العدد : ١٤٥١٠ - الخميس ١٤ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥١٠ - الخميس ١٤ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

من سيأتي بعد «داعش»؟

ما تمخضت عنه الحرب الضروس التي تقوم بها قوى إقليمية ودولية ضد ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» من نتائج حتى الآن ينم عن أن هذا التنظيم الإرهابي الخطر في طريقه إلى  تلقي هزيمة ثقيلة قد تفضي إلى إنهاء وجوده في أهم معقلين له وهما العراق وسوريا، حيث تتركز الحرب ضد هذا التنظيم، فالحديث لا يدور الآن عن مستقبل هذا التنظيم ولا عن نتائج الحرب التي يتعرض لها، فهذه أمور شبه محسومة لدى متتبعي الأحداث والمحللين السياسيين والعسكريين والنتائج التي برزت حتى الآن، حيث يتقلص وجود هذا التنظيم جغرافيا وتتعرض بنيته العسكرية لضربات موجعة وقاصمة، ولكن السؤال الأهم من ذلك هو: هل المكان الذي شغله «داعش» خلال هذه السنوات سيبقى شاغرا، أم أن هذه الأحداث ستخرج من رحمها «داعش» آخر ولكن بنسخة وتسمية مختلفة؟

مثل هذا السؤال في مكانه، وليس هناك من يستطيع أن يعطي جوابا دقيقا حول خليفة «داعش» المرتقب، وما إذا كانت القوى التي لعبت دورا محوريا في ظهور وبروز وسطوع نجم «داعش» قد أعدت خليفته المرتقب أو أنها استوعبت نتائج الدروس التي قدمها هذا التنظيم الإرهابي الذي لم ينحصر خطره وجرائمه في الحدود الجغرافية التي رسمت له، وإنما تعداها إلى مناطق جغرافية بعيدة جدا عن مركز ولادته، وهو ما لم يكن في حسبان تلك القوى وما كانت تريد ذلك أصلا، ولكن في أحيان كثيرة ينقلب السحر على الساحر فتكون النتائج أكثر خطورة على الساحر نفسه.

ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» مثَّل أخطر تنظيم إرهابي يواجهه العالم والمنطقة العربية بشكل خاص، حيث مكان ولادته، يعتبر أحدث تنظيم إرهابي يسطع نجمه في سماء المنطقة العربية والعالم، وقد فاق في خطورة أعماله تلك الأعمال التي كان يقوم بها تنظيم «القاعدة» بزعامة قائده الراحل أسامة بن لادن، فـ«القاعدة» لم تأفل ولم ينته دورها كواحدة من التنظيمات الإرهابية التي تمارس نشاطها في عديد من المناطق، وخاصة الدول العربية، ولكنها تراجعت من حيث الحضور والنشاط إلى درجة أدنى من تلك التي يحتلها تنظيم «داعش»، بل يمكن القول إن هذا الأخير غطى على وجود «القاعدة» أصلا.

فالتجارب السابقة، وتحديدا تلك المتعلقة بالحرب التي تقودها قوى دولية ضد الجماعات الإرهابية، تقود إلى استنتاج مفاده أن ما يجري لا يتعدى كونه عملية استنساخ، بحيث لا يبقى مكان أي جماعة إرهابية شاغرا فترة طويلة من الزمن، أي أن وجود جماعة إرهابية تحت أي تسمية كانت مسألة مفروغ منها، فالمتتبع للحرب ضد ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام يخرج بانطباع مفاده أن قادة هذه الحرب لا يهدفون إلى اجتثاث «داعش» بقدر ما يعملون على احتوائه تدريجيا والحد من توسع خطره، ومحاصرته في حدود جغرافية معينة بحيث يبقى أداة لخدمة مصالح استراتيجية لقوى دولية في إطار صراع كبير يتعدى نطاق حدود منطقة عمل «داعش».

في أحسن الأحوال وأفضل النتائج فإن تنظيم «داعش» في طريقه إلى تلقي هزيمة من العيار الثقيل، تتمثل في فقدانه قواعده الرئيسية في سوريا والعراق، لكن ذلك لا يعني أن المنطقة ستكون خالية أو في مأمن من الإرهاب، أو أن مكان «داعش» سيبقى شاغرا إلى ما لا نهاية، فالتجارب الماضية كلها تؤكد استحالة حدوث ذلك، فالإرهاب ليس قدرا مفروضا على دولنا وشعوبنا العربية، ولا على شعوب العالم الأخرى، وإنما هو شكل جديد من الأدوات التي تستخدم في تحقيق أهداف استراتيجية مختلفة لصالح قوى عالمية وإقليمية أيضا، وبالتالي فإن اجتثاث الإرهاب مجرد حلم طالما أن هناك أهدافا لم تتحقق بعد لهذه القوى.

ما نقوله ليس اتهامات باطلة جوفاء وليس انجرافا وراء «نظرية المؤامرة»، وإنما هو حقيقة قائمة، فالأدوات الإرهابية استخدمت بكثافة في السنوات الأخيرة لتدمير دول عربية تحت عناوين وحجج مختلفة، ومازالت هذه الدول تدفع أثمانا باهظة جراء ذلك، وما كان لهذه الأدوات أن تتعرض لهذه الحرب «الكونية» لو أنها بقت تدور في نطاق الحدود الجغرافية المراد لها العمل في حدودها، ولكنها انحرفت عن هذه الحدود وتجاوزتها بمسافات طويلة جدا حتمت على تلك القوى التدخل «لتصحيح» الأمر.

في السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد ما سمي موجات «الربيع العربي»، ارتفعت وتيرة اللجوء إلى استخدام هذه الأدوات من جانب عديد من القوى الدولية والإقليمية، فالكيان الصهيوني على سبيل المثال، والذي يدعي تعرضه لما يسميه «الإرهاب» الفلسطيني، قدم مساعدات مكثفة للجماعات الإرهابية التي تحارب القوات النظامية السورية، وخاصة تلك الموجودة على حدود فلسطين المحتلة الشمالية مع سوريا، والأمر نفسه ينطبق على دول أخرى تغاضت عن أنشطة هذه الجماعات وغطت عمل عديد منها في كل من العراق وسوريا.

بات في حكم المؤكد أن «داعش» كهيكل عسكري وتنظيمي مرشح للتراجع ومن ثم الانهزام، ولكن لكونه إحدى أدوات التخريب، وخاصة في المنطقة العربية، سيكون حاضرا وفاعلا تحت تسميات مختلفة، فالمكان بكل تأكيد لن يكون شاغرا فترة طويلة، فطول هذه الفترة وقصرها يتوقف على مدى حاجة صناع أدوات الإرهاب إلى «داعش» من نوع جديد.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news