العدد : ١٤٦٤٠ - الاثنين ٢٣ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤٠ - الاثنين ٢٣ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٣٩هـ

بيئتنا

حماية الموارد السمكية وتنميتها مسؤولية وطنية

بقلم: د. محمد جمعة الرميض

الخميس ٢٣ نوفمبر ٢٠١٧ - 10:57

تزخر المصائد في المياه الإقليمية لمملكة البحرين بالعديد من أنواع الاسماك التجارية بمختلف أصنافها السطحية والقاعية وتلك التي تتواجد في عمود الماء من السطح إلى قاع البحر. يربو عدد تلك الاسماك إلى نحو 50 نوعًا، بالإضافة إلى الحيوانات القشرية مثل: الربيان وأم الربيان وسرطان البحر (القبقب) والرخويات مثل الحبار (الخثاق).  ولإدارة أفضل لتلك الكائنات البحرية، يقوم المختصون بتصنيف تلك الأنواع إلى مجموعات بحسب المميزات والخصائص المشتركة لتلك الكائنات. كثير من الاسماك التجارية الشائعة في البحرين تحظى بنسبة تفضيل عالية عند المستهلكين من البحرينيين وغيرهم من المقيمين في البلاد، ولعل من أفضل الأنواع تناولاً عند الأفراد اسماك: الكنعد والهامور والصافي والجنم والشعري والربيان، بحسب دراسة ميدانية أجرتها إدارة الثروة السمكية سابقًا.

من مجموعات الاسماك السالفة الذِكر، مجموعة اسماك الصافي وتشمل نوعين: الصافي العادي (الاسم العلمي Siganus canaliculatus) والصافي الصنيفي (الاسم العلمي Siganus javus)، وكلاهما من اسماك المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية حيث تتواجد اسماك الصافي في المناطق الساحلية من المياه الضحلة إلى عمق 20 مترًا في عرض البحر، فيما يتواجد الصنيفي حتى عمق 50 مترًا، حيث بيئات الشعاب المرجانية ومسطحات الأعشاب البحرية والطحالب التي تمثل مصدر الغذاء الرئيس لها. كما أُشير سابقًا، يُعد سمك الصافي من الاسماك التجارية الرئيسة وتحظى بتفضيل عالٍ عند المستهلكين، أما الصنيفي فقد كان موجودًا سابقًا، إلا أنه لم يعد كذلك منذ عدة سنوات لعدة أسباب قد يكون من أهمها الاستنزاف والصيد الجائر. في زيارة لي لأحد أسواق السمك مؤخرًا، لفت انتباهي صغر حجم الصافي المعروض للبيع، والأهم من ذلك وجود أحجام صغيرة من سمك الصنيفي الذي كثيرًا ما نقرأ عنه في الأدبيات العلمية ونشاهده في الأفلام الوثائقية، ولكن من دون أن نجده يُطرح في منافذ البيع. في وقتٍ ما كان الصنيفي موجودًا في المصائد وبين أيدي المستهلكين كحالِ الاسماك الأخرى، أما في الوقت الحالي فهو على شفا خطر حقيقي. 

تجدر الإشارة إلى أن سمك الصافي الصنيفي يصل طوله إلى 53 سنتيمتر تقريبًا فيما يمكن أن يصل طول سمك الصافي إلى طول حوالي 30 سنتيمتر إذا ما أتيحت له الظروف المواتية للنمو في بيئته.

إن رؤية الاسماك الصغيرة الحجم تُصطاد وتباع في الأسواق، من دون حسيب أو رقيب، لأمر يوجِع القلب حقيقة. إن اسماك الصافي والصنيفي التي عاينتها في سوق السمك (انظر الصور) لا يتعدى طولها 13.5 سنتيمترا أي قريبًا من الحد الأدنى المسموح بصيده (10 سنتيمترات لسمك الصافي) طبقًا لتشريعات الصيد المحلية التي سيأتي ذِكرِها لاحقًا في هذا المقال، وفي هذا إهدار كبير لموارد الاسماك. إن صيادي السمك هُم الأولى بالمحافظة على المخزون السمكي وذلك بصيد الاسماك الكبيرة الحجم فقط، أما صغار الاسماك فينبغي إعادتها إلى البحر بالسرعة القصوى من أجل أن تعيش وتكبر لأن في ذلك مصلحة للصيادين أنفسهم على المديين المتوسط والبعيد وخاصة أنها المهنة التي يتعيشون منها. إن صيد الاسماك وهي صغيرة الحجم قبل بلوغها النضج الجنسي وعدم إعطائها الفرصة للتكاثر ودعم المخزون ولو لمرة واحدة في حياتها، فيه كثير من اللامبالاة وعدم المسؤولية عند كثير من الصيادين، وبكل المقاييس هو تعدٍّ سافر على ثرواتنا البحرية الحية.

لقد فطنت السلطات الحكومية المحلية المعنية بتنظيم مصائد الموارد السمكية واستغلالها وتنميتها لظاهرة صيد وبيع صِغار الاسماك قبل عقدين من الزمن، فكان ان تصدت لتلك الظاهرة بسن تشريعات بشأن حدود دنيا لأطوال الاسماك والقشريات المسموح باصطيادها. وكان أول القرارات الوزارية التي صدرت بهذا الخصوص، القرار رقم (17) لسنة 1994، الذي صدر عن وزارة التجارة والزراعة. في هذا القرار صُنفت الاسماك إلى ثلاثة فئات أحجام: كبيرة ومتوسطة وصغيرة، ونص القرار على تحديد حد أدنى مسموح به لكل نوعٍ من الاسماك. وقد استمر العمل بالقرار الآنف الذكر مدة أربعة سنوات إلى أن جرى تعديله بالقرار رقم (3) لسنة 1994، الذي صدر عن وزارة الأشغال والزراعة، وذلك برفع سقف الحد الأدني للطول المسموح به لبعض الاسماك التجارية المفضلة عند المستهلكين. على سبيل المثال، جرى رفع الحد الأدنى لسمك الكنعد من 25 سنتيمترا إلى 40 سنتيمترا، والهامور من 25 إلى 30 سنتيمترا، أما سمك الصافي فلم يطرأ تغيير على الحد الأدنى المسموح بـ 10 سنتيمترات. ومن ضمن القرارات التي صدرت أيضًا بهذا الشأن قرار الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية رقم (2) لسنة 2007، بشأن حظر صيد إناث سرطان البحر الحاملة للبيض والإناث التي يقل طول درع الظهر لها عن 7 سنتيمترات. من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن القرار رقم (17) لسنة 1994 قد كان اكثر دقةً من نظيره رقم (3) لسنة 1997، ذلك أن الأول قد حدد الحد الأدنى بالطول الإجمالي فيما لم يُحدد الأخير ماهية الحد الأدنى إن كان الطول الإجمالي أم الطول الشوكي، وهو ما يقتضي الالتفات إليه وأخذه بنظر الاعتبار في القرارات ذات الصلة مستقبلاً من أجل أن يكون التشريع واضحًا للمعنيين كافة من صيادين وإداريين ومفتشين، من دون أي لبس.

إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، يا تُرى، هل الصيادون المحترفون والهواة على وعي ودراية بالقرارات المذكورة أعلاه؟ وإن كانوا كذلك ما مدى التزامهم بنص القرارات؟! الشواهد التي لا تخطئها العين برؤية اسماك دون الحد الأدنى في أسواق السمك العامة تُفيد بأن كثيرًا من الصيادين غير ملتزمين بالقرارات السالفة الذِكر وقد يعود ذلك إلى أن منهم من هو حديث العهد بمزاولة الصيد البحري. إن واقع الحال يقتضي تجديد توعية الصيادين المحترفين والهواة بالأنظمة بشأن حظر صيد وبيع صِغار الاسماك والقشريات، بالطرق التالية:

1- إطلاع المشتغلين بصيد الاسماك والقشريات بالقرارات التي تُحدد الحد الأدنى لكل نوع مُدرج ضمن الكائنات المسموح باصطيادها، عند مراجعتهم لإدارة الثروة السمكية لتجديد رخص الصيد أو أي معاملة أخرى، لتجديد العِلم بتلك القرارات والعمل بمقتضاها.

2- تعميم ملصقات في جميع مرافئ الصيد تعرض الحد الأدنى للأطوال المسموح بها للاسماك المختلفة، وفقًا للجدول المُدرج في القرار رقم (3) لسنة 1997، الآنف الذِكر. تقتضي الضرورة طباعة الملصقات باللغة العربية واللغات الآسيوية (اللغة الهندية بمختلف تنوعها واللغة البنغالية) بِحُكم أن معظم البحارة والصيادين هُم من الجاليات التي تتكلم بتلك اللغات، من أجل أن تصل الرسالة.

3- تكثيف الزيارات الميدانية لمنافذ بيع الاسماك من أجل التفتيش والتأكد من الالتزام بمبدأ الحد الأدنى لأطوال الاسماك، ومعاقبة المخالفين بموجب العقوبات التي نص عليها القرار.

4- أي طريقة أخرى ترتئيها الجهة المعنية لتنظيم قطاع الصيد البحري بما يحقق الغاية المرجوة. 

إن ما نشهده في الوقت الحالي من ارتفاع في أسعار الاسماك ما هو إلا نتيجة طبيعية لقلة العرض من الاسماك جراء ممارسات الصيد الجائر الذي مورِس على مدى عقود من الزمن. إن مملكة البحرين لا ينقصها تشريعات إضافية للصيد، فالموجود يفي بالغرض. غير أن ما ننشده هو تقوية الجانب الرقابي وتعزيز إنفاذ القانون من قبل الجهات المعنية ممثلة بإدارة خفر السواحل وإدارة الثروة السمكية التي جرى منح بعض موظفيها صفة مأمورية الضبط القضائي بموجب قرار وزاري صدر بهذا الشأن سابقًا. ما نأمله من الصيادين هو الالتزام بأنظمة وتشريعات الصيد البحري عمومًا والتقيد باصطياد الاسماك ذات الأحجام المسموح بها والتعاون مع الجهات الرقابية من أجل تنمية مستدامة لمواردنا البحرية الحية.

باحث متخصص في البيولوجيا البحرية وعلم المحيطات

mj.alrumaidh@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news