العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

العمالة الوافدة بين السياسة والاقتصاد

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الخميس ٠٧ ٢٠١٧ - 01:00

أكد رئيس وفد الشعبة البرلمانية البحرينية المشارك في الاجتماع الأخير للجنة الدائمة المعنية بالشؤون الاجتماعية والثقافية في الجمعية البرلمانية الآسيوية والذي أقيم في مملكة بوتان مطلع الشهر الجاري 2017، تحفظ السلطة التشريعية بمملكة البحرين على مضمون مشروع القرار بشأن حماية وتعزيز حقوق العمال المهاجرين فيما يتعلق باستخدام مصطلح العمالة المهاجرة، ورفض كل ما من شأنه النص على منح العمالة الوافدة امتيازات متطابقة مع حقوق المواطنين في المشاركة السياسية. ولا ريب أن طرح الجمعية البرلمانية الآسيوية لهذا الموضوع ليس بجديد، فقد سبق أن طرحته منظمات وجمعيات حقوقية عديدة في فترات زمنية متفاوتة هدفها الأساسي تسييس العمالة الوافدة ومنحها أوضاعا قانونية تتيح لها الحصول على الجنسية والمشاركة السياسية ومنافسة المواطنين في صنع القرار السياسي فضلا عن مشاركتهم بثروات دول المجلس، وهذا ما يتضح من تزايد الضغوط الدولية عليها من قبل المنظمات المعنية بحقوق العمال، وتوجيه الاتهامات لدول المجلس بانتهاك حقوق العمال وممارسة التمييز ضدهم، ومحاولتها التهويل من أي تجاوزات فردية يمكن أن تحصل بين ادارة شركة ما ومجموعة من العاملين، وكأنها ظاهرة مشرعنة من قبل دول المجلس.

وعلى العموم تعد قضية العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الخليجي واحدة من القضايا المحورية المهمة في مجمل الأطر والبنى والاتجاهات المتصلة بسياسات التنمية الاقتصادية والبشرية والديمغرافية لهذه البلدان. فالعمالة الوافدة الرخيصة هي أحد قواعد التنمية التي شهدتها المنطقة منذ تصحيح أسعار النفط بعيد منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي والى الوقت الحاضر، إلى درجة يمكن القول عندها إن النمو السريع في مشروعات القطاع الخاص والعوائد المرتفعة التي حققها ما كانت تتم لولا تلك العمالة الرخيصة. وكان ذلك مبررا لتجاهل تداعياتها والسكوت عن التأثيرات السلبية لها على الأوضاع المعيشية والاجتماعية والأمنية والثقافية لدول مجلس التعاون طيلة فترة الانتعاش الاقتصادي التي شهدتها المنطقة. فمثلا تضخم أعداد العمالة الأجنبية الوافدة وبلوغها في الإمارات العربية المتحدة وقطر نسبة 89% من إجمالي السكان، ونسبة 69% في الكويت ونسبة 54% في البحرين، ونسبة 46% في عمان، ونسبة 33% في السعودية من إجمالي السكان اواخر عام 2015، وفقا للبيانات الصادرة عن الأجهزة المركزية للمعلومات في دول المجلس سنة 2016. يعد واحدا من التحديات المهمة التي تواجه التركيبة السكانية والثقافية للبلاد، حيث وفدت وهي تحمل معها إشكالياتها الاجتماعية، وأمراضها، ونتاج ظروف بيئتها الأصلية من دون أن تخضع لعمليات توجيهية لمواءمتها مع بيئة وظروف مجتمعاتنا الخليجية العربية. وتتصاعد تداعيات العمالة الأجنبية حينما تتركز بنسب عالية على جنسية بذاتها كالجنسية الهندية، والبنغالية، والفلبينية، وحينما تنتشر تجمعات ومساكن العمال من العزاب على وجه الخصوص، في أو قرب الأحياء والمناطق التي تسكنها الأسر الخليجية، والأمر يزداد خطورة مع تدني المستويات العلمية ومحدودية التأهيل المهني وانخفاض دخل أغلبها، مما يجعلها وسطا ملائما لانتشار الجريمة والانحراف وعدم الالتزام بقيم وأخلاقيات المجتمع. فضلا عن منافستها للعمالة الوطنية في مختلف القطاعات، حيث أنها مستعدة للعمل بأسعار متدنية ولساعات عمل طويلة وببيئة عمل غير ملائمة مما يرفضه المواطنون، فوفقا لبيانات هيئة تنظيم سوق العمل، بلغت فجوة كلفة العمل بين العمالة الأجنبية والوطنية في قطاعات المقاولات، والتجارة والفنادق والمطاعم وقطاع الصناعات الصغيرة (297) دينارا في نهاية ديسمبر 2015، حيث بلغ متوسط أجور العمالة الوطنية (525) دينارا، ومتوسط أجور العمالة الأجنبية (228) دينارا. كما أن قسما منها يمارس أعمال التستر التجاري وتأجير السجلات التجارية بالباطن، فضلا عن أعمال أخرى من دون ترخيص من الجهات المعنية. وأدى تزايد العمالة الوافدة لدول المجلس إلى هيمنتها واستحواذها على هيكل وتركيبة سوق العمل الخليجي، وبالتالي تفاقم مشكلة البطالة بين المواطنين على الرغم من الجهود التي تبذلها حكومات دول المجلس لمعالجة البطالة وإيجاد فرص عمل نوعية للمواطنين، كما تؤدي العمالة الوافدة إلى زيادة الضغط على السلع والخدمات، حيث تحصل على خدمة التعليم والصحة، واستخدام المرافق العامة، فضلا عن الاستفادة من الدعم المقدم للمواطنين بطرق شتى.

أما الرواتب والأجور التي يحصلون عليها فإن جلها يحولونه إلى بلدانهم، حيث بلغت تحويلاتها أواخر عام 2015 وفقا لتقديرات البنك الدولي نحو (100) مليار دولار، حصة البحرين منها نحو (2.8) مليار دولار، مما يمثل هدرا في موارد البلاد، وبالتالي تشكل فرصة ضائعة للاستثمار تعكس فشل الأسواق المالية والمصرفية في استقطاب هذه الأموال واستثمارها. ونظرا إلى الحجم الكبير من العمالة الوافدة السائبة في دول المجلس، فإن وجودها يؤدي أيضا إلى زيادة في حجم التحويلات المالية إلى الخارج، وفي الوقت الذي تسعى فيه دول المجلس إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية، فإن تحويلات العمالة الوافدة تشكل مصدرا كبيرا يمكن استثماره لتوفير التمويل اللازم للتنمية عن طريق توفير الأدوات الادخارية والاستثمارية المناسبة للعامل الأجنبي. وتعد العمالة السائبة المصدر الأبرز لتكوين الاقتصاد الخفي في دول المجلس، حيث تقدم العمالة السائبة خدمات بأسعار تنافسية تتضرر منها المؤسسات الوطنية على وجه الخصوص، وتواجه منافسة غير عادلة بسببها. 

وقد كتب كثير عن مخاطر العمالة الوافدة، ونظمت مئات الندوات والاجتماعات والملتقيات حولها، وصدر العديد من التوصيات عن اجتماعات وزراء العمل في دول المجلس التي تدعو إلى التخفيف منها، وعدم السماح باستمرار إقامة الوافد أكثر من ست سنوات، إلا أنها لم تجد طريقها للتنفيذ بسبب الاعتماد التنموي المتزايد على خدماتها، وعليه فإننا أمام مقايضة بين الخطر الداهم الذي يهدد مستقبل دولنا وأوطاننا حينما يتم تسييس العمالة الوافدة وتفرض علينا الدول الكبرى وعبر أذرعها الحقوقية والمنظمات الدولية إدماج العمالة الوافدة قسريا في دولنا ومنحها حقوق المواطنة كاملة كما هو الحال في تلك الدول، أو التنازل عن قسم من العوائد التنموية الناجمة عن إعادة الجزء الأكبر منها إلى بلدانهم الأصلية بعد انتهاء عقود عملهم، ومحاولة إعادة التوازن للتركيبة السكانية في دول المجلس من خلال تجنيس العمالة العربية المقيمة في دول المجلس، وإحلال عمالة عربية إضافية في هذه الدول بدلا من العمالة الأجنبية التي تنهي عقودها، من جانب، ومن جانب آخر إعادة النظر بالنظام التعليمي والقيمي الخليجي عبر إدماج الأعمال المهنية واليدوية كالبناء والسباكة والحدادة والنجارة والاعمال الاخرى المسندة للعمالة الوافدة بالوقت الحاضر، في مراحل التعليم. والسعي للتخلص من الصناعات كثيفة العمالة واحلال صناعات ذات تقنية عالية بدلا منها، وغيرها من الحلول التي تتطلب المزيد من الاهتمام بالتدريب والتأهيل والتعليم الفني. وان لم نسلك هذا الطريق فإن المستقبل يوحي بالخطر الذي لا يهدد تنميتنا الاقتصادية فحسب، بل يهدد وجود دولنا وأوطاننا، ووقتها لات حين مندم. 

 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news