العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

أمريكا تبتز مصر بالمساعدات

لم تكن الـ80 مليار دولار التي تقول الولايات المتحدة الأمريكية إنها قدمتها لمصر خلال العقود الثلاثة الماضية على شكل مساعدات قالت أمريكا إنها -أي المساعدات- ذهبت «لمواجهة التطرف والإرهاب وتعزيز الاقتصاد»، ففي الحقيقة أن المساعدات الأمريكية التي يصل حجمها سنويا إلى 2.1 مليار دولار لمصر (منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية)، ليست مساعدات أكثر ما هي مكافأة أمريكية لكل من مصر والكيان الصهيوني بعد توقيعهما على اتفاقية «كامب ديفيد» التي أخرجت مصر من ساحة الصراع مع العدو الصهيوني، كما أنها -أي المساعدات- تخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية؛ إذ تحولت مصر إلى حليف استراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة، حيث تقف مصر في طليعة الدول في الحرب على الإرهاب والتطرف.

الولايات المتحدة الأمريكية لا تقدم هذه المساعدات من أجل سواد عيون الشعب المصري، صحيح أن هذه المساعدات تخدم الاقتصاد والتنمية في مصر وتساعد القاهرة على مواجهة جزء من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها، وخاصة في السنوات الأخيرة بعد أحداث ما سمي الربيع العربي وسقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، ودخول القاهرة في مشاكل أمنية خطرة بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب انتشار الأعمال الإرهابية، وخاصة في شبه جزيرة سيناء، فجزء من هذه المساعدات يخدم المصالح الأمريكية بطريقة غير مباشرة، ناهيك عن أن هذه المساعدات تمثل سلاحا فعالا في يد الولايات المتحدة الأمريكية تستخدمه وقتما تشاء وضد من تريد. 

يتجلى ذلك في قرار واشنطن الأخير القاضي بحرمان مصر من مبلغ 100 مليون دولار ضمن برنامج المساعدات المقرر من واشنطن، وكذلك الامتناع عن صرف مبلغ 195 مليون دولار إضافية بحجة انتظار «تحسّن سجل القاهرة على صعيد حقوق الإنسان والديمقراطية»، لكن ذلك في واقع الأمر ليس سوى شكل من أشكال الضغط السياسي الذي تمارسه واشنطن على مصر، وخاصة بعد إقرار القاهرة قانون الجمعيات الذي تقول أمريكا إنه «يقيد الحريات»، الأمر الذي أثار امتعاض مصر التي اعتبرت قرار خفض بعض المبالغ من المساعدات «سوء تقدير لطبيعة العلاقات الاستراتيجية وستكون له تداعيات سلبية على هذه العلاقات».

ربما تعمدت الولايات المتحدة الأمريكية اختيار التوقيت الذي تراه مناسبا لها لاستخدام المساعدات المالية لممارسة الضغط السياسي وابتزاز مصر، ذلك أن القاهرة تمر في القوت الراهن بأوضاع اقتصادية صعبة نتيجة القلاقل السياسية والأمنية التي تعاني منها مع تصاعد الأعمال الإرهابية التي أثرت كثيرا على النشاط الاقتصادي والاستثماري والقطاع السياحي الذي يعد أحد أهم أفرع الاقتصاد الوطني لما يدره من عملات صعبة على الاقتصاد المصري، فمصر لم تتعاف تماما من تداعيات التقلبات السياسية التي مرت بها بعد أحداث 2011 وما تلاها من تطورات كلها ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي والسياسي بشكل عام.

فالولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر من أكبر الداعمين لمصر على مستوى العالم تدرك جيدا مدى حاجة مصر إلى المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها واشنطن في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها القاهرة، وتدرك أمريكا أن ممارسة الضغط السياسي في هذه الظروف قد يؤدي إلى النتائج التي ترجوها، وخاصة أن مصر في الوقت الراهن لا تستطيع التمرد على المساعدات الأمريكية بعد أن ربطت اقتصادها بهذه المساعدات المستمرة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي حتى الآن، فهذه المساعدات تحولت إلى رقم ثابت في الاقتصاد المصري وهو رغم ذلك ليس بالصغير طبعا.

فمصر تحتاج إلى برنامج عمل استراتيجي بعيد المدى تعمل من خلاله على التقليل التدريجي من اعتمادها على المساعدات الخارجية، وخاصة الأمريكية، فأمريكا تتصدر قائمة الدول التي تلجأ إلى العقوبات الاقتصادية والمساعدات لممارسة الضغوط والابتزاز السياسي حيال الدول الأخرى، بما في ذلك حلفاؤها (باستثناء الكيان الصهيوني طبعا)، فهذا هو خيار مصر الوحيد إذا أرادت أن تحافظ على سيادتها وتحمي قراراتها الوطنية من الضغوطات الخارجية والابتزاز السياسي من أي جهة كانت، لأنه من دون ذلك ستبقى مصر تحت رحمة الضغوطات الأمريكية وتحسب حسابات دقيقة في كل خطوة سياسية تتخذها بحيث لا تصطدم مع السياسة الأمريكية.

فهناك دول كثيرة تنبهت مبكرا لأهداف سياسة «المساعدات» الأمريكية وجنبت نفسها البقاء تحت رحمة هذه «المساعدات»، فالولايات المتحدة الأمريكية لا تقدم المساعدات من أجل سواد عيون أبناء هذه الدولة أو تلك، فهناك أهداف أمريكية غير معلنة تقف وراء هذه المساعدات، حتى لو ادعت واشنطن أنها تقدم المساعدات من أجل «دعم» اقتصاد هذه الدولة أو تلك أو مساعدتها على التصدي للتطرف والإرهاب، كما هو حال مصر، فمتى انتفت الأهداف والمصالح الأمريكية انتفت معها «المساعدات».

فالقول إن تأخير أو حرمان مصر من جزء من المساعدات الأمريكية سببه «سجل القاهرة في حقوق الإنسان» أو عدم رضا الإدارة الأمريكية عن «قانون الجمعيات»، هو في حد ذاته استخدام سياسي لهذه المساعدات من جهة، ومن الجهة الأخرى يمثل هذا القرار الأمريكي تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية المصرية. وبغض النظر عن طبيعة وصيغة قانون الجمعيات المصري، فإنه قانون وطني لا يحق لأمريكا أو غيرها من الدول التدخل في صياغته، فانتقاد هذا القانون أو ذاك، أو التعبير عن عدم الرضا من مستوى التزام هذه الدولة أو تلك بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، أمر مقبول وشائع، أما استخدام المساعدات أو سلاح العقوبات للتدخل في الشؤون الداخلية للدول فهو أمر آخر ومرفوض تماما، فكل دولة لها سيادتها، وهناك معايير دولية يجب التمسك بها واعتبارها السبيل السليم لتصحيح أي اعوجاج يشوب مستوى التعاطي مع حقوق الإنسان أو غير ذلك. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news