العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

حان وقت تجفيف منابع الفساد ومحاسبة جميع المفسدين

بقلم: د. عبدالله المقابي

الخميس ٠٩ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

ربما لا تختلف الآراء كثيرًا بل تجتمع العقول المنصفة على ضرورة تجفيف منابع الفساد ودحر المفسدين وعزل الفاسدين الذين ينهبون ثروات الوطن دون أن يبالوا بما يواجه الدولة من أزمات بل يتحينون الفرصة لإرساء المناقصات على شركاتهم أو على من يعنيهم أمره، بالتالي سلسلة الرشاوى العينية والمباشرة وغير المباشرة مستمرة في وضح النهار بالذات لمن يملكون مناصب تمكنهم من الهرولة ناجين بأنفسهم من المحاسبة القانونية تجاه أفعالهم المضرة بالوطن والدولة والشعب، ولذلك ما يحدث في عدد من الدول العالمية اليوم من تصنيف وتحديد لمفاهيم الفساد وتغييرات جوهرية لهي في صالح تجنيب الأوطان مزيدًا من الإرهاق والتعب على صعيد الأيام والسنوات المقبلة بالذات وأن الوضع الاقتصادي بحاجة إلى تعزيز كي تبقى الدولة قوية وقادرة على الوفاء بالتزامها مع الشعب ومع متطلبات التنمية.

مئات القضايا التي لم يتم البت فيها حتى الآن بشأن ما ورد في تقارير ديوان الرقابة والتي بينت عددا من التجاوزات والأموال الضائعة، بل هنالك عشرات الشخصيات ممن ثبت تورطهم بالعديد من القضايا المتعلقة بالمال العام دون أن تصل إليهم يد المحاسبة والتي لا نزال نطالب بأن تكون هنالك محاسبة شاملة واستعادة المال العام ووقف هدر المال بخطط واستراتيجيات مهنية لا يتمكن أحد من تجاوزها مهما كان منصبه وموقعه.

نعم، يمكن أن نقول إن ظاهرة الفساد والفساد الإداري والمالي بصورة خاصة ظاهرة عالمية شديدة الانتشار ذات جذور عميقة تأخذ أبعادًا واسعة تتداخل فيها عوامل مختلفة يصعب التمييز بينها، وتختلف درجة شموليتها من مجتمع إلى آخر، إذ حظيت ظاهرة الفساد في الآونة الأخيرة باهتمام الباحثين في مختلف الاختصاصات كالاقتصاد والقانون وعلم السياسة والاجتماع، كذلك تم تعريفه وفقًا لبعض المنظمات العالمية حتى أضحت ظاهرة لا يكاد يخلو مجتمع أو نظام سياسي منها، إلا أننا حين نضع الاستراتيجيات القوية لتدعم تقنين العمل الإداري وفق مصلحة الوطن والمواطن، بالإضافة إلى التشديد على جميع المعاملات المالية فإنه حينها يمكن أن نحد من هذه الظاهرة، ولا يمكن ان يفلت من تسول له نفسه بنهب المال العام أو العبث بمقدرات الوطن أن يفعلها فضلاً عن أن يكررها مرة ثانية.

في الحقيقة ليس هناك تعريف محدد للفساد بالمعنى الذي يستخدم فيه هذا المصطلح اليوم، لكن هناك اتجاهات مختلفة تتفق في كون الفساد هو إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص، ويحدث الفساد عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمناقصة عامة، كما يمكن للفساد أن يحدث عن طريق استغلال الوظيفة العامة من دون اللجوء إلى الرشوة أو سرقة أموال الدولة مباشرة، نعم إن ظاهرة الفساد الإداري ظاهرة طبيعية في المجتمعات الرأسمالية حيث تختلف درجات هذا الفساد باختلاف تطور مؤسسة الدولة، أما في بلدان العالم الثالث فإن فساد مؤسسات الدولة وتدني مستويات الرفاه الاجتماعي تصل إلى أقصى مدياتها، وهذا ناتج عن درجة التخلف وازدياد معدلات البطالة، فالفساد قد ينتشر في البنى التحتية في الدولة والمجتمع، وفي هذه الحالة يتسع وينتشر في الجهاز الوظيفي ونمط العلاقات المجتمعية فيبطيء من حركة تطور المجتمع ويقيد حوافز التقدم الاقتصادي.

إن الآثار المدمرة والنتائج السلبية لتفشي هذه الظاهرة المقيتة تطول كل مقومات الحياة لعموم المجتمع، فتهدر الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل أداء المسؤوليات وإنجاز الوظائف والخدمات، وبالتالي تشكل منظومة تخريب وإفساد تسبب مزيدًا من التأخير في عملية البناء والتقدم، ليس على المستوى الاقتصادي والمالي فقط، بل في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي، ناهيك عن مؤسسات ودوائر الخدمات العامة ذات العلاقة المباشرة واليومية مع حياة الناس، فإن الفساد له آلياته وآثاره ومضاعفاته التي تؤثر في نسيج المجتمعات وسلوكيات الأفراد وطريقة أداء الاقتصاد وتعيد صياغة نظام القيم والمبادئ والأخلاق.

يمكن هنا ان نتناول أنواع الفساد والتي منها الفساد السياسي والذي يتعلق بمجمل الانحرافات المالية ومخالفات القواعد والأحكام التي تنظم عمل النسق السياسي في المؤسسات السياسية في الدولة مع أن هناك فارقا جوهريا بين المجتمعات التي تنتهج أنظمتها السياسية أساليب الديمقراطية وتوسيع المشاركة، وبين الدول التي يكون فيها الحكم شموليًا ودكتاتوريًا، وتتمثل مظاهر الفساد السياسي في فقدان الديمقراطية، وفقدان المشاركة، ومنها الفساد المالي ويتمثل بمجمل الانحرافات المالية ومخالفة القواعد والأحكام المالية التي تنظم سير العمل الإداري والمالي في الدولة ومؤسساتها ومخالفة التعليمات الخاصة بأجهزة الرقابة المالية كالجهاز المركزي والرقابة المالية المختصة بفحص ومراقبة حسابات وأموال الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة والشركات، ويمكن ملاحظة مظاهر الفساد المالي في الرشاوى والاختلاس، ومنها الفساد الإداري ويتعلق بمظاهر الفساد والانحرافات الإدارية والوظيفية أو التنظيمية وتلك المخالفات التي تصدر عن الموظف العام أثناء تأديته مهام وظيفته في منظومة التشريعات والقوانين والضوابط ومنظومة القيم الفردية التي لا ترقى إلى الإصلاح وسد الفراغ لتطوير التشريعات والقوانين التي تغتنم الفرصة للاستفادة من الثغرات بدل الضغط على صناع القرار والمشرعين لمراجعتها وتحديثها باستمرار، وهنا تتمثل مظاهر الفساد الإداري في عدم احترام أوقات ومواعيد العمل في الحضور والانصراف أو تمضية الوقت في قراءة الصحف واستقبال الزوار، والامتناع عن أداء العمل أو التراخي والتكاسل وعدم تحمل المسؤولية وإفشاء أسرار الوظيفة والخروج عن العمل الجماعي.

الواقع أن مظاهر الفساد الإداري متعددة ومتداخلة وغالبًا ما يكون انتشار احدها سببًا مساعدًا على انتشار بعض المظاهر الأخرى، كالفساد الأخلاقي المتمثل بمجمل الانحرافات الأخلاقية والسلوكية المتعلقة بسلوك الموظف الشخصي وتصرفاته، كالقيام بأعمال مخلة بالحياء في أماكن العمل أو أن يجمع بين الوظيفة وأعمال أخرى خارجية دون إذن إدارته، أو أن يستغل السلطة لتحقيق مآرب شخصية له على حساب المصلحة العامة، فكل تلك أجزاء بسيطة من عناوين الفساد ومفاهيمه ومقارباته، بل هي جزء يسير مما يعبر عنه علماء الاجتماع وما يطرحه المتعمقون في هذا الجانب من المعرفة والدراية.

إن الآمال معقودة الآن من أجل تطهير البحرين من الفساد وتلك الجرائم التي توثقت في ديوان الرقابة العام، وأن تعود الأموال المنهوبة إلى الدولة لإعادة ضخها لمن يستحقها وفي مشاريع التنمية والبنى التحتية والإسكان والإعمار وما يصلح ويخص المواطن البحريني، وإن الأمل أن يتم محاسبة كل المتجاوزين ومن يثبت استغلاله لوظيفته أو رتبته، ولا داعي للخوف فإن المواطن المخلص المحب لوطنه لا يمكنه ان تسول له نفسه ان يخون وطنه سواء بتلك الخيانة الواضحة أو خيانة الأمانة الوطنية.

نشد على يد القيادة الرشيدة -حفظها الله- على دعم الاستراتيجيات المحققة لدور المواطن النزيه، والعمل على بناء جسور التواصل وفتح الأبواب للكشف عن كل ملابسة تخص الفساد والمفسدين، ونرفض كشعب أن تستمر حالات وإن كانت قليلة في هدر المال العام وتضييع الحقوق عبر قلوب مريضة لا ترتقي إلى أن تكون حامية للوطن وراعية له، ومن هنا ندعو الجميع إلى التكاتف مع القيادة الرشيدة ووضع اليد بيدها لنكون جميعًا حماة للدين والوطن والفاعلين والبادئين بأنفسنا لتحقيق العدالة والنزاهة والمحبة وإشاعة السلم والأمن والأمان والسلام.

‭{‬ رئيس «كلنا للوطن» 

Alensan555@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news