العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٨ - الاثنين ٢٣ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

هل تصبح القدس مثل مدينة الخليل؟

بقلم: د.جيمس زغبي

الثلاثاء ١٠ أكتوبر ٢٠١٧ - 01:25

في الأسبوع الماضي رفعت مجموعة من أعضاء حزب الليكود والخبراء إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقريرا يدعو إلى «تنظيم» القدس العربية بما يشبه الطريقة التي مزقت بها أوصال مدينة الخليل في الضفة الغربية. لقد اعتبر البعض أن هذه الخطوة تمثل علامة إيجابية قد تدل على أن حكومة بنيامين نتنياهو قد تكون تدرس أفكارا من شأنها أن تنهي السيطرة الإسرائيلية المباشرة على حياة قرابة 300 ألف فلسطيني. في الحقيقة أن ما تخطط له إسرائيل يختلف كل الاختلاف. 

إن دوافع طرح مثل هده الخطة هي بالأساس مالية وعنصرية. فإسرائيل تريد من خلال هذه الخطة التنصل من مسؤوليتها كقوة احتلال عن تقديم أي دعم لهؤلاء الفلسطينيين، وبالتالي توفير «مليارات من الشيكلات», ويتيح التخلي عن دعم 300.000 إسرائيلي وأيضا ضمان التفوق الديمغرافي اليهودي على من تبقى من أجزاء تابعة لهم في القدس. 

لم يعبأ هذا التقرير بطبيعة الحال بمصير الفلسطينيين الذين تريد إسرائيل أن تعزلهم وتتنصل من مسؤولياتها عنهم. فهؤلاء الفلسطينيون لن يكونوا أحرارا بل إنهم سيكونون على العكس من ذلك شعبا حبيسا تحاصره سلسلة من المستوطنات المتداخلة ويطوقهم جدار يبلغ ارتفاعه 28 قدما. سيزداد هؤلاء الفلسطينيون فقرا على ما يعانونه في الوقت الحالي من أوضاع صعبة كما أنهم سيكونون معزولين أكثر من أي وقت مضى عن الضفة الغربية ولن يكون بإمكانهم ممارسة أي أنشطة تجارية مع عالم ما وراء الجدار الفاصل. 

سواء تم تنفيذ هذا المخطط أم لا فإنه من الواضح أن السياسة التي ظلت تنتهجها إسرائيل منذ احتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس قد ظلت تسير في هذا الاتجاه. فقد عمل الإسرائيليون على امتداد السنين الماضية على تحقيق هدفين رئيسيين: تكريس سيطرتهم على المدينة والعمل على «تهويد» طابعها من دون هوادة. لقد تسببت هذه السياسة الإسرائيلية في عواقب وخيمة على حياة الفلسطينيين في القدس والمناطق المتاخمة لها. 

كانت مدينة القدس حتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي مركزا حيويا للأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية الفلسطينية. لم تكن مدينة القدس فقط كقرار لأهم المواقع والمؤسسات الدينية بل كانت أيضا المدينة التي يقصدها مئات الفلسطينيين من مختلف أنحاء الضفة الغربية للعمل والتسوق أو الدراسة أو العلاج الطبي أو الحصول على مختلف الاستشارات المهنية. رغم أن الدولة غير موجودة فقد كانت مدينة القدس تؤدي مختلف الوظائف والأدوار المنوطة بالعاصمة. 

بعد أن احتل الإسرائيليون كامل فلسطين سنة 1967 اصبح الفلسطينيون يجدون صعوبة كبيرة في الوصول إلى مدينة القدس. فقد عمد الإسرائيليون إلى إغلاق منافذ المدينة بين الحين والآخر ونصب نقاط التفتيش والحواجز الأمنية، وهو واقع مرير تعايش معه الفلسطينيون. رغم تلك القيود التي فرضتها إسرائيل فقد حافظت مدينة القدس على مكانتها الحيوية.

سعت إسرائيل على مدى العقود والأعوام الماضية إلى تشديد قبضتها على مدينة القدس. فقد أطلقت إسرائيل مشروع ما يسمى «القدس الكبرى» بعد مرور بضع سنوات على نهاية حرب الأيام الستة سنة 1967, وهو مشروع يضم القسم الشرقي من المدينة وأجزاء واسعة من الضفة الغربية، إضافة إلى 28 قرية عربية. 

سعيا منها للتغطية على جريمة ضم الأراضي والقرى الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى الجزء الشرقي من مدينة القدس، فقد أطلقت إسرائيل على هذه القرى تسمية «الأحياء العربية» وتسمية المستوطنات المشيدة على الأراضي الفلسطينية المحتلة «الأحياء اليهودية» في مدينة القدس. 

تغيرت الحياة الفلسطينية كثيرا سنة 1994 بعد تلك المذبحة الإرهابية التي راح ضحيتها 29 من المصلين الفلسطينيين في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل بالضفة الغربية. فقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك اسحاق رابين يخشى رد الفعل الفلسطيني على تلك الجريمة النكراء فعمد إلى تشديد الإجراءات الأمنية وفرض حالة «الاغلاق» التي لم ترفع بعد ذلك أبدا. 

خلال الأعوام التالية شددت إسرائيل حالة الإغلاق واتخذت سلسلة من الإجراءات الأخرى، حيث أصبح من الصعب على الفلسطينيين الحصول على تصاريح تمكنهم من الدخول إلى مدينة القدس. عمدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أيضا إلى إغلاق المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية وأبلغت المؤسسات الأجنبية بأنه يحظر عليها عقد اجتماعات ذات طابع سياسي في مدينة القدس. 

ظلت المستوطنات اليهودية في الأثناء تتنامى وتزحف على الأراضي الفلسطينية المحتلة. فحتى قبل أن تبدأ إسرائيل في تشييد الجدار الفاصل أصبحت القدس محاصرة بالكتل الاسمنتية والمستوطنات اليهودية المتنامية فوق الهضاب والتلال المحيطة فيما ارتفع الجدار لحماية المناطق المأهولة باليهود فقط. وجدت القرى العربية نفسها معزولة وممزقة الأوصال كما انتزعت الأراضي من سكانها من أجل تشييد الوحدات الاستيطانية الجديدة وتوسيع المستوطنات القائمة. باتت التجمعات السكانية الفلسطينية القديمة تعاني من الاختناق بعد أن حاصرتها المستوطنات من كل جانب. 

ازداد الأمر سوءا بسبب شبكة الطرقات السريعة الضخمة التي أنشأتها الحكومات الإسرائيلية المتتالية وجعلتها حكرا على اليهود، وهو ما تسبب في تمزيق أوصال الأراضي الفلسطينية وعزل السكان الفلسطينيين عن بعضهم البعض. كما عمدت سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى مصادرة أراضيهم ومنعهم من الوصول إلى مدينة القدس. 

لقد أثرت هذه السياسات الإسرائيلية تأثيرا سلبيا مباشرا على مختلف مظاهر ومناحي الحياة. لم تكد تمر أعوام قليلة على بدء فرض حالة الاغلاق حتى ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات صادمة في مدينة القدس والمناطق المحيطة بها. لم يعد بإمكان الفلسطينيين القاطنين في الضفة الغربية الوصول بسهولة إلى المدينة. اضطرت المحلات التجارية ومؤسسات الخدمات الاجتماعية والطبية إلى تسريح الكثير من الموظفين كما أغلق العديد من مزودي الخدمات مكاتبهم. أما الشركات والمنشآت التجارية فقد وجدت نفسها تواجه مشاكل كثيرة ما سبب لها معاناة كبيرة، شأنها في ذلك شأن المؤسسات الثقافية. 

ثم شرعت إسرائيل في بناء الجدار الفصل وقد سعت مرة أخرى للتغطية على طبيعته حيث أنها أطلقت عليه تسمية «الحاجز». بني الجدار من الاسمنت المسلح ويبلغ ارتفاعه 28 قدما مع أبراج للمراقبة، تفصل بينها مسافات محددة. يمتد الجدار عبر أراضي الضفة الغربية وهو يمزق أوصالها ويعزل القرى والتجمعات السكانية الفلسطينية عن بعضها البعض. 

بعد أن أكملت تشييد الجدار الفاصل تمكنت إسرائيل بذلك من عزل القدس العربية وتضييق الخناق عليها الأمر الذي تسبب في تفاقم فقرهم وتعميق عزلتهم. سرعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أيضا من وتيرة البناء الاستيطاني ومصادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة بالقوة, الأمر الذي حول الفلسطينيين إلى شعب حبيس في «القدس الكبرى». 

عمدت السلطات الإسرائيلية إلى هدم المنازل الواقعة في المناطق التي توجد داخل الجدار بدعوى أنها قد شيدت من دون الحصول على التصاريح القانونية, علما أن السلطات الإسرائيلية لا تمنح الفلسطينيين مثل هذه التصاريح القانونية. 

عمدت السلطات الإسرائيلية أيضا إلى إنهاء إقامة الفلسطينيين في القدس إما لأنهم اضطروا الى الخروج من المدينة بحثا عن العمل أو لأنهم قد تزوجوا من الضفة الغربية ولم يسمح لهم باستقدام زوجاتهم للعيش معهم في مدينة القدس. 

لا يزال الإسرائيليون حتى اليوم يصادرون المزيد من أملاك الفلسطينيين في «الأحياء العربية» وتحويلها إلى الجماعات الاستيطانية من أجل إقامة مستوطنات يهودية معادية ومحمية عسكريا في قلب المناطق العربية. الهدف من هذه السياسات تكريس التفوق الديمغرافي اليهودي في «القدس الكبرى». 

هكذا تهيأ المجال، على مدى الأعوام والعقود الماضية، للخطة التي رفعت مؤخرا الى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. إنها خطة ترمي بكل بساطة إلى تسوية «المشكلة الديمغرافية», وذلك عبر التخلص من 300 ألف فلسطيني من تعداد السكان وتهويد القدس وتمكين الدولة من توفير مبالغ ضخمة. 

من شأن هذه الخطة الإسرائيلية الجديدة المقترحة أن تزيد في تفقير الفلسطينيين وتعميق معاناتهم في ظل واقع الاحتلال المرير. إذا ما طبقت هذه الخطة فإن القدس ستصبح مثل مدينة الخليل. ستسعى إسرائيل إلى التغطية على حقيقة دوافع الخطة وتقول: «لقد حررنا الفلسطينيين». كلا، إنهم أبقوا على الفلسطينيين سجناء. 

 

* رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news