العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الثقافي

سرديات: السرقات الأدبيّة في وسائل التواصل الافتراضيّ!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٢٩ يوليو ٢٠١٧ - 01:00

 قبل فترة من الزمن أشارت إحدى الروائيات العربيات الشهيرات إلى سرقة أدبية تعرَّضت لها عندما سطت كاتبة عربية مبتدئة على عنوان قصيدة لها في ديوانها، فاختطفت هذه الكاتبة عنوان هذه الروائية وجعلته عنوانًا لكتابها دون الإشارة إلى مرجعيته! وهذه الروائية العربية الشهيرة التي تحظى بمتابعة مكثفة من عدد كبير من المتابعين الافتراضيين في موقع استجرامها لم تسكت وذكرت اسم الكاتبة واسم الكتاب. وما قامت به حق مشروع لها ولإيقاف كل من يتجرأ على نسبة إبداع غيره إليه ليحظَ بسمعة مرموقة ورصينة.

 قليل من المبدعين العرب من يتفرغ لملاحقة قوائم السارقين والسارقات؛ فحقوق الملكية الفكرية مهدورة رغم إصدار عدد كبير من القوانين المنظِّمة لها في عدد كبير من الدول العربية، وقلة من المبدعين العرب من لديه الوقت والصبر والأناة لمتابعة هؤلاء السارقين والسارقات ورفع قضايا ضدهم بتهمة السطو الأدبي. المبدع العربي لدينا مشغول بلقمة العيش وبأوضاعه الحياتية الصعبة، وهكذا يسرح هؤلاء السارقون والسارقات ويمرحون ويكتسبون سمعة زائفة من إعلام تسويقي زائف صنعوه لأنفسهم فمجدوا ذواتهم بهذه الفتوحات الأدبية أعني السرقات! وصدَّقهم الآخرون الذين لا يتوافرون على وعي ثقافي ولا فكري كي يميزوا بين الحقيقي الأصلي والمدلّس!

 لقد وفّرت الفضاءات الافتراضية المجال للمبدعين لعرض أعمالهم والتواصل الثقافي الحقيقي حولها خاصة موقع (الفيس بوك) الذي يحظى بمتابعة كبيرة من عدد كبير من مثقفي العالم، وفي المقابل وفّرت هذه الفضاءات الافتراضية المجال أيضًا لمحترفي عمليات السطو الإبداعي (مع الملاحظة أنَّ احترافية البعض منهم في هذا المجال محدودة ويمكن بضغطة زر واحدة على جوجل أن تكتشف سرقاتهم النصية الحرفية؛ بعضها منقول بالكامل وبعضها الآخر نقولات جزئية)، فضلاً عن سرقات كبيرة يقوم بها هؤلاء لإبداعات سواهم في الاستجرام والفيس بوك ونسبتها إلى أنفسهم دون الإشارة إلى المصدر وهذه أيضًا سرقة! ولا يخجل هؤلاء عندما يدعون نسبة نصوص مزيفة ومدلّسة إليهم، ويتشدقون بلقب المبدع والمبدعة. وكما ذكرتُ سابقًا لا يصفق لأمثال هؤلاء ولا يشجعهم إلا أمثالهم من مسطحي الوعي أو الذين لا يمتلكون في الأصل وعيًا حقيقيًا ولا رسالة حقيقية يقدمها الأدب للارتقاء بالذائقة الثقافية للأجيال.

بإمكان هؤلاء وعبر عمليات السطو إصدار عشرة كتب في السنة الواحدة، وسيحصدون كما قلتُ شهرة زائفة لن تنفعهم في شيء لأنها صادرة عن أمثالهم ونظرائهم في انعدام الأخلاق الأدبية وانعدام الضمير الذي يردعهم عن مثل هذه الأعمال المشينة، كما أنَّ ما يدعون أنه أعمال إبداعية يكون مصيره السقوط المدوي جدًا في الأوساط الأدبية الرصينة التي لا ترضى بهؤلاء الدخلاء والدخيلات، وأتحدى أمثال هؤلاء أن يتجرأوا لعرض ما يزعمون أنه إبداعات في المحافل الثقافية الرصينة هم لا يستطيعون ذلك لأنهم يعرفون أن حدود عرض بضاعتهم الهزيلة جدا هو فقط وسطهم المتهافت الذي أتوا منه ومتابعوهم ينتمون إلى مثل هذا الوسط المتردي ثقافيًا! وليتشدقوا بغرورهم الزائف وبتضخم ذواتهم في ممالكهم الافتراضية المتهافتة.. هناك فقط هم يحسنون الاستعراض والمباهاة والكذب على من يصدقهم وبقوة! وأتمنى أن تُنشأ مواقع يقوم بها أصحاب الضمير الحي لفضح سرقات هؤلاء سواء الورقية أو حتى الافتراضية لعلهم يرتدعون قليلاً! ولو تساءلنا ما الذي يدفع هؤلاء إلى ما يقومون به سنجد الإجابة هي الرغبة في الشهرة السريعة جدًا لوضع لقب المبدع في سيرهم الذاتية، والرغبة ربَّما في الوصول إلى مناصب والظهور المجتمعي من خلال ادعاء صفة المبدع مع يقينهم في حقيقية ذواتهم بعجزهم وضعفهم وعدم امتلاكهم لأدوات الكتابة وآلياتها! والبعض منهم كذَّب الكذبة وصدقها مع الوقت وظنَّ أنه بسرقاته وبهزالة ما يكتب قد أصبح في عداد الكتاب المرموقين! ولقد ساعدت السطوة الزائفة لوسائل التواصل الافتراضية هؤلاء السارقون والسارقات على ترسيخ ادعاءاتهم الزائفة بسطوة افتراضية زائفة لجمهور من المتابعين لا يتوافرون على أيَّ وعي حقيقي بما يُكتب! وما أكثر أمثال هؤلاء الذين أشبههم بدوائر الرمال التي سرعان ما تنقشع مع أول هبة ريح قوية ولن يبقَ لها أثرًا! لأنها كانت فقط في أصلها ذرات رمل ليس إلا! والطبول الجوفاء المنتفخة هي أكثر الأدوات ضجيجًا! ولكن الطبل الأجوف ينتهي بالانفجار المدوي الذي لا يخلف أثرًا! لأن أصله طبل أجوف ليس إلا!

أحترم كثيرًا أيّ كاتب مبتدئ يجتهد لإثبات إبداعه بأصالته الشخصية وحتى لو كانت محاولاته عن طريق الخطأ والصواب؛ فعدد كبير من كبار مبدعي العالم في كافة المجالات لم تكن بداياتهم الأولى قوية وإنَّما كانت متعثرة ومع ذلك اعتمدوا على أصالتهم وأثبتوا استحقاقاتهم الأدبية، ولذلك أصبحت كتبهم حتى بعد مرور عقود طويلة كتبًا تأسيسية ستظلُّ محفورة في الذاكرة الإبداعية لأجيال طويلة لأنها كتب حقيقية تتوافر على الأصالة. هؤلاء فقط من يستحقون الاحترام وأمَّا سواهم من السارقين والسارقات فلا!

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد،  كلية الآداب، جامعة البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news