العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

مقالات

عرب الأحواز المسحوقون الذين يتجاهلهم العالم

بقلم: خلف أحمد الحبتور

الخميس ٠٧ ٢٠١٧ - 01:00

هل تعلمون أن هناك ملايين العرب الذين يعيشون في ظروف بائسة في إقليم خوزستان الإيراني الغني بالنفط والماء؟ لا بأس، فأنتم معذورون إن كنتم لا تعلمون. الحقيقة المخزية هي أن العالم العربي غافلٌ عن معاناتهم، وأنه نادراً ما يأتي الإعلام الغربي أو العربي على تسليط الضوء على محنتهم.

إنهم عرب الأحواز المنسيّون في عربستان، تلك المنطقة التي كانت في ما مضى خاضعة لحكم الخلفاء الأمويين والعباسيين. وعام 1925، قام الشاه رضا اللاهث وراء النفط بضمّها إلى بلاده، ووضعَ حاكمها العربي الشيخ خزعل الكعبي من المحمرة في السجن حتى وفاته.

وكأن الحياة في ظل السلالة البهلوية لم تكن قاسية بما يكفي على أبناء عربستان، فإذا بالجمهورية الإسلامية الإيرانية تُمعن في دوس حقوقهم كافة وحرمانهم من أبسط مبادئ حقوق الإنسان، وتَحكم عليهم بالعيش في الفقر المدقع، وتحاول القضاء على هويتهم العربية.

عدد كبيرٌ منهم في ضائقة شديدة ويجد نفسه عاجزاً عن إعالة أسرته. يعاني نحو 81 في المئة من الشباب من البطالة لأن الأولوية في التوظيف تُعطى للفرس الذين نُقِلوا للإقامة في الإقليم. لقد بدأ أبناء عربستان يفقدون أي بصيص من الأمل.

الشهر الفائت، نُشِر مقطع فيديو عبر موقع «يوتيوب» يَظهر فيه رب أسرة أحوازي في مقتبل العمر يُحرق نفسه قبل أن يفارق الحياة في المستشفى؛ وقد انتحر ما لا يقل عن أربعة أرباب أسر شنقاً، هرباً من الاضطهاد الإيراني والتمييز العرقي - الديني.

علاوةً على ذلك، تتعرّض بيئتهم للدمار بسبب الممارسات السيئة التي تلجأ إليها الشركات النفطية والكيميائية، ما يؤدّي إلى تصحّر الأراضي الزراعية، وتلوّث الأنهار، ونفوق الطيور والأسماك، فضلاً عن الزيادة في تفشّي اضطرابات التنفس.

كلما اجتمعوا معاً للتعبير عن مظالمهم المشروعة، يضرب النظام بيدٍ من حديد مستخدِماً مزيداً من القوة والقمع، عبر اعتقال المتظاهرين الذين غالباً ما يتعرّضون لأشد أنواع التعذيب.

على الرغم من كل الظروف المناوئة والمشقّات، هؤلاء القوم الذين هم أشبه بالسجناء في الأرض التي احتضنت أجدادهم، هم عربٌ وطنيون بكل ما للكلمة من معنى، ما خلا أقلية صغيرة جامحة ومسبِّبة للفوضى تتألف من الشيوعيين والموالين لجماعة «الإخوان المسلمين». ينظر عرب الأحواز إلى مجتمعاتهم بأنها خط الدفاع الأول ضد التوسع الإيراني، وحصن عازل بين طهران ودول الخليج العربي.

لم تنجح المحاولات التي بذلها الفرس، سواء عبر حظر لغتهم أو لباسهم التقليدي أو منعهم من إطلاق أسماء عربية على أبنائهم وبناتهم، في تحطيم عقولهم وأرواحهم العربية.

لم تكن إيران تمارس التمييز بين السنّة والشيعة العرب قبل ثورة 1979 عندما اختلق آية الله روح الله الخميني وهماً أسماه الشيعة المحرومين تحقيقاً لمآربه الخاصة. الحقيقة هي أن الإيرانيين تعرّضوا للخداع من أجل إيهامهم بأن السنّة والعرب هم أعداؤهم الطبيعيون، وأن الملالي الذين يحكمون البلاد هم الحماة الذين يذودون عن الطائفة الشيعية.

لا تناصر إيران الشيعة إلا عندما يصبّ ذلك في إطار تحقيق مصالحها الاقتصادية أو أجنداتها الأساسية المتمثلة في نشر أيديولوجيتها التي تعود إلى القرون الوسطى، وتحويل البلدان العربية إلى دمى تحرّكها كما تشاء سعياً إلى بلوغ هدفها الأقصى، ألا وهو السيطرة على الأماكن المقدسة الإسلامية.

من الأمثلة الحديثة عن الغدر الإيراني «حرب الأربعة أيام»، أي النزاع الذي اندلع في أبريل 2016 بين أذربيجان ذات الأكثرية الشيعية الساحقة وأرمينيا ذات الغالبية المسيحية والتي كانت مصممة على القضاء على الجبهة الأذربيجانية-التركية التي كانت ملامحها قد بدأت تلوح في الأفق. تبنّت إيران، التي لطالما اعترضت على عمل شركات النفط العملاقة الغربية في المنطقة المعروفة بـ«رف قزوين»، موقفاً مؤيّداً لأرمينيا.

في السياق عينه، ليس الدعم الإيراني للقضية الفلسطينية سوى واجهة أخرى الهدف منها استمالة القوميين العرب السذّج، كما كتب عبدالله العتيبي قبل سنوات عدة في صحيفة «الشرق الأوسط».

ينقل العتيبي، في مقاله، عن الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني قوله: «لقد استفدنا من طرح عرض القضية الفلسطينية، التي كانت قد دخلت طيّ النسيان، وتمكّنّا عبرها من إقامة علاقات جديدة مع العالم الخارجي وتطويرها».

لا مفر من الإشارة إلى التناقض الشديد بين ادّعاء إيران النُّبل والشهامة في موقفها من الاحتلال الهمجي لفلسطين من جهة، وسلوكها تجاه المواطنين العرب على أراضيها من جهة ثانية، والذي يعكس سلوك البلاد التي تطلق عليها طهران اسم «الشيطان الصغير».

لعرب الأحواز أفئدة شجاعة وأصوات قوية لا تلقى آذاناً صاغية لأنهم يفتقرون إلى الدعم ليس فقط من المجتمع الدولي إنما أيضاً من العالم العربي. نعم، إنهم ينشدون، على غرار الفلسطينيين، دولة مستقلة، لكنهم واقعيون أيضاً، إذ يتعذّر تحقيق ذلك بين ليلة وضحاها.

في الانتظار، يتوقون إلى الحصول على دعم معنوي ودبلوماسي من أشقّائهم العرب، وهو ما لم يتحقق بعد. ويسعون تحديداً إلى الحصول على الاعتراف من جامعة الدول العربية من خلال منحهم مقعداً بصفة دولة شريكة أو مراقِبة.

هذا ما أطالب به منذ بعض الوقت، لكن يبدو أن هناك دولتَين تعارضان هذا الطرح. ليس صعباً أن تحزروا مَن المقصود بذلك. إنهما الدولتان اللتان تكبّلهما قيادتاهما الخاضعتان لإيران، وتجرّدانهما من كرامتهما الوطنية.

بصريح العبارة، الأنف الفارسي الطويل والمعرقل هو الذي يقود جامعة الدول العربية بطريقة غير مباشرة. يجب الإقرار بالأحوال المؤسفة التي آلت إليها الأوضاع، وتصويبها عبر تغيير القواعد والتنظيمات بما يُتيح لأكثرية مؤلَّفة من ثمانين في المئة مثلاً من أعضاء الجامعة العربية إقرار القرارات وفرض العمل بها.

لقد خُذِل عرب الأحواز مرةً تلو الأخرى، وطُعِنوا في الظهر من قبل منظمة «مجاهدي خلق» المتطرفة التي تدعي انها حليفتهم ضد النظام. لقد طُرِحت قضيتهم على النقاش في مجلس العموم البريطاني بحضور ممثّلين عن وزارة الخارجية البريطانية والسفارة الأمريكية والمجموعات الحقوقية والنوّاب، إنما لم تُتَّخذ أي خطوة إيجابية في هذا الإطار.

عرب الأحواز ثابتون في وقوفهم إلى جانبنا. نظَم شاعر أحوازي شاب يدعى أحمد سبهان أبياتاً نابعة من صميم القلب يخاطب بها العاهل السعودي جلالة الملك سلمان بن عبدالعزيز، مبجِّلاً خصاله القيادية في تحرير اليمن من «حوثيي الظلام». فكان مصيره الاعتقال مع زوجته والتعذيب.

إزاء لامبالاة المجتمع الدولي والأصفاد التي تكبّل جامعة الدول العربية، أتوجّه بكلامي هذا إلى أسدَين عربيين رحومَين، الملك سلمان وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.

فلنبرهن لهذا الشعب الذي يرزح تحت وطأة المعاناة منذ وقت طويل أنه ليس متروكاً لوحده. فلنرفع رايتهم ونعمل في سبيل قضيتهم. فلنحمل عالياً لواء هذه القضية في الأمم المتحدة ونرفع الصوت عاليا من أجلهم، ولنسلّط الضوء على محنتهم عبر وسائل الإعلام العربية. هيا بنا نصرخ بأعلى صوت بأننا جميعنا أعضاء أباة في الأمة العربية التي نعتزّ بانتمائنا إليها، وبأننا نأبى أن ننسى عرب الأحواز الأوفياء في عربستان.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news