العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

فوضى.. الفوضى الخلاَّقة!!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٢ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:30

في مطلع عام (2005م) أدلت وزيرة الخارجية الأمريكية «كونداليزا رايس» (بحديث صحفي مع جريدة (واشنطون بوست) الأمريكية أذاعت حينها وزارة الخارجية الأمريكية عن نية الولايات المتحدة الأمريكية نشر الديمقراطية بالعالم العربي، والبدء بتشكيل ما يعرف ب«الشرق الأوسط الجديد» كل ذلك عبر نشر «الفوضى الخلاَّقة» في الشرق الأوسط عبر الإدارة الأمريكية) ويكيبيديا.

إذًا، فما جرى في الشرق الأوسط فيما تعارف على تسميته بـ«ثورات الربيع العربي» ليس نتاج إرادة حرة من الشعوب العربية التي ثارت على أنظمتها التي كانت تحكمها، ونادت بإسقاطها على اعتبار أنها استنفدت صلاحيتها، وبات من الواجب تغييرها بالثورة عليها لأنها لن تتغير من تلقاء نفسها.

إذًا، فالولايات المتحدة الأمريكية وراء هذه الثورات، وهي صاحبة نظرية «الفوضى الخلاقة»، وحين ندقق في هذه النظرية سوف نكتشف أنها مكونة من كلمتين متعارضتين لا يجمعهما جامع، فما صلة القرابة التي تربط بين كلمة الفوضى، وكلمة الخلاقة؟! وهل الفوضى تنتج إبداعًا، ونحن نعلم أن الإبداع هو نتيجة للنظام، فحيث وُجد النظام وُجد الإبداع وحيثما غاب النظام غاب الإبداع، ولكن حين ندقق النظر في هذه النظرية الشاذة نجد أنها صحيحة في المفهوم الأمريكي حين يجعل الفوضى من نصيب الشعوب العربية، والخلق والإبداع من نصيب الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى بكل ما أُوتيت من قوة وجبروت إلى نشر الفوضى في العالم العربي لتتمكن بعد ذلك من إعادة ترتيب البيت العربي بالطريقة أو الشكل الذي يناسب مخططاتها التي رسمتها للعالم العربي. إذًا فالفوضى في ضوء الفهم الأمريكي هي خلاقة بالنسبة الى المصالح الأمريكية في العالم العربي، وإن كانت هي الفوضى بعينها بالنسبة الى العالم العربي، والواقع الذي آل إليه الوضع في العالم العربي خير شاهد على ذلك.

ومن الواقع الذي يشهد على هذا الفهم لنظرية الفوضى الخلاقة ما حصل في العراق التي كانت دولة موحدة، ومتقدمة في مجال الصناعة والزراعة والتعليم، بل أعدت جيلاً من العلماء المتميزين في تخصصات كثيرة، ولقد شهد لهم الغرب بالتفوق، وكان الأمن يسود العراق في ظل النظام السابق، فلما دخلت الولايات المتحدة الأمريكية فيها بالغزو تحت حجة وجود أسلحة الدمار الشامل حولتها من دولة مستقرة منتجة خلَّاقة إلى دولة تسودها الفوضى من جميع أقطارها، وأوقفت فيها قطار التنمية الذي كان يقطع المسافات بسرعة هائلة.

إن أي دولة يسقط فيها النظام الذي يحكمها تعيش في حالة فراغ سياسي وما يتبعه من فراغ اقتصادي وعلمي وحتى اجتماعي بحيث يكون من السهل السيطرة على هذه الدولة وتحويلها عن مسارها إلى المسار الذي يحقق المصالح الأمريكية في هذه المنطقة باعتبار أن أمريكا هي صاحبة النظرية الشاذة نظرية «الفوضى الخلَّاقة».

لقد وفرت الولايات المتحدة الأمريكية الأجواء المناسبة لقيام هذه الثورات التي حدثت في بعض البلاد العربية بسرعة وسهولة يعجب المرء منها ضد أنظمة راسخة، ظلت مسيطرة على شعوبها زمنًا طويلا، من هذه الأنظمة نظام ظل أربعين سنة يهيمن على شعبه، ونظام آخر ظل ثلاثين سنة، والسؤال الذي يرد هنا هو: كيف استطاعت هذه الشعوب وبدون زعامة أن تسقط هذه الأنظمة الراسخة لا بد أن في الأمر سرا قد يذاع في يوم من الأيام، وسوف يظل السؤال حائرًا حتى يأذن الله تعالى بكشفه، وإماطة اللثام عنه.

وهناك سؤال آخر يلح علينا وهو: هل صار حال الدول التي حدثت فيها هذه الثورات أفضل مما كانت عليه قبل سقوط الأنظمة الاستبدادية التي كانت تحكمها؟! والجواب حاضر في واقع هذه البلاد، لقد عمتها الفوضى، وأهمل الشباب مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم، وصار همهم الوحيد الدعوة إلى التجمع في الميادين، وصار كل حزب بما لديهم فرحين بغض النظر عن النتائج الفادحة التي منيت بها هذه البلاد. إن الولايات المتحدة الأمريكية لِمَ لا تطبق هذه النظرية، وهي نظرية الفوضى الخلاقة على نفسها لو كانت تعلم أنها مبدعة وخلاقة، ولِمَ تنصح بها العرب وهي لا تحب لهم الخير، بل هي تسعى جاهدة إلى تمزيق وحدتهم، وتفريق شملهم لأنها تعلم أن في الوحدة قوة، وفي الاجتماع على رأي واحد حماية لهذه الشعوب من أعدائها، ولأن أمريكا هي الشيطان الأكبر، والشيطان لإ يريد الخير للإنسان مطلقًا، فكيف تريده أمريكا للشعوب العربية التي ترفض سيطرتها، وتبغض هيمنتها؟!

إن الولايات المتحدة الأمريكية، بل والعالم أجمع يجهلون حقيقة الإسلام، والضمانات التي جعلها الحق سبحانه وتعالى لحفظ دينه، وظهوره على الدين كله، الحق سبحانه وتعالى يقر ابتداءً أن الإسلام هو الدين الوحيد الكامل الذي لا يحتاج إلى غيره، يقول سبحانه:«..اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا..». (المائدة/3) 

وتعهد سبحانه بحفظ كتابه ضد المحاولات الكثيرة لتغييره أو تبديله، فقال سبحانه: «إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (الحجر/9)، بل وعد سبحانه بإتمام نوره، وإظهار دينه على الدين كله، قال جل جلاله: «يريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33)» التوبة.

إن الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها دول العالم التي تريد الشر لهذه الأمة هم يحاربون الله تعالى وهم لا يعلمون، والإسلام يتحداهم، فرغم أن المسلمين بلغوا من الضعف درجة جعلت بغاث الطير تستنسر عليهم كما هو حالهم مع الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين إلا أن الإسلام يتقدم كل يوم، بل كل لحظة يحقق انتصارًا على الغرب وحضارته المادية التي سخرها الغرب لمحاربة الإسلام، والدليل يأتي على ألسنتهم هم في الغرب، فهم يحذرون من غلبة الإسلام وسرعة انتشاره بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي هذا رد حاسم على من يشيع مقالات السوء عن الإسلام وأنه انتشر بحد السيف، وإذا كان هناك شبهة حول هذه القضية في بعض العهود ولا أظنها كذلك بدليل بقاء اليهود والنصارى على دياناتهم في البلاد التي فتحها الإسلام وظل فيها زمنًا يحكم هذه البلاد، ورغم ذلك عاش في ظله اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى في أمَّن وأمان، هذا ما يقرره المنصفون من علماء الغرب ومفكريه، وهؤلاء لا يمكن اتهامهم بأنهم منحازون إلى الإسلام لأنهم ليسوا مسلمين، ولا يقولون هذا رهبة ولا رغبة، بل يقولونه إيمانًا منهم بالحقيقة. 

وبقي أن نشير في عجالة إلى ما ورد في الموسوعة الحرة ويكيبيديا (Wikipedia) «أن هذا المصطلح -الفوضى الخلَّاقة- له وجود في أدبيات. الماسونية القديمة، حيث ورد ذكره في أكثر من مرجع، وأشار إليه الباحث والكاتب الأمريكي (داون براون) إلا أنه لم يطْف على السطح إلا بعد الغزو الأمريكي للعراق الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في تصريح وزيرة خارجيته كوندا ليزا رايس في حديث لها أدلت به إلى صحيفة» واشنطن بوست «الأمريكية في شهر ابريل 2005م، حيث انتشرت بعض فرق الموت ومنظمات بلاك ووتر الأمنية» المرجع السابق.

 إذًا، فالولايات المتحدة الأمريكية تخطط والعالم ينفذ، ولكن يبقى بعد ذلك مكر الله تعالى أكبر، وتخطيطه أشمل وأبقى، ولن تستطيع قوة في الأرض مهما بلغت أن تطفئ نور الله تعالى، أو تحول دون ظهور الإسلام على الدين كله، وأن الإسلام سوف يبلغ في انتشاره ما بلغ الليل والنهار!!

 

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news