العدد : ١٤٤٢٥ - الأربعاء ٢٠ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٤٢٥ - الأربعاء ٢٠ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

سفر وسياحة

قلعة البحرين.. البناء الضخم الشاهد على الحضارة الدلمونية

الأحد ٢٧ ٢٠١٧ - 01:00

كتبت- زينب إسماعيل:

في الجانب المطل على البحر من قرية القلعة اللصيقة بمنطقة السيف، يقبع فيها البناء الأقدم في البحرين والشاهد على حضارة دلمون العريقة، إنها قلعة البحرين، الحصن الذي يحده بساتين القرية الخضراء وبيوتاتها المتراصقة القديمة، والمليء بالأحداث التاريخية لهذا البلد، ليصنع هذا المزيج حكاية أسطورية تشد إليها الزوار من كل أنحاء العالم.

الموقع سجل في العام 2005 كموقع أثري ضمن قائمة التراث العالمي لدى اليونيسكو، وتؤكد وزارة الثقافة والتراث أن 95% منه هذا الحصن الزاخر بالقصص والحكايات لم ينقب بعد، وهو يقع على قمة تلة صناعية بمساحة 17.5 هكتار تم بناؤها على مدى 4000 عاما من الاحتلال المستمر، ويقبع في ذات موقع العاصمة السابقة لدلمون التي كشفتها الحفريات على مدى 50 عاما الماضية، ويعتبر أحد أهم المواقع الأثرية في الخليج العربي، إذ كشفت البعثات الأثرية خلال عمليات التنقيب تلك عن أبنية سكنية وعامة وتجارية وعسكرية تدلل على أهمية الموقع على مر العصور.

والحصن، أيضا، ليس مجرد مبنى واحد كبقية القلاع المتعارف عليها، وإنّما هو عدّة أجزاء تم تشييدها على مدى مراحل متتالية، لذا فهو يعتبر أحد المواقع النادرة التي تتضمّن طبقات أثرية متراكمة يعود تاريخها إلى أواخر العصر البرونزي في منطقة الخليج العربي، لتشهد على المستوطنات البشرية الأولى منذ عام 2200 قبل الميلاد وانتهت بهجرة الموقع التدريجية خلال القرن السابع عشر للميلاد. 

ومؤخرا، انضم للقلعة متحف يتركز حول جدار بارتفاع 8 أمتار يتوسطه 5 قاعات بحيث يجد الزائر نفسه يتدرج بشكل تصاعدي. يعرض المتحف 500 قطعة أثرية تعتبر من أهم المقتنيات المستخرجة من الموقع خلال الحفريات الأثرية مستعرضا الحقب التاريخية بدءا من دلمون وتايلوس حتى الحقبة الإسلامية.

ويضم المتحف لقىً أثرية، تشمل الأختام المصنوعة من الحجر الطري، ويوثق لعملية صهر النحاس والبرونز التي يعود انطلاقها خلال العصر الحديدي، وبالتحديد خلال الفترة ما بين 550 – 500 قبل الميلاد، حيث كان المعدنان يستخدمان بكثرة آنذاك داخل القلعة عبر ورشة تقع داخل المبنى الكبير.

وتكمن أهمية الموقع التي يعرضها المتحف إلى أنه ظل لآلاف من السنين مرفأ رئيسيا للجزيرة، ومركز عاصمة بلاد دلمون التي تعتبر أهم حضارة في الخليج القديم، وذلك من نهاية الألف الثالثة إلى منتصف الألف الأولى قبل الميلاد، كما كان محطة للتبادل التجاري ما بين بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين وشرق جزيرة العربية وآسيا الوسطى ومنطقة وادي الهندوس، وحافظ على أهميته الاستراتيجية والتجارية في الفترة الهلنيستية. وفي العصور الإسلامية، صار موقعه المحصّن موضع تنافس دولي شديد، تشهد على ذلك التعديلات المتعاقبة التي أدخلت على القلعة التي تتوّج الموقع اليوم. 

يحيط بالموقع سور المدينة الضخم ويضم قلعة البحرين، القصر الإسلامي، المدن الدلمونية الأربع وميناء دلمون، الذي شكل أهمية استراتيجية لحضارات المنطقة. أما المدن الدلمونية فقد بنيت فوق بعضها البعض، ويفصل ما بين كل واحدةٍ منها فترات زمنية متباعدة، كما اتخذت من السور الضخم موقعا لها.

المدينة الأولى

تضم المدينة المبنية على الأرض البكر فترتين زمنيتين هما الفترة المبكرة والتي يرجع تاريخها من 2800 ق. م - 2300 ق. م، إذ تم اكتشاف مجموعة من الكسر الفخارية، أما الفترة الأخرى فهي دلمون الأولى التي يرجع تاريخها للفترة المحصورة ما بين 2300 ق. م - 1800 ق.م. وأنشئت المدينة بشكل مبسط تطل على البحر وتعتمد على صيد الأسماك وتجارة اللؤلؤ.

المدينة الثانية

تنحصر هذه المدينة في فترة دلمون المتوسطة وتؤرخ ما بين 1800 ق. م 750 ق. م. وأنشئت بعد 250 عاما من حرق المدينة الأولى وهجرانها، وبعد البناء، حصنت المدينة بسور خارجي ضخم عرضه بين المترين ونصف و3 أمتار.

وخلال تلك الفترة، وصلت حضارة دلمون إلى ذروة الازدهار، ولعبت دورا نشطا في التجارة والعلاقات الخارجية مع الحضارات الأخرى العريقة (بلاد الرافدين)، و(وادي السند)، وتركت بصمات هذا الازدهار على مبانيها التي تميزت بالفخامة في البناء والأسلوب الهندسي، كما ضمت المدينة معبدا يتوسطه قاعدتان عموديتان وغرف ومدبسة تمور.

 المدينة الثالثة

بنيت المدينة في فترة دلمون المتأخرة التي تؤرخ في الفترة المحصورة ما بين 750 ق.م 325 ق.م، ولم يطرأ عليها تغيير، حيث استخدموا ذات مباني المدينة الثانية، ولكن أضافوا بعض الميزات لها عبر استخدام القار لطلاء أسفلها حمايةً لها من الرطوبة، كما استخدمت ذات المادة كعازل للأمطار. وعثرت التنقيبات الأثرية في هذه المدينة على أقدم مدابس البحرين، واللتان قد تكونان الأقدم في العالم.

المدينة الرابعة

بنيت هذه المدينة في فترة تايلوس التي تؤرخ في الفترة المحصورة ما بين 325 ق. م - 622 م، وجاءت من بعد تعرض المدينة الثالثة للتخريب والحريق أو هجوم خارجي، وذلك من بعد 500 عام.

وجاءت المدينة لتشكل مزجا لمجموعة من الحضارات الشرقية والحضارة الغربية والحضارة المحلية ولقد تم اكتشاف مجموعة من الغرف المبنية بالحجارة والممسوحة بمادة الجص كما تم اكتشاف مجموعة من العملات الفضية التي تعود للإسكندر المقدوني.

تميزت المدينة بالممر الممتد من الشرق للغرب، والذي رصفت أرضيته لتؤدي في نهايته إلى بوابة حجرية ضخمة، تفتح على مبنى كبير يضم صالة مسقوفة، ويعتقد أنه قصر الملك أوبري الذي كان على اتصال مع الملك الآشوري سرجون الثاني في بلاد الرافدين. وفي القصر، يتبين عظمة البناء، حيث الأحجار مشذبة وأرضيات الغرف ممسوحة، إلى جانب 8 حمامات تتكون من مراحيض، بعضها مشتركة. وعلى جانب القصر، كشف عن وجود ورش لصهر النحاس وإنتاج سبائكه وتشكيلها.

كما امتازت المدينة باستخدام المراحيض وأنظمة الصرف الصحي، التي تضمنت أنبوبا مصنوعا من الفخار المحروق وفتحة تؤدي لخزان ماء لتصريف المياه أسفل أحد المباني. كما عثرت التنقيبات الأثرية على 29 إناء من أضاحي الأفاعي، تضم عظاما لثعابين كانت تدفن كقرابين.

المدينة الخامسة

تعود المدينة للفترة الإسلامية التي تؤرخ في الفترة ما بين 622 - 1400م. بنيت مبانيها بالحجارة الصغيرة الحجم والممسوحة بالجص، وهي تضم منازل صغيرة، يتكون كل واحد منها من غرفتين وحمام ومدبسة وفناء، وتضم سوقا مركزيا به مجموعة من الدكاكين المتقابلة.

القصر الإسلامي

يقع في الجهة الشمالية شمالي سور المدينة ويعود تاريخه إلى الفترة من 100م إلى 1400م مبني على جدران تعود لفترة تايلوس، وهو على شكل مربع وفي كل زاوية من زواياه يستقر برج دائري فيما عدا الجدار الغربي، يتوسطه برجان بشكل ربع دائرة، إذ يشكلان معا المدخل الرئيسي وفي كل برج فتحات للرماية ويتوسطه فناء مربع وفيه أربعة ممرات تتعامد وتنفتح على الفناء وتوجد به مجموعة كبيرة من الغرف ومدبسة لتخزين التمور.

الميناء الدلموني

يقع هذا الميناء في الجهة الشمالية من سور المدينة والذي يعتبر في الواقع البوابة الرئيسية لدلمون، إذ إن السفن التجارية القادمة من الشرق والشمال والغرب لا بد أن تمر بهذا الميناء المتصل بقناة عميقة تمتد إلى وسط البحر. ولقد وصلت إلى هذا الميناء السفن الشراعية القادمة من بلاد وادي السند وفارس وبلاد ما بين النهرين وعمان والكويت والمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية.

في هذا الميناء تم اكتشاف مجموعة من الأوزان والأختام المستخدمة في ختم البضائع وفي الجهة الجنوبية من البوابة توجد مكاتب الجمارك وغرف التخزين ومواقف خاصة للنقل وبئر المياه. ونظرا إلى أهمية هذا الميناء فإنه جدد وأضيفت إليه بعض التعديلات وهو يعاصر المدن الدلمونية.

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news