العدد : ١٤٥١٠ - الخميس ١٤ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥١٠ - الخميس ١٤ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الفواجع عربية والربيع «إسرائيلي»

لست أدري لماذا الإصرار على التمسك بتسمية الأحداث التي تفجرت في أكثر من دولة عربية عام 2011, بأحداث «الربيع العربي» رغم كل النتائج الكارثية التي تمخضت عن تلك الأحداث في جميع الدول التي شهدتها تقريبا، وبالأخص الدول التي قادت الأحداث فيها إلى تغيير أنظمتها السياسية مثل تونس وليبيا واليمن ومصر، فيما دول أخرى مثل سوريا ما تزال تترنح تحت وطأتها حتى الان دون معرفة المصير الذي ستؤول إليه هذه الدولة إذا ما قدر للأحداث التي تشهدها أن تصل إلى نهايتها، فكل المؤشرات القادمة من أرض الأمويين لا تبشر بمستقبل سعيد لهذه النهاية، فالقوى التي تحرك هذه الأحداث لم تصل بعد إلى قناعة بنصيبها من الكعكة السورية، فيما أطراف الوقود تتحرك دون وعي بالمسار الذي تسلكه، واقعة تحت وطأة مخدر «الربيع العربي» وبمطالب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وغير ذلك من مطالب «حق يراد به باطلا».

فأي «ربيع عربي» ذلك الذي لم تشهد فيه شعوبنا تفتح وردة واحدة أو انعتاق حقيقي من نير التسلط السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فمنذ تفجر تلك الأحداث قبل ما يزيد على السنوات الست، أصيبت المجتمعات العربية بشروخ عميقة وخطيرة في بنيتها الاجتماعية وتعرضت العلاقات بين المكونات المجتمعية، العرقية والدينية والمذهبية في هذه المجتمعات لصدمات عنيفة أدت إلى تمزيق خيوط النسيج الذي كان يلمها ويربطها ببعضها البعض تحت سقف الوطن الواحد، فأصبح الشعب الواحد يعج بالأعداء المتضادين من داخله.

وماذا عن علاقات الدول العربية مع بعضها البعض، فتلك قصة أخرى، لم نقل أن علاقات الأنظمة العربية مع بعضها البعض كانت تسير في الاتجاه الصحيح على مدى عقود ما قبل الاستقلال وإنشاء الكيانات العربية الواحدة مثل جامعة الدول العربية، ولكن، رغم ذلك، فإن علاقات هذه الأنظمة لم تصل في يوم من الأيام إلى ما وصلت إليه الآن من حالة لا توصف، فانتقلت هذه العلاقات من حالة الخصام السياسي والخلافات الخجولة بين بعض الأنظمة إلى حالة العداء المعلن والصريح، بل ووصلت إلى درجة مشاركة القوى الخارجية في الحروب المعلنة، كما حدث في ليبيا على سبيل المثال، وما يحدث في سوريا الآن.

الشعوب العربية التي شاركت أو أشعلت ثقاب تلك الأحداث، ليست مسؤولة عما آلت إليه وما أفرزته من نتائج مدمرة على المجتمعات العربية، فتلك الشعوب لم تكن سوى وقود لأحداث كانت أهدافها أكبر وأبعد من مسألة إرساء نظام العدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وما يحدث في ليبيا على سبيل المثال الآن خير دليل على ذلك، فالأطراف الدولية التي شاركت في إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي تحت ذريعة «دعم» المطالب المشروعة للشعب الليبي هي نفسها القوى التي تقف متفرجة على تمزيق هذا الشعب وتدمير بنيانه الجغرافي والسياسي والاجتماعي.

فالأحداث التي تشهدها المنطقة العربية والتصدعات التي تسببت فيها، وتحديدا الدول والمجتمعات التي وقعت فريسة تلك الأحداث، لا يمكن إضفاء تسمية الربيع عليها، فلم تجن منها تلك المجتمعات فائدة واحدة تذكر، بل الأصح القول أن المستفيد الأول والأخير من تلك الأحداث هو الكيان الصهيوني، وبالتالي فإن التسمية الصحيحة لتلك الأحداث هي «الربيع الإسرائيلي» فتلك الأحداث التي مزقت العلاقات العربية - العربية أعطت «إسرائيل» الفرصة الذهبية للسير قدما في مشروع تصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في ظل انشغال «أعدائها» المفترضين في تصفية حساباتهم مع بعضهم البعض.

فإيجابية أي فعل وفائدته تقاس بالنتائج التي يفضي إليها، وفي حالة الانتفاضات أو الثورات والتحركات المجتمعية، فإن النتائج هنا تقاس بمدى استفادة الفاعلين والمفعول إليهم بالدرجة الأولى، وإلا فإن هذا الفعل يعتبر فاشلا وضارا ولا قيمة له، بل يمكن إدراجه في خانة الأفعال الهدامة، وهذا هو بالضبط ما يمكن إسقاطه على نتائج الأحداث العربية التي سعد البعض واستأنس وفرح بإطلاق تسميتها بــ«الربيع العربي» على مجرياتها، فالنيات الحسنة والأمنيات شيء، والواقع والنتائج شيء آخر تماما.

حتى الدول التي أفضت تلك الأحداث إلى تغيير الأنظمة السياسية فيها، لم تنتقل إلى مرحلة ووضع أفضل مما كانت عليه قبل تغيير النظام السابق فيها، وأمامنا ثلاث دول عربية يمكن اعتبارها أمثالا ساطعة على ذلك وهي مصر وتونس وليبيا، لا نعني بذلك أن الأنظمة التي كانت تحكم البلدان الثلاثة هي أنظمة عادلة وديمقراطية وتعني بحقوق المواطنين، لكن ما جاء من بعد رحيلها، أو بعبارة اصح، بعد إسقاطها، لم يغير كثيرا من أحوالها.

فبعض هذه الدول الآن تعج بكل أشكال التطرف الفكري والعنفي، من دون أن تشهد تغيرا نوعيا حقيقيا في مقياس الممارسات الديمقراطية، باستثناء نسبي في سوريا ومصر، فهذه الدول من الصعب عليها أن تخطو خطوات اقتصادية نوعية إلى الأمام ما لم تستطع تسوية أوضاعها الأمنية الناجمة عن تصاعد التطرف الفكري والديني وانتشار الحركات الإرهابية فوق أراضيها، فلا يمكن بناء نظام اقتصادي ناجح ومنتج دون تحقيق استقرار سياسي وأمني يرتكز على المشاركة الحقيقية لمختلف التشكيلات والمكونات المجتمعية على أرضية المواطنة الحقيقية التي لا تعترف بأي شكل من أشكال التمييز، فهذه الدول أمامها شوط طويل جدا للوصول إلى ذلك، إن كانت الأنظمة الجديدة الحاكمة فيها تسير نحو هذا الهدف، فهذا هو المناخ الذي نعيشه الآن، وفي مثل هذا المناخ لا يمكن أن تنبت وردة وزهرة، فمناخ كهذا ليست له علاقة بمناخ الربيع إطلاقا.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news