العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

الاسلامي

أمين الرافعي.. أعجوبة الصحافة وصاحب القلم المؤمن الحر هل تتكرر تلك الأعجوبة مرة أخرى؟ (3)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ١١ ٢٠١٧ - 11:34

أشرنا في الحلقة السابقة إلى معركة أمين الرافعي مع جريدة المؤيد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف -يرحمه الله- ونشير في هذه المرة إلى معركته المدوية لمقاطعة لجنة «ملنر». 

كانت «الأخبار» جريدة أمين الرافعي قد أصبحت أثيرة لدى الوطنيين المخلصين الذين يحسبونها لسان حالهم ومعقد آمالهم، وقد سطع نجمها في عالم الصحافة المصرية وارتفع توزيعها ارتفاعا لم تحظ به جريدة غيرها في عالم الصحافة المصرية. 

وبلغ من قوة تأثيرها أن تجاوبت الأمة مع دعوة صاحبها لمقاطعة لجنة «ملنر» وكأن الناس كانوا على قلب رجل واحد، ولم تجد اللجنة من يسعى لاستقبالها والترحيب بها من الوطنيين المخلصين، ومع استماتة الاحتلال في إنجاح مساعي هذه اللجنة فإنها أخفقت إخفاقًا شديدا، وعرف سعد زغلول ذلك للرافعي فأمطره بوابل من الثناء عليه والإشادة بجريدته.

أما قصة لجنة «ملنر» فهي كما يأتي: 

هي لجنة أوفدتها الحكومة البريطانية إلى مصر برئاسة لورد (ألفريد ملنر) وزير المستعمرات البريطانية عقب اندلاع ثورة 1919م، وقد أعلنت دار الحماية البريطانية في مصر في بلاغ لها يوم 14 نوفمبر 1919م مهمة هذه اللجنة فقالت: «إن مهمتها هي أن تدرس الأحوال درسا دقيقا وتبحث مع أصحاب الشأن في الإصلاحات اللازمة وأن تقترح نظام الحكم.. إلى آخر ما جاء في ذلك البلاغ».

بل إن اللورد ملنر رئيس اللجنة أعلن في بلاغه يوم 29 ديسمبر 1919:

«إن اللجنة أوفدت من قبل الحكومة البريطانية بموافقة البرلمان البريطاني لأجل التوفيق بين أماني الأمة المصرية والمصالح الخاصة لبريطانيا العظمي في مصر مع المحافظة على الحقوق المشروعة التي لجميع الأجانب القاطنين في البلاد، وتنفيذا لهذه المهمة تود اللجنة أن تقف على كل الآراء، سواء صدرت من هيئات نيابية أو أشخاص يهتمون اهتماما صادقًا بخير بلادهم».

لكن ذلك كله لم ينجح في خداع المصريين، وقوبلت اللجنة بمظاهرات الاحتجاج الغاضبة، والتي تحولت إلى صدامات دامية بين الجمهور والبوليس وقوات الاحتلال البريطاني، وكانت المقاطعة الوطنية شاملة. 

وفشلت اللجنة في مهمتها فشلا ذريعا بسبب تلك المقاطعة، وإن كانت قد وضعت بعض المقترحات لعرضها على حكومتها، وحمل اللورد ملنر عصاه على كاهله ورحل إلى بلاده -إلى غير رجعة- في 6 مارس 1920م. 

وكان من بين هذه المقترحات استعداد اللجنة لمفاوضة الوفد المصري الذي كان في باريس يحاول إسماع صوته لمؤتمر الصلح من دون جدوى، وإثر ذلك لبى الوفد الدعوة وسافر إلى لندن في 5 يونيو 1920م وأجرى مفاوضات أطلق عليها: مفاوضات سعد-ملنر، لكنها باءت بالفشل الذريع كاللجنة التي وضعتها. 

وكانت دعوة الرافعي في جريدته «الأخبار» هي الجذوة التي أشعلت نيران هذه المقاطعة. 

معركته مع الزعيم سعد زغلول 

عندما سافر سعد زغلول والوفد المرافق له بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى إلى مؤتمر الصلح في باريس ليعرض قضية بلاده فوجئ الناس بأمين الرافعي عضو الحزب الوطني يتعاون مع لجنة الوفد المركزية في الدعوة إليها وجمع الناس حولها، واتخذ من جريدته منبرا لتوحيد الكلمة عند مناقشة القضية المصرية، وكان يراسل الوفد المصري في باريس بما يشد أزره ويقوي حجته من المذكرات والقوانين، حتى كتب سعد زغلول إلى عبدالرحمن فهمي قائد التنظيم الشعبي في ذلك الوقت قائلاً في خطاب له:

«قرأت في جريدة الأخبار كلمة يدافع فيها أمين بك الرافعي بقلمه البليغ عن الوفد وأعماله ويخطئ الخارجين عليه والناقدين لخطته، فارتحت لنفاذها لأنها منه الأولى من نوعها، وأرجو أن يستمر حضرة الكاتب المومأ إليه فيما ابتدأ لأنه لا ينبغي أن يسكت عن هذا الموضوع ويترك القلم لغير من لا يعرفون الحقيقة مثله ولا يحكمون الدفاع مثل إحكامه، وينبغي ألا تتركوا الرأي العام يطيش مع الطائشين أو يخمد مع الفاترين وأن تسلكوا آية الوسط بين السبيلين.. والله ولي التوفيق».

ثم يكتب خطابا آخر إلى عبدالرحمن فهمي يقول فيه:

«إن كنت ترى ترتيب حملة خطابية إلى جانب الحملة الصحفية فأنت حر في اختيار الوسائل التي تؤدي إلى هذا الغرض، وأرجو أن تكون جريدة الأخبار في مقدمتها، وأن تكون هي أول من يقود الرأي العام؛ لأنها معتبرة جريدة الوفد المعبرة عن أفكاره وخططه وقلم محررها الفاضل من أقدر الأقلام على التعبير عن هذه المقاصد، فعليك أن تهز همته وأن تبلغه أننا ننتظر من وطنيته وحسن تقديره لمنفعة القضية المصرية أن يخصص كل يوم مقاله في هذا الموضوع، وهذا ليس على كفاءته بكثير. 

وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!!

كان سعد زغلول ينادي بوجود أساس للتفاوض مع بريطانيا خلاصته: 

أن يوافق الطرفان على استقلال تام لكل من مصر والسودان، ويتم التفاوض على كيفية تحقيق ومدى تمامه وما يتطلبه من عهود والتزامات، وإلغاء الحماية البريطانية ورفع الأحكام العرفية وقبول الإنجليز التحفظات المصرية. 

لكن سعد زغلول تغاضي عن هذا الأساس حينما تولى الحكم واستأنف المفاوضات مع الإنجليز. 

لكن صاحب جريدة الأخبار انتفض معارضا سعد زغلول في أوج زعامته الشعبية ودخل في خصومة عنيفة معه بسبب تغاضيه عن هذا الأساس، وكان ذلك سببا لانصراف أنصار سعد عن جريدة أمين الرافعي، فانخفض رقم توزيعها حتى خفتت أصوات الباعة عن إعلانها بسبب غضب سعد عليها، وأعلن أنه سيقرأها وحده نيابة عن الجمهور. وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل إن بعض الحمقى والطائشين المتهورين توجهوا إلى مبنى الجريدة ورموه بالطوب والحجارة وهتفوا بسقوط أمين، وكأن الأخبار لم تكن لسان حال الوفد وموضع تقدير سعد وطلبه من صاحبها أن يوالي الكتابة كما مر بك آنفا. 

ووقع ذلك على نفس أمين وقع الصاعقة بسبب هذا الاعتداء الظالم عليه وعلى جريدته بصورة لا يقرها عرف ولا قانون، وكتب عن هذه المحنة في حزن ومرارة وأسى ما نقله الأستاذ صبري أبو المجد في كتابه عن أمين الرافعي حيث يقول: 

«كانت الأخبار ومديرها في نظر معالي سعد باشا مثالا للوطنية الصادقة، وكان الرئيس يتفضل من وقت إلى آخر بإعلان ذلك وامتداح خدمات الجريدة في تلغرافاته التي يبعث بها إلينا. وفي كتبه الخاصة وفي تصريحاته المتعددة، فما باله اليوم قد انتهج حيالها منهاجا آخر، ومازال ينتقل من دور إلى دور حتى أراد بالأمس أن ينال من وطنيتنا وهي كل ما نملك في هذه الحياة، بل هي الشيء الذي يعتقد سعد أنها فوق الشكوك.. لئن كان سعد باشا يرى أن يعامل من يظن أنهم خصومه السياسيون بمثل هذا السلاح مستفيدا من المركز الذي أولته الأمة إياه، فليعلم أنه سلاح خطر لا يملك دائمًا أن يكون في قبضته، فيمنح الوطنية من يشاء وينزعها ممن يشاء، وليتق الله الذي يعرف الضمائر وليخش حسابه، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا هتاف ولا مظاهرات، ليخش الرئيس قصاص الله العادل، فإن الدهر لا يبقى على حال، والعزة والعظمة للخالق وحده، وكل نعمة لا يرعاها صاحبها لا تلبث أن تزول (أ هـ)». 

وإلى حلقة قادمة بإذن الله...

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news