العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

الحاجة إلى الخروج من الدولة الريعية إلى الدولة الإنتاجية

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ١٣ ٢٠١٧ - 01:30

في سعينا للخروج من عباءة الدولة الريعية على أثر الأزمة النفطية يجوز ان نطرح هذا السؤال: هل الخروج من الدولة الريعية معبد أمامنا أم أننا نواجه عقبات كبيرة تعرقل هذا الخروج؟ وهل مازلنا نملك قرار الخروج أم أنه أصبح مفروضا علينا بفعل التطورات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المنطقة؟ ليس بمقدورنا الإجابة عن هذه الأسئلة ولكن يحق لنا ان نطرحها ونتوقع ان نحصل من المسؤولين على إجابات تنير لنا الطريق وتجدد الأمل بمستقبل أفضل لأبنائنا؟

إن مستقبل النفط اعتمد ويعتمد على الدول المتقدمة من حيث حجم الطلب وحجم المعروض والمخزون، كما يعتمد على مدى التقدم في البدائل التي تنتجها مراكز أبحاث ومصانع الغرب. اما نحن فليس لنا سوى الانتظار متى تهبط علينا الأزمة من جديد بشكل أكثر قوة واشد فتكا بمجتمعاتنا ومستوى معيشتنا.

فمثلا قرأنا في الأسبوع الماضي خبرا يقول إن دولا غربية كثيرة قد أعلنت إن عام 2040 سوف يكون نهاية السيارة التي تعمل بالجازولين (البترول)، وسوف تمنع في المدن الغربية كجزء من مكافحة التلوث والمحافظة على صحة مواطنيها. منع هذه السيارات من طرق المدن الغربية يعني توقف صناعتها وانخفاض الطلب على الوقود وبالتالي انخفاض أسعار النفط الخام أكثر مما هي عليه الآن. وزارة الطاقة البريطانية قررت منع بيع سيارات التي تعمل بمحرك بنزين عام 2040 ومنظمة صناع السيارات البريطانية تعمل على إجراء الترتيبات وحث المصانع على إجراء التغييرات للالتزام بهذه المعايير والتحديدات.

المصانع لن تنتظر إلى عام 2040 بل انه في نهاية عام 2016 تم إنتاج ثلاثة أرباع مليون سيارة كهربائية، وان شركة «فولفو» قررت التخلي عن محرك البنزين والديزل عام 2019 أي بعد سنتين فقط وتستبدله بمحرك كهربائي، وسوف تنتج مليون سيارة تعمل بمحرك كهرباء عام 2025. ووفق بعض التقديرات فإن هذا التحول قد يقلل الطلب على النفط بما يعادل 11 مليون برميل يوميا بحلول عام 2030، وستين مليون برميل بحلول عام 2050.

سواء صحت هذه الأرقام أو كانت مبالغا فيها، أو أنها مؤامرة غربية لكن الواضح ان قرار استمرار اعتماد العالم على النفط ليس بيد دول الخليج ولا بيد الدول المصدرة للنفط ولكن هناك قوى أخرى تحرك الطلب على الطاقة ونوعية الطاقة التي ترضاها لشعوبها وتشكل جزءا من خططها للتخفيف من التلوث والانحباس الحراري. هذه القوى عند اتخاذها مثل هذه القرارات لا تضع في اعتبارها ان هناك شعوبا ليس لديها بدائل سوى استخراج النفط وبيعه والعيش من إيراداته، ولم تتحرك سلطاتها ومخططيها خلال خمسة عقود من إيجاد بدائل أو تطوير مصادر أخرى للدخل.

من الأخبار غير السارة كذلك لنا في الخليج ان هذا التحول نحو الكهرباء ليس مرتبطا فقط بارتفاع أو انخفاض سعر النفط بقدر ما هو مدفوع بقوانين انبعاثات الغاز في الدول التي أصبحت أكثر صرامة مع مرور الوقت. أضف إلى ذلك ان تكنولوجيا تصنيع محركات الكهرباء وسيارات الكهرباء أصبحت اقل كلفة من محرك البنزين وكلفة إنتاج الكهرباء اقل من كلفة البنزين.

ما هو مؤكد ان هذا التوجه نحو الكهرباء سوف يؤثر في سعر النفط وبحسب تقديرات تقول إن التأثير قد يكون في حدود 24% إلى 33%. أضف إلى ذلك فإن الدول الغربية تمنح تسهيلات لمن يقرر شراء سيارة كهربائية. فمثلا ألمانيا وحدها وفرت 600 مليون دولار حتى عام 2019 كحوافز ودعم لاستخدام السيارات الكهربائية، بالإضافة إلى الإعفاءات الضريبية التي تنتهجها بعض الدول الأوروبية الأخرى. 

نتيجة هذه الإجراءات هي ان سعر النفط متوقع ان ينخفض ليصل إلى اقل من أربعة دولارات للبرميل بحوالي عام 2040 وليس أربعين دولارا كما هو اليوم. تداعيات ذلك على الاقتصاد الخليجي ليست جيدة على اقل تقدير، فماذا أعدت دولنا الخليجية لهذا المصير الذي تحدث عنه مجلس الشورى؟ وماذا اعددنا له نحن في البحرين؟

هذا المصير لا يقف فقط عند دول الخليج بل سيطال جميع الدول العربية التي تعتمد بشكل أو بآخر على النفط أو التحويلات أو المساعدات. لم يعد تحول الاقتصاد إلى إنتاجي خيارا بل فرضته أحداث الربيع العربي. فالربيع العربي سواء كان نتيجة مؤامرة أم انه نابع من شعور شعبي بالحاجة إلى التغيير، فإنه حرك عجلة التغيير. كيف ستدور هذه العجلة بعد أن تهدأ العاصفة الحالية قد يكون من الصعب التنبؤ به، لكن من المؤكد كذلك ان هناك حاجة إلى التغيير وعلينا إدارته لصالح استقرار دول وشعوب المنطقة. فما هي التحولات التي تحتاج إليها الدول للاستعداد للمرحلة المقبلة؟

إذا اقتدينا بالدول النامية في مناطق عدة نجد ان بعضها نجح في الخروج من مأزق تصدير المواد الأولية وحقق مستويات عالية من النمو، من هذه الدول بوتسوانا وتشيلي وماليزيا، كذلك نجحت دول شرق أسيا في التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي. بدأت هذه الدول بالتنوع القطاعي الذي فتح المجال إلى تشابك القطاعات وفيض الفوائد فيما بينها ليخلق زخما تنمويا.

بعض الدراسات تعزو نجاح هذه الدول في تخطي نقمة تصدير المواد الأولية اعتمادا على ثلاث عوامل هي بناء رأس المال البشري، تطوير وتحسين الحاكمية ومؤسسات الدولة، وضع السياسات الصناعية والتحفيزية المناسبة والسليمة. والسؤال يبقى لماذا نجحت هذه الدول في تبني هذه العوامل ووضع السياسات الفعالة لإحداث التغيير بينما أخفقت دولنا الخليجية والعربية حتى الآن؟

 

mkuwaiti@batelco.com.bh 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news