامب» يعلن قراره -قرار العار- الاعتراف بالقدس الإسلامية العربية الفلسطينية عاصمة لإسرائيل، ثم التوقيع على قرار تنفيذي صادر عن رئيس الجمهورية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس!!!

فهل هناك صلف أعتى وأقبح من ذلك؟ وهذا هو الصلف نفسه الذي جعل الدنيا كلها تسارع إلى التصدي لـ«أخيب قرار» في تاريخ البشرية منذ آدم حتى قيام الساعة، وأعلنت هذه الدول الشريفة رفضها وتحديها له، معلنين عروبة القدس (فرنسا – بريطانيا – روسيا – ألمانيا – إيطاليا - الاتحاد الأوروبي.. إلخ) محترمين أنفسهم.. نفس احترامهم للمنطق والأصول والتاريخ.

وهو أيضا الصلف نفسه الذي جعل مجموعة من النواب الأحرار يقولون: أمريكا حرة في نفسها.. وفي أبنائها.. وحرة في أن تُحَصِّل منهم ضرائب كيفما تشاء.. ولكنها ليست حرة في أن تسيء إلى دولة أخرى.. وكيف -وهي الدولة التي يقال عنها إنها المتحضرة- أن توافق في سبيل مصلحتها على أن تسيء إلى مصلحة وسمعة البحرين.. وتلزمها بمخالفة القانون والدستور عندما تلزم البنوك بالكشف عن أسرار وحسابات زبائنها وعملائها.. ورفعها إلى مؤسسة نقد البحرين التي عليها بدورها رفعها إلى السلطات الأمريكية.. وكيف تسمح لنفسها أن تسيء إلى سمعة البحرين الاستثمارية التي يفضلها كل مستثمري الدنيا على غيرها على أساس أنها ليست «دولة ضريبية»؟

وعاش القضاء المصري الذي أصرَّ على النطق بكلمة العدل والحق مرتين عندما حكم ببطلان أي قانون يفرض ضرائب على المصريين العاملين بالخارج.. وعلى أي أموال متكسبة من الخارج على الرغم من حاجة مصر إلى كل «مليم» من هذه الضرائب.. وتبًّا لكل من ضربوا بالحق والعدل والمنطق والدين والتاريخ والأصول عرض الحائط لمجرد دعاية لانتخابات خائبة لدورة رئاسية ثانية قادمة بإذن الله.

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news