العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

سفر وسياحة

الفخار البحريني.. صناعة أثرية تمارس منذ أكثر من 3 آلاف عام

الأحد ١٠ ٢٠١٧ - 01:00


دخل في يوميات إنسان دلمون وفي قبره


كتبت: زينب إسماعيل

تصوير- جوزيف

على مقربة من تلال عالي الأثرية، والتي سجلتها وزارة الثقافة مؤخرا ضمن قائمة اليونيسكو، ومدافن ملوك دلمون التي لم تكشف كافة أسرارها بعد، تنتشر صناعة الفخار الأثرية في القرية الأشهر بهذه الحرفة التي تمتد جذورها لأكثر من 3 آلاف سنة قبل الميلاد، لتكون أقدم الصناعات الحرفية التي لا تزال تمارس حتى الآن. ووفق الأبحاث الأثرية التي تؤكد وجودها ضمن حفريات مدن أثرية قديمة، وذلك لتوافر المواد الصالحة لهذه الصناعة، واحتياج السكان إلى الأدوات الفخارية في طهي الطعام وحفظ الماء والأختام الدلمونية المتعددة والأوزان التجارية.

ويرجع تاريخ بعض تلك القطع إلى الألف الرابع قبل الميلاد. فقبل أن يستعمل الإنسان الفخار في صناعة الأواني التي يحتاج إليها في حياته اليومية استعمل الحجر والجلد ليطبخ ويتناول طعامه. ووفق المعتقدات الدينية التي كان يؤمن بها وقتها، كان يستلزم دفن حاجات الميت معه ضمن أوان فخارية مدورة، وذلك لما يمتاز به الفخار دون غيره بالخفة وسهولة التصنيع واحتوائه على المسامات التي تساعد على بقاء الحاجيات كما هي عليه رغم مرور السنوات.

وخلال المراحل اللاحقة، توصل الإنسان الدلموني إلى طرق مزج الألوان وخلطها لاستخراج ألوان جديدة، وتلوين القطع الفخارية وزخرفتها، كما في الأواني الطينية ودمى السفن التي عثر عليها داخل المدافن.

مراحل التصنيع

حاليا، وبعد مرور كل تلك السنوات، لم تتغير صناعة الطين كثيرا سواء إدخال بعض التحديثات البسيطة في الأفران باستخدام الغاز بدل الاخشاب التي كان يستعان بها في السابق لأجل الحرق واستخدام الألوان المزججة. ويتم احضار الطين المستخدم في التشكيل من منطقة الحنينية بالرفاع بعد سقوط الامطار وتشبعها به، بحيث إن المطر بقي فيها مدة من الزمن حتى تتحوّل إلى كتل طينية صغيرة، ثم تكون قد جفّت من المطر فيما بعد.

ويقتصر وجود الطين في هذه المنطقة البعيدة عن وطء الإنسان والحيوان، وهو يمتاز باللزوجة العالية وقلة حبيبات الرمل فيه وسهولة التشكيل. ويعتبر هو المادة الخام الأساسية في صناعة الفخار، حيث يعتمد في تشكيله على نوعيته، فأجود الأنواع هو الاسمر والأحمر والأبيض الرفاعي.

يقوم الحمّال بضربه وطحنه ووضعه في الماء لتصفيته لمدة ساعات، ثم بعد ذلك يمر بعملية التشكيل بواسطة الحرفيين لإعطائه الشكل المرغوب فيه. ويتم صنع الأواني الفخارية عن طريق آلة خاصة تدار من قبل الحرفي وتوضع في حفرة تغطي نصف جسمه وهي عبارة عـــن دولاب (عجلة) يصنع عادة من الخشب أو الحديد، يدار بواسطة دولاب آخر مصنوع من حجر دائري يحركه الصانع من الأسفل برجله وفي أثناء دوران الدولاب الذي أمامه يقوم بتشكيل العجينة بأنامله ويدخل يده في داخل فتحة الإناء الذي يشكله لتسوية جدرانه من الداخل ومن ثم يزخرف الإناء.

بعد التشكيل، تعرض الفخاريات في الشمس حتى تجف، وتنقل إلى افران خاصة تغلق بإحكام بالحجر والطين وتترك داخلها مدة 12 ساعة ثم تُخرج وتوضع في أحواض مياه باردة تزيد من صلابتها وتماسكها.

وفي زيارة لأخبار الخليج لقرية عالي التي تنتشر فيها 7 معامل فخار تعود ملكيتها لأبناء القرية الممتدة، لكنها باتت مهنة لا يرغب بها الشباب من بعد اتجاههم إلى الوظائف خارج المنطقة. ويوضح أصحاب المعامل أن «البحرينيين أكثر زيارةً لمعاملنا، ولكن الأجانب يقتنون القطع الفخارية لارتباطها بالفن اليدوي ويعتبرونها قطعا فريدة لا تحمل قيمة مادية، على عكس الفخار الصيني الذي ينتج بالآلات والقوالب الجاهزة». ويشير الحرفيون إلى ان «الفخار البحريني يمتاز بالجودة العالية واللون المميز إضافة إلى المستوى العالي من حرفيي هذه الصناعة».

ويقول علي عبدالعزيز، صاحب مشغل فخار بالقرية، والذي يعود عمر معمله الزمني إلى 200 عام إن «البحرينيين يشكلون ما نسبته 80% من زوار المعامل وتراجعت صناعة الفخار خلال 7 أعوام الماضية عن السابق، كما يتردد الزوار السعوديون والكويتيون على القرية لزيارة تلك المعامل واقتناء بعض الحاجيات منها، فضلا عن الأوروبيين والأمريكيين المقيمين».

وأضاف «عادةً ما تبيع المعامل منتجاتها داخل متاجرها، ولكن نقوم بتوفير بعضها بحسب الطلب، ونحاول تقديم الجديد من المنتجات لجذب مزيد من الزبائن». ويتم عرض منتجات بعض المعامل في مركز العاصمة القريب من منطقة السيف.

ويشدد عبدالعزيز على «دعم وزارة الثقافة بشكل دائم في عدد الوقفات المشهود لها في حال عدم توفر الطين اللزج الذي يعد قلب الصناعة، حيث قامت في مرة أو أكثر بتوفيره مجانا من مصر». 

إلا أن عبدالنبي عبدالرحيم يؤكد «غياب التنسيق ما بين الجهات الرسمية لأجل جلب وفود سياحية إلى المعامل في قرية عالي». وعبدالنبي هو صاحب معمل دلمون للفخار المليء بالمنتجات التي تحمل الطابع الفني أكثر من الفخاري، والذي يعمل معه 4 شبان بحرينيين ولعوا بالفن التشكيلي وأسقطوا ولعهم على تلك القطع التي تنتشر في زوايا المعمل، مضيفا عبدالنبي: «نحاول تشجيع الشباب والشابات للانضمام إلى المهنة، ولكن هذا العدد دون الطموح ولا يحقق الدخل المطلوب».

وشهدت الصناعة ازدهارا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي ببلوغ عدد مصانعها وقتها أكثر من 20 مصنعا، حيث لم يخلُ منزل من تلك المنتجات عبر استخدامها كأوان لطبخ الطعام وتخزينه وحفظ الماء والعديد من الاستخدامات الأخرى، حتى باتت تصدر إلى السعودية، ولكن مع وصول البدائل من ثلاجات وأوان صينية في مطلع السبعينيات لم يتبق سوى مصنع واحد، هو مصنع عبدالرحيم، والد عبدالنبي نفسه.

ويبين عبدالنبي «كان أبي صاحب المعمل الوحيد الذي ظل يصارع من أجل البقاء خلال السبعينيات، بعد ترك بقية الحرفيين المهنة واتجاههم إلى مهن أخرى، حافظ والدي على وجوده في السوق عبر إضافة منتجات جديدة تقترب من الفن أكثر، حتى بات يوزع منتج مصنعه على ركاب الدرجة الأولى في طيران الخليج، إذ كانت عبارة عن قطعة دلة ملونة بحجم صغير، وهو ما أدى إلى تسويق الصناعة لدى زوار البحرين».

ويردف عبدالنبي قائلا «بعد ازدهار الصناعة، عاد بعض من ترك المهنة إلى العمل ثانيةً لما كانت تحققه من مدخول وانتعاش حقيقي. وبقيت ذات السبع معامل حتى الان وحافظت على وجودها في السوق المحلي».

ويحاول مركز الجسرة تطوير هذه الصناعة بما يتواكب مع متطلبات العصر عبر إنتاج قطع حديثة وجديدة، وهو أمر لا يغيب أيضا عن حرفيي المهنة ذاتها الذين يقدمون وبشكل دائم قطعا جديدة دون توقف من أجل البقاء في السوق المحلي، ويشير عبدالنبي «هناك توجه من قبل الدولة، وبالتحديد مركز الجسرة إلى التطوير لتشجيع الحرفيين العاملين في العديد من الصناعات التراثية مثل النجارة والفخار عبر إقامة ورش عمل متخصصة، بهدف تطوير القدرات الفنية لهؤلاء الحرفيين، وأن تكون تلك الدورات بشكل دائم»، مشيدا عبدالنبي بهذه النقلة التي تدعم الحرفيين وتحقق جزءا من مطالبهم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news