العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الموقف الروسي من الأزمة القطرية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الجمعة ٢٨ يوليو ٢٠١٧ - 01:00

تسارعت ردود الفعل الدولية بعد قرار السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقاتهم الدبلوماسية مع قطر، في الخامس من يونيو 2017. وجاءت ردود الفعل العربية متسمة بقدر من الحذر، أما غربيا فكانت المواقف إما تأييدا مستترا، وإما دول لم تبد حماسة واضحة للموقف الذي اتخذته الدول العربية، وإما من حاول «مسك العصا من المنتصف» كأمريكا، التي نستطيع أن نلمح تناقضا واضحا في التصريحات ما بين الرئيس ترامب، وأجزاء أخرى من إدارته.

أما روسيا فقد كان لها موقف مغاير في بداية الأمر، حيث اعتبرت أن ما يحصل «شأن خاص»، من دون تعليق على طبيعة الاتهامات التي وجهتها الدول الخليجية للدوحة، بشأن دعمها للتنظيمات الإرهابية التي تشن عليها القوات الروسية هجمات داخل سوريا، وجاء أول تعليق للكرملين على لسان «دميتري بيسكوف»، الناطق باسم الرئيس الروسي، يشير إلى أن موسكو «لا تتدخل في شؤون دول أخرى، ولا في شؤون دول الخليج، لأنها تقدر علاقاتها مع الدول الخليجية مجتمعة ومع كل دولة على حدة».

وعلى هذا النحو، علق وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف» خلال مؤتمر صحفي يوم 5 يونيو، قائلا: «هذا شأنهم، وهذه علاقات ثنائية بين الدول، ونحن لا نتدخل في هذه القرارات».. لكن في الوقت ذاته، قال إنهم «يدرسون بعناية جميع المعلومات عن دعم الدوحة للإرهاب».

 بيد أن الموقف الروسي سرعان ما تغير من مرحلة الحذر والحياد إلى الانحياز بشكل ما إلى الجانب القطري، حيث عرضت موسكو دعمًا اقتصاديًا للدوحة، من خلال ما أعلنه نائب وزير الزراعة الروسي «جنبلاط خاتوف»، من أن «روسيا مستعدة لزيادة تصدير المنتجات الزراعية إلى قطر»، كما دعا وزير الخارجية «سيرغي لافروف» في مؤتمر صحفي مع نظيره القطري يوم 10 يونيو الماضي؛ إلى تسوية الأزمة على طاولة الحوار، موضحًا أن قرار بعض الدول العربية قطع علاقاتها مع الدوحة أثار «قلق موسكو»، مشيرًا إلى أن روسيا لا يمكن أن يسرها تدهور العلاقات بين شركائها. وفي هذا السياق جاءت زيارة وزير الخارجية القطري لموسكو، لتؤكد ما سبق.

ومن هنا، يجب أن تطرح تساؤلات عدة عن أسباب هذا التحول والتغير في الموقف الروسي، وما الذي يجعل موسكو تتصرف بهذه الطريقة، وهو ما أجابت عنه صحيفة «أوترا. ري» الروسية في تقرير للخبيرة في مجال الشؤون الدولية، إيلينا سوبونينا، حيث أرجعت محاولة موسكو تهدئة الأوضاع بطرق أكثر أمنا وأقل إضرارا لسببين:

الأول: وهو العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدوحة وموسكو، ولا سيما في مجال الغاز الطبيعي، فالعلاقات الاقتصادية بين موسكو والدوحة على أعلى مستوى، ويسعى البلدان لرفع التبادل التجاري بينهما إلى 500 مليون دولار في المرحلة المقبلة، كما أن الاستثمارات القطرية في روسيا كبيرة من خلال صندوق الثروة السيادي القطري، فضلا عن أن قطر لاعب رئيسي في اتفاق فيينا بخصوص تخفيض الإنتاج النفطي لامتصاص الفائض من النفط في الأسواق، ففي حال انسحاب قطر من الاتفاق وانهياره قد يؤدي هذا إلى هبوط أسعار النفط وتكبد الاقتصاد الروسي خسائر كبيرة.

وفي هذا السياق، أوضحت صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» الروسية أن «قطع العلاقات الدبلوماسية قد يدفع بقطر نحو البحث عن شركاء اقتصاديين جدد، من بينهم روسيا»، ونقلت الصحيفة عن مصدر في وزارة الخارجية القطرية قوله: إن «الدوحة وموسكو تتعاونان في مختلف المجالات، وهناك استثمارات متبادلة».

من جهتها، ذكرت صحيفة «فيدوموستي» المتخصصة في الشأن الاقتصادي أن الوضع الراهن لن يؤثر على التعاون الروسي القطري في قطاع النفط والغاز، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن أسعار النفط قد تتراجع على المدى البعيد في حال انسحاب قطر من اتفاق خفض الإنتاج، وأن جهاز قطر للاستثمار يتفاوض حاليا على شراء 25% من أسهم شركة «النفط والغاز المستقلة» الروسية. 

أما السبب الثاني، فيتمثل في رغبتها باستعادة أدوات التأثير على الساحة السياسية العالمية، بعد أن فقدت كل أدواتها المتاحة للتأثير بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؛ لهذا تحاول في الوقت الراهن استعادة مكانتها الفاعلة.

بالإضافة إلى أن روسيا تعتبر قطر أحد اللاعبين الرئيسيين في الملف السوري، فهي تدعم المعارضة السورية، ولعبت دورًا كبيرًا في الوساطات الجارية هناك من خلال شبكة علاقتها. وخسارة ودور قطر في هذا الجانب قد يدفعها للاندفاع ضد روسيا في المنطقة أكثر، لذا فموسكو تسعى لموازنة موقفها مع قطر خلال هذه الأزمة. 

وفي الإطار ذاته تخشى موسكو من تشكل حلف جديد في المنطقة بين قطر وتركيا وإيران يسهم في إضعاف هيمنتها وسياساتها، بالأخص بعد اصطفاف تركيا إلى جانب قطر من خلال نشر قوات عسكرية في القاعدة التركية بالدوحة، وفتح إيران خطا جويا لمساعدة قطر في تأمين احتياجاتها من الغذاء كما فعلت تركيا أيضًا.

كل ذلك يوضح عدم رغبة روسيا في حدوث توترات في المنطقة، وهو ما أكده الاتصال الذي تم بين العاهل السعودي الملك «سلمان بن عبدالعزيز»، والرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» في 13 يوليو الماضي؛ بهدف بحث سبل تهدئة الأزمة. 

فضلا عن أن موسكو تستفيد من زيادة التعاون مع دول الخليج الأخرى، ولا سيما السعودية والإمارات، وخاصة في المجال الاقتصادي والعسكري.

وأخيرا؛ يمكن القول إن روسيا دائما ما تحاول الوصول إلى أهدافها في منطقة الخليج العربي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، كما تنظر بكل آمالها إلى التقارب مع دول المنطقة وإبعادها عن سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فإن أي أزمة تحدث في هذه المنطقة تحاول روسيا أن تضع قدما فيها، ومن هذا المنطلق سعت لتهدئة الأمور وحل الأزمة بالحوار والوساطة، حفاظا على مصالحها مع قطر ومع باقي دول الخليج.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news