العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

مكسب جديد للمرأة التونسية

تعتبر تونس من بين أكثر الدول العربية تقدما من حيث منح المرأة التونسية حقوقا كثيرة متساوية مع الرجل، فتونس هي الدولة العربية الوحيدة (باستثناء اليمن الديمقراطية سابقا) التي وضعت شروطا يمكن وصفه بالتعجيزية لتمكين الرجل من الزواج بثانية، حيث قانون الأحوال الشخصية التونسي يعد من القوانين التقدمية بين القوانين العربية منذ صدوره في عهد الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي يعتبر بحق باني الدولة التونسية الحديثة، ومنذ ذلك التاريخ وحتى ما بعد «ثورة الياسمين» التي أطاحت بحكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي استمرت المرأة التونسية في حصد مزيد من الحقوق وحالت حركتها النسائية القوية المدعومة من القوى التقدمية التونسية من دون المساس بهذه الحقوق بعد الثورة وانقضاض قوى الإسلام السياسي على تلك المكتسبات في محاولة لتهميشها والحد منها تحت حجج مخالفتها للشريعة الإسلامية وغير ذلك من الحجج تحقيقا لأهداف غير معلنة تتمثل في التمسك بدونية المرأة اجتماعيا وحقوقيا واقتصاديا وحتى سياسيا كذلك.

مؤخرا، حققت المرأة التونسية مكسبا جديدا يتمثل في إلغاء وزارة العدل التونسية منشورا كان يمنع التونسيات من الزواج بالأجانب غير المسلمين، وكل النصوص التي كانت تضع القيود على زواج التونسيات، باعتبار أن المنشور «يخالف الفصلين 21 و41 من الدستور التونسي والاتفاقيات الدولية الموقعة من قبل الحكومة»، ما كان هذا ليحدث لو أن المرأة التونسية ممثلة في منظماتها النسوية استسلمت للواقع الذي أرادت القوى الرجعية التونسية فرضه على المجتمع التونسي بشكل عام وعلى المرأة بشكل خاص بعد الثورة، حيث كانت هذه القوى متربصة بالمكتسبات الاجتماعية التي تحققت للشعب التونسي بعد الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي.

الدستور التونسي على سبيل المثال ينص على «حرية المعتقد والمساواة بين التونسيين والتونسيات» وهو النص الذي استندت إليه 60 جمعية تونسية طالبت بسحب المنشور السالف الذكر، وبالتالي لا معنى للنص الدستوري الذي يتحدث عن المساواة بين «التونسيين والتونسيات» لو لم يلغَ ذلك المنشور، وخاصة أن الدستور ينص على «حرية المعتقد» وبالتالي يمكن أن يكون هناك تونسيون غير مسلمين فكيف يمكن حرمان هؤلاء من الزواج بتونسية مسلمة والعكس كذلك، لهذا تعد خطوة الإلغاء خطوة تقدمية لا تصب في خانة مكتسبات المرأة التونسية فقط وإنما المجتمع برمته.

ليس مهما النص دستوريا أو قانونيا على «المساواة بين الجنسين»، فالعبرة ليست بالكلمات الجميلة والرنانة، وإنما بالتطبيق الفعلي لهذه المساواة، في جميع الحقوق كما في جميع الواجبات، فهناك تمييز لا تخطئه العين يقع على المرأة من دون سواها في كثير من الدول العربية إن لم يكن جميعها، مع اختلافات في درجة هذا التمييز بين دولة وأخرى، وما يعزز هذا التمييز ليس سوء القوانين وضعفها فقط، وإنما الواقع الاجتماعي للعديد من الشعوب العربية التي لا تزال الغالبية الساحقة من أبنائها تنظر إلى المرأة على أنها كائن ناقص لا يستحق أن يكون على درجة متساوية في الحقوق وحتى الواجبات مع الرجل.

فالمرأة بشكل عام في جميع الدول العربية تقريبا، مع استثناءات هناك وهناك، لا تتمتع بحقوق متقاربة مع تلك الحقوق التي يتمتع بها الرجل، ناهيك عن أن المرأة في بعض الدول العربية تعاني تهميشا ممنهجا وخطيرا ومحرومة من كثير من الحقوق وليس في الأفق المنظور ما يشير إلى أن هناك تغييرات جذرية في الطريق يمكن أن تعدل من الوضع الحقوقي للمرأة، ورغم ذلك، وللإنصاف، فإن المرأة في العديد من الدول العربية استطاعت أن تنتزع حقوقا تعد في فترة من الفترات من المحرمات، مثل المشاركة في الحياة السياسية والانتخابات النيابية والبلدية، كما هو شأن المرأة في البحرين.

بالعودة إلى واقع المرأة التونسية، فإنها تتربع على المركز الأول عربيا من حيث ما اكتسبته من حقوق اجتماعية وسياسية، فهذه الحقوق ترسخت على مدى السنوات التي تلت استقلال تونس عن الاستعمار الفرنسي، فأصبحت هذه الحقوق بمثابة جزء من الحياة الاجتماعية التونسية فبات من الصعب جدا التراجع عنها أو انتقاصها، فكانت هناك بالفعل محاولات من قوى الإسلام السياسي وعلى رأسها حركة «النهضة» بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، لــ«تعديل» بعض القوانين، فيما يخص بعض الحقوق التي اكتسبتها المرأة التونسية، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يقتصر التصدي لها على الحركات النسائية التونسية وإنما قوى المجتمع المدني التونسي، وفي مقدمتها قواه التقدمية تصدت لهذه المحاولات.

المرأة التونسية سجلت حضورها الاجتماعي والحقوقي بقوة وتمكنت من تكريس هذا الحضور من خلال النضال المتواصل والتصدي الشجاع لكل محاولات تهميشها وتقليص حضورها في الساحة التونسية على عدة مستويات، وبالتالي فإن المكتسبات التي تحققت للمرأة التونسية والتي انتزعت الكثير منها بفضل نضالها ومثابرتها، لن تكون هذه المكتسبات لقمة سائغة للقوى الرجعية أيًّا كانت توجهاتها.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news