العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

محاربة للإرهاب أم تدمير للدول؟

رغم كل النتائج المؤكدة والظاهرة للعيان والتي تؤكد فشل «التجربة» العراقية وتسببها في ظهور مشاكل تفوق في حجمها وتعقيداتها تلك المشاكل المفتعلة مع نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، فإن البعض ما يزال يصر على أن التعامل مع الأنظمة «غير الديمقراطية» التي يعتبرها غير متماشية ومنسجمة مع برامجه ومشاريعه السياسية، يجب أن يمر عبر تدمير الدول التي تحكمها هذه الأنظمة، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر إسقاط الدولة بجميع مؤسساتها بمثابة الجسر الذي لا بد من عبوره «لإنجاز» مهمة الحرب على الإرهاب، أو «إرساء» العدالة الاجتماعية وتمكين الشعوب الواقعة تحت نير الأنظمة القمعية من نيل حريتها وصون كرامتها الإنسانية، فهذه الأهداف النبيلة والمشروعة تبخرت وتلاشت تماما بعد ما أظهرته التجربة العراقية من نتائج مأساوية، وما تفرزه الأزمة السورية والليبية من نتائج لا تقل كارثية عن تلك الناجمة عن تجربة تدمير الدولة العراقية.

أظهرت مختلف التجارب، وفي مقدمتها التجربة العراقية التي تبقى واحدة من أبلغ التجارب وأكثرها إيلاما، أن التوجه نحو استهداف وإسقاط الأنظمة السياسية في أي دولة بالقوة العسكرية من الخارج، لا يمكن أن يضمن بقاء مؤسسات الدولة المختلفة على حالها أو يؤمن لها الحماية من التفكك، وهو ما يعني تفكك الدولة وانهيارها وإشاعة الفوضى في كامل الحدود الجغرافية للدولة، فتدمير الدول يمكن إنجازه في فترة محدودة جدا قد لا تستغرق عدة أيام أو أسابيع كما حدث مع العراق مثلا، ولكن إعادة بناء الدولة تبقى مهمة في غاية الصعوبة والتعقيد ناهيك عن الأثمان الباهظة المطلوبة، بشريا وماديا لإنجاز ذلك، مع الأخذ في الاعتبار الفترة الزمنية التي سوف تستغرقها مثل هذه العملية المعقدة.

عقم وفشل «التجربة» العراقية والنتائج الكارثية التي أفرزتها واستمرار تداعياتها المأساوية بعد مضي أكثر من أربعة عشر عاما عليها، لم تثن مخططي سياسة تدمير الدول والبلدان عن الإصرار على المضي في السياسة التي قادت إلى المأساة في بلاد الرافدين، حيث عادت الأطراف نفسها تقريبا وكررت «التجربة» في كل من ليبيا وسوريا، بل حاولت إخضاع مصر أيضا لنفس «التجربة» وهي مستمرة في ذلك عبر أصابع «خفية» تحاول العبث في الأمن الوطني المصري.

ما يجري في سوريا والعراق وما يتم تغذيته بطرق مختلفة في مصر، يجري بتفاصيل وأساليب تختلف جزئيا عن تلك التي جرت مع العراق، فأصحاب هذا النهج السياسي الفاشل لم يتعظوا من تداعيات تدمير الدولة العراقية، فذهبوا وكرروا السيناريو نفسه مع الدولتين الليبية والسورية، والنتائج التي أفرزتها «التجربتين» الجديدتين في ليبيا وسوريا لم تختلف أبدا عن النتائج «العراقية»، فليبيا تعيش منذ أكثر من ست سنوات من دون دولة ومؤسسات، فيما تعاني الدولة السورية ومؤسساتها ضعفا وغيابا شبه تام في مناطق شاسعة من الأرض السورية.

هل السيناريوهات و«التجارب» العراقية والليبية والسورية أنجزت وحققت تلك الأهداف النبيلة المتمثلة في توفير الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية للشعوب؟ وهل أنجزت تلك «التجارب» أيا من الخطوات الناجحة إلى الأمام على طريق محاربة الإرهاب واجتثاثه، وتحديدا من البلدان الثلاثة التي تحولت بفعل تلك التجارب إلى مراكز تُؤوي مختلف أصناف الجماعات الإرهابية ومن مختلف بقاع المعمورة؟ أعتقد أن المتتبع والقارئ لنتائج تلك «التجارب» المأساوية سيعاني من أي صعوبة في الإجابة على هذه التساؤلات، فالنتائج البارزة أمامنا كفيلة بتأكيد هذا الفشل، بل يعزز الشكوك حول الأهداف الحقيقية من وراء الإصرار على مواصلة سياسة تدمير الدول تحت نفس الحجج والذرائع.

فالشعب العراقي «تخلص» من نظام الرئيس الراحل صدام حسين الذي مارس قمعا سياسيا عنيفا ضد معارضيه من مختلف التوجهات السياسية، وليست الدينية أو المذهبية، ولكن هل رحيل صدام حسين جلب السعادة للشعب العراقي؟ وهل ما وصلت إليه الأوضاع في سوريا والعراق من حالة شبه انهيار تام لمؤسسات الدولة في مختلف القطاعات هو ما كان يطمح الشعبان الشقيقان في الوصول إليه؟ الأهم من ذلك كله هو: هل الأطراف الإقليمية والدولية التي «ساندت» بقوة وبكل ما تمتلك من إمكانيات ووسائل، الشعبين الليبي والسوري كانت صادقة في هذه «المساندة» وبأن الدوافع الحقيقية وراء «دعمها» لحراك الشعبين هو «مصلحتهما» بالدرجة الأولى؟

كل المؤشرات والأدلة والنتائج تقول إن طموحات الشعوب في العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية، ليست سوى مطايا تركبها بعض الأطراف للوصول إلى أهداف بعيدة المدى لا يمكن تحقيقها وإنجازها إلا عبر تدمير الدول بجميع مؤسساتها وليس فقط إسقاط نظامها السياسي، لأنه من دون تفكيك جميع أجهزة الدولة لن تتحقق الفوضى، هذه الفوضى هي الكفيلة بتمزيق النسيج الاجتماعي للشعوب وبالتالي تسهيل عملية إنجاز الأهداف الاستراتيجية من وراء كل ما يحدث في هذه الدول، وأخطر تلك الأهداف هو التقسيم وهو ما يلوح في أفق العراق بالدرجة الأولى من دون استبعاد هذا السيناريو عن الوضع السوري والليبي.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news