العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

إيران وعودة أحلام الزعامة الفارسية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الخميس ١٠ ٢٠١٧ - 01:00

تشهد المنطقة العربية العديد من التوترات التي جعلت منها الساحة الأكثر سخونة واضطرابا في العالم، ومن أسبابها تورط إيران كطرف أصيل بعدة مواجهات عسكرية في كل من العراق وسوريا واليمن، ما يثير التساؤل حول حقيقة دوافع إيران من وراء تحريك وإدامة هذه الاضطرابات، ولا سيما أنها تجاوزت نطاق حماية المصالح إلى التدخل السافر في الشؤون الداخلية لهذه الدول.

فمسلك السياسة الإيرانية عبر الإقليم يكشف بجلاء عن مطامع توسعية، وصلت بالفعل إلى طور التنفيذ، ولم تعد مجرد نوايا يمكن التكهن بشأنها.. فما المصادر التاريخية والآيديولوجية لهذا المشروع التوسعي الإيراني؟ وما الرقعة التي يتحرك عليها والمواقع التي يستهدفها؟ وما فرص نجاحه؟ وهل يمثل هذا المشروع حاجة حضارية ملحة لإيران أم أنه صيغة ثورية خادعة؟ وما هي الاستراتيجية التي يجب أن تتبناها الدول العربية لمواجهة هذا المخطط؟.

في حقيقة الأمر، إن المشروع الإيراني يستمد معالمه كاملة من تجربة الدولة الصفوية في التاريخ الإيراني، حيث كانت الإمبراطورية الفارسية من أكبر الدول التي سادت المنطقة قبل العصر الإسلامي، أي قبل أن تنتهي فعليا بانتصار المسلمين في القادسية سنة 636م، وإن كان بعض المؤرخين يشير إلى أن موعد زوالها رسميا وللأبد كان بمقتل آخر أباطرتها سنة 651م.

إلا أن أحلام الإمبراطورية الفارسية ما لبثت أن عادت على يد الشاه اسماعيل الصفوي، الذي عمل على نشر مذهب الشيعة الإثنى عشرية في إيران، وشكل غالب سكانها إلى اليوم، والذي اصطدم مع العثمانيين وهزم على يد السلطان العثماني سليم الأول عام 920 هـ. 

وبانتهاء الدولة الصفوية انتهت أحلام الإمبراطورية الفارسية، لكنها ظلت تراود حكام إيران على تواليهم حتى عادت مع الثورة الخمينية عام 1979, بسقوط آخر شاه، وقيام أول مرشد عمل على تصدير الثورة الإسلامية، باسم المشروع الإسلامي أو ما اسماه وزير خارجية إيران الأسبق، على أكبر ولاياتي بـ«الصحوة الإسلامية»، التي انجرفت إلى المذهبية الشيعية، ومنذ ذلك الحين والمشروع الإيراني يستمد معالمه كاملة من تجربة الدولة الصفوية.

ومن ثم، فإن جوهر المشروع التوسعي الإيراني اليوم لم يتغير عما كان عليه في عهد الصفويين أو في زمن الشاه محمد رضا بهلوي، وهو قائم على بسط نفوذ إيران في كل الدول التي شهدت احتلالا فارسيا على مدار التاريخ الإيراني. 

ولا تحاول إيران أن تخفي ذلك الطموح، فنجد وزير الدفاع الإيراني، حسين دهقان في مايو 2017 يصرح بأن «العراق بعد عام 2003 أصبح جزءًا من الإمبراطورية الفارسية، ولن يرجع إلى المحيط العربي»، بل زاد على ذلك بقوله: «هذه أراضينا وعليهم إخلاؤها وعلى العرب الذين يعيشون فيه أن يغادروه إلى صحرائهم القاحلة التي جاءوا منها». وفي السياق ذاته، هدد العرب بقوله: «لقد عدنا دولة عظمى كما كنّا سابقًا، وعلى الجميع أن يفهم هذا، نحن أسياد المنطقة».

هذه التصريحات ليست جديدة، بل هي استمرار لما قاله علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، في مارس 2015, من أن «إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد حاليًا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي».

وهذا غيض من فيض من تصريحات المسؤولين الإيرانيين، التي تؤكد النيات الفارسية القومية الاحتلالية التي تُهيمن على استراتيجية الدولة الإيرانية، وتحمل تفسيرات واضحة للمشروع الإيراني التوسعي، وكذلك تفسيرات للحروب التي شنّتها أو دعمتها أو أشعلتها، أو حاولت إشعالها، في أنحاء كثيرة من المنطقة العربية، كالعراق وسوريا واليمن والبحرين، والمليشيات العسكرية الطائفية التي أنشأتها وغذّتها مذهبيًا وشجّعتها على ارتكاب جرائم حرب في أكثر من مكان، وعلى رأسها «حزب الله» اللبناني، وعشرات المليشيات المذهبية العراقية.

واعتمدت إيران في سبيل تحقيق ذلك الحلم على استراتيجيتين رئيسيتين:

الأولى: تصدير الثورة:

وذلك لكسب مواقع نفوذ داخل دول الجوار، حيث ساهمت في إقامة أنظمة سياسية تتبنى الرؤية الإيرانية في الحكم، وشدَّدت على عدائها لأمريكا، وساندت قوى وحركات وأحزابًا إسلامية سنّية وناصرتها بحجّة دعم «المقاومة» ضد «إسرائيل»، ذلك كله لتحقيق المرامي القومية غير المُعلنة.

الثانية: الاستفادة من الفوضى:

فقد كان انزلاق الشرق الأوسط إلى حالة الفوضى على مدى العقد الماضي، هو ما أعطى الفرصة لإيران لمحاولة إلحاق الضرر بهذه الدول، وإلى تأكيد ما تعتقد أنه حقها الطبيعي في هيمنتها الإقليمية. بالإضافة إلى النظر بعين الحقد والحسد للثروة النفطية والفرق بين مستوى المعيشة الرغيد لشعوب دول الخليج مقابل مستواها.

وبالتالي، فقد استفادت إيران، إلى حد بعيد، من الفوضى التي عمت المنطقة بعد حرب الخليج الثانية، وسيطرت على العراق، كما عززت من مكانة «حزب الله» اللبناني، منذ بدء الحرب الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وحاولت نشر التشيّع في مصر وبعض دول إفريقيا مستغلّة اضطراب الوضع الاقتصادي، واستغلت الفوضى الأفغانية، فدعمت طالبان وزوّدتها بالسلاح لمحاربة القوات الحكومية، واستخدمت الحوثيين في اليمن وزوّدتهم بالسلاح، وشحنتهم بالآيديولوجيا المذهبية لتُشعل حربًا ما زال سعيرها يحرق جنوب الجزيرة العربية، وكذلك فعلت في سوريا. كما استغلت احتجاجات غير مبررة في البحرين. وهو ما أكدته صحيفة «واشنطن بوست» في تقرير لها يوم 2/4/2017, من أن «إيران تواصل تسليح المتمردين الشيعة في البحرين وتدربهم لزعزعة الاستقرار في المملكة». 

ونشرت مجلة فورين أفيرز مقالا في 21/1/2017 حول مساعي إيران لتوسيع نطاق سيطرتها السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، وتحدثت عن محاولاتها بسط نفوذها في المناطق التي تضم مجتمعات شيعية. موضحة أن العقود الأربعة الماضية شهدت علاقة مشحونة بين إيران ودول المنطقة في ظل طموحات القادة الإيرانيين إلى ما يسمى تصدير الثورة إلى دول الخليج العربي والعالم الإسلامي. 

مما سبق نرى أن هناك استراتيجيتين إيرانيتين متناقضتين، الأولى تحلم بالتوسع والهيمنة على المشرق عبر تصوير إيران مرجعًا وحيدًا وقويًا لشيعة العالم، والثانية تحلم بأن يكون المشرق كله تابعًا مباشرة لإيران عبر إحياء الإرث الإمبراطوري الفارسي، وعلى الرغم من أن المشروع الثاني هو الأساس والأعمق، فإن القيادة الإيرانية تسير بالاستراتيجيتين جنبًا إلى جنب، من دون ترجيح الأولى على الثانية، حتى لا تفقد أهم أوراق اللعب، وهي الشرعية المذهبية الطائفية.

إجمالا، يمكن القول إن مشروع الهيمنة الإيراني، الذي يتبناه نظام الملالي تحت مبدأ تصدير الثورة مشروع غير عصري، وغير واقعي، ويصطدم بإرادات الشعوب الأخرى، ولا يتناسب بأي حال مع النظام الدولي الحالي، الذي لا يجيز الاحتلال، ولا يسمح بالتدخل في الشؤون الداخلية.

كما أنه في الوقت نفسه لا يمثل حاجة حضارية للشعب الإيراني؛ لأنه يعود بالكوارث عليهم، عبر إقحامهم في حروب تستنزف ثرواتهم، وتنعكس سلبا على مستوياتهم المعيشية، لذا فهو مشروع غير قابل للتطبيق.

والخلاصة أن نجاح إيران في محاولة فرض هيمنتها وتحقيق حلمها المزعوم على العرب، يتوقف على مدى قوتهم وضعفهم أو وحدتهم وتشرذمهم، لذا فإن وحدة أمتنا ستوقف محاولات إيران تحقيق أحلامها في الهيمنة والسيطرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news