العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

الثقافي

وهج الكتابة.. ترجمة الدهشة

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٠٢ ٢٠١٧ - 00:30

في العدد قبل الماضي تساءل الأخ الكاتب سلمان الحايكي في صفحة «الثقافي» لماذا عندما تتم ترجمة المؤلفات الأجنبية إلى اللغة العربية تكون الترجمة عادةً رديئة والعكس عندما يقوم الأجانب بترجمة المؤلفات العربية إلى لغات أجنبية تكون الترجمة راقية ورصينة. 

وتساءل عن سبب هذه المفارقة العجيبة! أنا أتفق كثيرًا مع ما طرقه الحايكي، ولكنني أجزم بأن هذه الظاهرة لم تكن موجودة بشكل واضح قبل خمسين سنة مثلاً، فهي في نظري مسألة أمانة وأخلاق ولم تكن موجودة خلال فترة وجود عمالقة الترجمة العرب الذين عملوا بكل شرف ونزاهة. منذ فترة طويلة نسبيًا اتصلت بي إحدى دور النشر في بيروت وعرضت عليّ ترجمة كتاب من اللغة الإنجليزية إلى العربية مقابل مبلغ معقول، لكنهم طلبوا الانتهاء من الترجمة خلال أسبوع واحد ليس أكثر نظرًا إلى أهمية طرح الكتاب في الأسواق بأسرع وقت ممكن، فاعتذرت طبعًا لأن الكتاب كان يحتاج لفترة لا تقل عن شهرين على أقل تقدير بالعمل المتواصل، فاتصلوا بي مرة أخرى طالبين مني ترجمة قسم من الكتاب وأخبروني بأنهم وزعوا أقسام الكتاب على ثمانية مترجمين، وطلبوا بأن أكون الشخص الذي يوحّد الترجمة الكاملة في النهاية ويشذبها ويهذبها، وافقت على ترجمة القسم المخصص لي بسبب حاجتي الماسة آنذاك للمبلغ، ولكنني حين استلمت كل أقسام الكتاب ذُهلت ولم أصدق ما رأيت، كانت كارثة فعلية، فأبلغت الدار المعنية بأن أكثر الترجمات المقدمة غير صالحة وتحتاج إلى جهد سحري لتعديلها وتدقيقها، ولم يتصلوا بي بعد ذلك ولم يدفعوا لي مقابل جهدي، وصدر الكتاب بحسب الترجمات من دون تعديلات تذكر. هكذا سوق الكتاب العربي الآن، سوق بلا أخلاق ولا قيم ولا رادع. دور النشر في الغرب تحترم نفسها وتحافظ على سمعتها، وعليها رقابة من القرّاء الذين لا يرضون أن «يُستهبلوا» مع وجود صحافة تبحث وتتدقق وتتقصى. أما في وطننا العربي فالزيف بدأ يلحق بكل شيء! القضية الأخرى أن دور النشر تتعامل مع المترجم تعاملاً تجاريًا غير محترف ولا يبحثون عن مترجمين محترفين يتمتعون بالأمانة لأن أجورهم عالية نسبيًا، إنها مسألة ربح وخسارة وليس جودة أو مستوى جيد، لذلك تفضّل دور النشر التعامل مع المترجمين الذين يرضون بمبالغ زهيدة.

الترجمة مهمة صعبة وليست مجرد تغيير لغة الكلمات، فلا يكفي أن يكون المترجم متقنًا للغة الأجنبية فحسب بل أن يكون ذا ثقافة أدبية رفيعة وعميقة، ولديه القدرة على التذوق والتماهي مع خيال المبدع لتكون الترجمة والمادة الأدبية غير حرفية، فالترجمة الأدبية علم وفنّ ومهارة. يقول المترجم السوري رامي يونس أمارجي: «ما يعنيني في المقام الأول حيالَ التَّرجمة إذا ما كان هذا النَّص سينمِّي الدَّهشة لدى القارئ، على حدِّ تعبير بول فاليري، أم لا؛ ولكنّي لا أؤمن بفكرة أنَّ المترجم، هو الذي يختار النَّص، بل أعتقد، وبقوَّة، بأنَّ النَّص هو الذي يختاره».

في السبعينيات كان هناك إقبال ملفت على الأدب الروسي وبالذات الروايات الروسية وكانت معظمها مترجمة من قبل شخصيات (مؤدلجة) درست وعاشت في الاتحاد السوفيتي مثل مجموعة الأدباء السوريين الذين ترجموا الكثير من الروايات الروسية إلى العربية مثل تولستوي وديستوفسكي وتشيكوف وبوشكين وغيرهم وكانت ترجمات رصينة ورائعة، إلا أن الكاتب والمترجم السوري سامي الدروبي يعتبر أفضل من قام بترجمة مجموعة ديستوفسكي الكاملة إلى اللغة العربية إلى جانب بعض أعمال تولستوي وأبدع فعلاً في ترجمتها بأمانة أدبية عالية وبلغة جميلة ولكنه ترجمها عن اللغة الفرنسية على خلاف ما يعتقده الكثيرون بأنه نقلها عن الروسية. هناك مترجمون آخرون أبدعوا في ترجماتهم مثل الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا الذي ترجم للمكتبة العربية روائع الأدب الإنجليزي والأمريكي مثل مسرحيات شكسبير، الصحب والعنف لوليم فوكنر، برج بابل لأندريه مارو، الأمير السعيد لأوسكار وايلد، في انتظار جودو لصامويل بيكيت، ما قبل الفلسفة لهنري فرانكفورت، وكذلك الشاعر العراقي سعدي يوسف الذي ترجم الكثير من الأعمال الشعرية والروائية والفكرية كان آخرها كتابُ الدامابادا ويضمّ مجموع ما قاله بوذا (563-483 ق.م)، والمرجّح أن هذه الأقوال جُمِعتْ في شماليّ الهند، في القرن الثالث قبل الميلاد. ومن لبنان منير البعلبكي صاحب قاموس المورد الذي ترجم الكثير من عيون الأدب من أشهرها كتب فيكتور هيجو وهي البؤساء، وأحدب نوتردام وروايات أرنست همنجواي وداعًا للسلاح، عبر النهر ونحو الأشجار والعجوز والبحر، قصة مدينتين، لتشارلز ديكنز، كوخ العم توم لهرييت ستاو، أوليفر تويست لـتشارلز ديكنز،، المواطن توم بين، لهوارد فاست وجين إيير لتشارلوت برونتي. وهناك العديد من المترجمين العرب الكبار الذين إما أن رحلوا أو شاخوا وما عاد لديهم الحماس والاستعداد للاستمرار في هذا الزمن البخيل. لذلك، يجب التدقيق كثيرًا عند الإقبال على شراء أي كتاب مترجم والتدقيق في اسم المترجم جيدًا قبل السقوط في ترجمات تجارية ضحلة.

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news