العدد : ١٤٥٠٧ - الاثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٧ - الاثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

هل انتهى «النموذج التركي»؟

مصطفى كمال أتاتورك.

بقلم: جون ماركو

الأحد ٠٤ يونيو ٢٠١٧ - 02:10

احتدم الجدل خلال الفترة الماضية بين القادة الأوروبيين والرئيس التركي رجب طيب أردوجان، الذي حقق انتصارا صعبا في الاستفتاء الذي أجري يوم 15 ابريل 2017 للانتقال من النظام البرلماني، الموروث عن المنظومة التي أرساها مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، إلى النظام الرئاسي، الذي يتمتع فيه الرئيس بصلاحيات تنفيذية كبيرة. 

من الواضح أن الرئيس أردوجان يسعى لتعزيز حكمه على المستوى الداخلي والاقتراب أكثر من المملكة العربية السعودية من ناحية أولى، ومن روسيا من ناحية ثانية. لا شك أن هذه السياسة التي ينتهجها الرئيس أردوجان تعكس الوضعية الحساسة التي تواجهها تركيا في محيطها الإقليمي. فقد أعطت تركيا قبل نحو ست سنوات من الآن الانطباع بأنها قد خرجت أكبر مستفيد مما يسمى «الربيع العربي» غير أن ذلك العهد قد ولى وانتهى في ظل تبدد أوهام «الربيع العربي» الذي تحول إلى شتاء قارس.

بدأت تركيا منذ سنة 2014 بقيادة الرئيس رجب طيب أردوجان تعمل على إعادة ترتيب سياستها الخارجية في خضم التطورات الجارية في سوريا، إضافة إلى التحولات والتحديات والأوضاع الداخلية المتفاقمة. 

في خضم ما يسمى «الربيع العربي» أصبحت تجربة حزب العدالة والتنمية تمثل في نظر البعض نموذجا للممارسة الديمقراطية في المنطقة. يعرف حزب العدالة والتنمية بتوجهاته الإسلامية المحافظة وقد ظل يحكم تركيا منذ سنة 2002. 

سعى وزير الخارجية ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو لتطبيق دبلوماسية تقوم على حسن الجوار وفق شعار «صفر مشاكل مع دول منطقة الشرق الأوسط». أسهم النمو الاقتصادي في إضفاء صورة إيجابية على تركيا التي صنفت كقوة اقتصادية ناشئة. 

غلب الغموض على تموقع تركيا إزاء الحركات الجهادية في خضم الأزمة السورية كما ربطت علاقات قوية مع الحكومات الإسلامية التي تمخضت عن التحولات السياسية في كل من تونس ومصر. تعاملت حكومة رجب طيب أردوجان أيضا في ربيع 2013 بشدة وعمدت إلى قمع المظاهرات والاحتجاجات المناهضة لتدمير حديقة «جيزي» في أسطنبول. ساهمت كل هذه العوامل في التأثير على صورة تركيا بقيادة رجب طيب أردوجان. 

بداية من سنة 2015. وجدت تركيا نفسها تواجه التدخل العسكري الروسي المباشر في الحرب الدائرة في سوريا كما أن الأكراد الذين يشكلون «قوات سوريا الديمقراطية» والذين يتلقون الدعم من الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية استفادوا من التطورات التي حدثت في روسيا وراحوا يعملون على السيطرة على المناطق التي انسحب منها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام «داعش».

ازدادت أيضا التفجيرات الدامية على الأراضي التركية والتي نفذتها الجماعات الجهادية والكردية والتي اعتبرت نتيجة مباشرة لسياسات أنقرة القائمة على التدخل ما وراء حدودها الشرقية إضافة إلى استمرار المسألة الكردية التي ظلت تراوح مكانها. 

لعبت هذه العوامل دورا حاسما في دفع سلطات أنقرة إلى مراجعة تموقعها الدبلوماسي والجيو استراتيجي. في سياق من التحولات الداخلية اتخذ رجب طيب أردوجان قرارا بالعمل على تغيير الدستور والانتقال بتركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي يعطي صلاحيات تنفيذية غير مسبوقة. 

أما رئيس الوزراء التركي بن علي يلديريم المقرب من رجب طيب أردوجان فقد وصف هذه السياسة التركية الجديدة قائلا بأنها تقوم على مبدأ «مزيد من الأصدقاء، قليل من الأعداء». أراد الرئيس رجب طيب أردوجان أن تكون هذه السياسة «الجديدة» براغماتية غير أن الكثير من الغموض لايزال يلفها وخاصة أن وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية من شأنه أن يهز أكثر فأكثر التوازنات الإقليمية. 

في إطار هذه السياسة عمل الرئيس أردوجان على تعزيز التقارب وتوطيد العلاقات مع المملكة العربية السعودية وبقية الدول الخليجية مع الابقاء على مسافة مع إيران التي تعتبر الخصم الاستراتيجي لتركيا في منطقة الشرق الأوسط والتي توظف البعد الطائفي الشيعي للتغلغل في المنطقة مستغلة الأقليات الشيعية التي تحولت إلى أذرع لنظام الملالي في طهران.

في هذا الاطار أبدى الرئيس أردوجان في ربيع 2015 تأييده للتحالف الذي شكلته المملكة العربية السعودية لدعم الشرعية في اليمن والتصدي للتغلغل الإيراني في هذا البلد العربي المجاور للدول الخليجية، بل إنه اتهم إيران علنا بالسعي إلى «فرض هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط».

سعى أردوجان من خلال مراجعة هذا التموقع السياسي والدبلوماسي والاستراتيجي إلى تمكين تركيا من من العودة إلى قلب الأزمة السورية في وقت كانت فيه الجهود تبذل من أجل إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم المزيد من الدعم للجيش السوري الحر المناهض لنظام بشار الأسد في دمشق والذي يحظى بالدعم الغربي والذي يحاول أن ينأى بنفسه عن الجماعات المتطرفة. 

شهدت الأشهر الماضية تحولا دبلوماسيا وسياسيا واستراتيجيا آخر بالغ الأهمية يتمثل في تقارب تركيا رجب طيب أردوجان مع روسيا بقيادة رئيسها القوي فلاديمير بوتين. 

لاشك أن الدعم القوي الذي راحت تقدمه الطائرات العسكرية الروسية لمساندة نظام دمشق قد أربك تركيا وأرعبها في نفس الوقت وخاصة أن بعض حلفاء أنقرة الغربيين، على غرار فرنسا، بدأوا يتحدثون علنا عن ضرورة التقارب مع سلطات موسكو من أجل محاربة الجماعات المتطرفة التي باتت تمثل تهديدا جسيما حتى على تركيا نفسها. 

يوم 24 نوفمبر 2015 تدخلت طائرات إف 16 التركية وأسقطت طائرة سوخوي 24 روسية الأمر الذي تسبب في تصاعد حدة التوتر بين أنقرة وموسكو على مدى أكثر من ستة أشهر. لا شك أن التداعيات الاقتصادية الفادحة هي التي دفعت الرئيس رجب طيب أردوجان إلى مراجعة موقفه والسعي إلى تطبيع العلاقات مجددا مع روسيا. 

صحيح أن الرئيس أردوجان نجح في التقارب مع الزعيم الروسي وترميم العلاقات مع سلطات موسكو غير أن العلاقات ما بين أنقرة وإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما شهدت تدهورا ملحوظا وخاصة بعد أن قررت سلطات واشنطن رفع اسم حزب الشعب الديمقراطي من قائمة التنظيمات الإرهابية وجعلت من الأكراد «شركاء مسؤولين» للولايات المتحدة الأمريكية في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط عامة. 

مع نهاية شهر يونيو 2016 قررت سلطات روسيا قبول «اعتذار الأتراك». بعد مرور خمسة عشر يوما على ذلك الاعتذار اهتزت تركيا على وقع المحاولة «الانقلابية» فكان الرئيس فلايديمير بوتين أول من أبدى دعمه القوي لنظيره التركي. أما الحليف الأمريكي فقد رد الفعل وأبدى دعمه الخجول بشكل متأخر كما رفضت الولايات المتحدة الأمريكية ترحيل رجل الدين فتح الله غولن المعارض، مؤسس حركة «خدمة»، الذي يتهمه رجب طيب أردوجان بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية التي استهدفت نظامه. 

قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في تلك الأثناء: «نود أن نقدم الشكر القوي للسلطات الروسية وخاصة الرئيس فلاديمير بوتين على الدعم الكبير وغير المشروط الذي قدمه لنا، على عكس الكثير من الدول الأخرى». 

لا شك أن تركيا تخوفت كثيرا من النجاحات الكردية في العراق وسوريا والدعم الذي يحصلون عليه من الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص. مع نهاية سنة 2015 وخاصة خلال سنة 2016 تعرضت تركيا إلى سلسلة من الهجمات والتفجيرات الدامية الأمر الذي جعل نظام أنقرة يتحرك بسرعة من أجل تفكيك الخلايا المتطرفة التي تغلغلت داخل المجتمع التركي. مع بداية شهر مايو 2016 قامت القوات العسكرية التركية بأول عملية تدخل في الأراضي السورية، مدعومة بالدبابات والعربات العسكرية الثقيلة كما أطلقت سلطات أنقرة عملية «درع الفرات» من أجل دعم المعارضين العرب الذين ظلت تدربهم سلطات أنقرة منذ السنة الماضية، وهو ما أوجد بعدا آخر منذ يوم 24 أغسطس 2016 على وجه الخصوص. 

أصبحت الحرب مفتوحة بذلك بين تركيا من ناحية وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام «داعش» من ناحية أخرى غير أن سلطات أنقرة وجدت صعوبة كبيرة في إقناع العالم الخارجي، وخاصة الدول الغربية، بأنها تنتهج سياسة مناهضة للتنظيمات المتطرفة. 

كانت سلطات أنقرة إلى حدود سنة 2013 تسعى على المستوى الداخلي للتفاوض من أجل إبرام اتفاق سلام مع حزب العمال الكردستاني. كان حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوجان يسعى لاحتواء الأكراد وإشراكهم في النظام السياسي الداخلي مع انتهاج سياسة حسن الجوار على المستوى الخارجي سواء في العراق وحتى في سوريا. 

في ظل التطورات التي طرأت على مستوى السياسة الداخلية الخارجية أعادت سلطات أنقرة النظر في مشروع التقارب السياسي مع الأكراد كما أقرت العزم على تطوير مقاربتها للمسألة الكردية. في ربيع سنة 2013 لم يعد المسار السياسي بين حكومة الرئيس طيب أردوجان والأكراد يحظى بالأولوية في ظل الاحتجاجات الرافضة لإزالة حديقة «جيزي» الشهيرة في مدينة إسطنبول. 

في شهر يونيو 2015 حقق الحزب الديمقراطي الشعبي نجاحا كبيرا في الانتخابات البرلمانية وهو ما مكنه من تعزيز تمثيله في البرلمان وحال دون سعي حزب العدالة والتنمية لاستعادة الأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها. هذه العوامل جعلت الرئيس رجب طيب أردوجان يضع خطة استراتيجية ترمي أساسا إلى عرقلة تقدم الأكراد على الساحتين البرلمانية والسياسية. 

رغم أن الحزب الديمقراطي الشعبي حافظ على وجوده في البرلمان فقد ظل يعاني من التهميش الممنهج. عقب حملة التطهير الواسعة التي أمر بها الرئيس أردوجان عقب المحاولة الانقلابية وجد عدد كبير من المنتخبين عن الحزب الديمقراطي الشعبي أنفسهم خلف قضبان السجن وخاصة منهم صلاح الدين دميرتاس والسيدة فيغن يوكسيكداج، اللذين قد يحكم عليهما بالسجن المؤبد بتهمة «التآمر مع منظمة إرهابية». 

يمثل التقارب مع روسيا من أهم التحولات التي طرأت على السياسة الخارجية التركية. في شهر سبتمبر 2015 كثف الطيران العسكري الروسي من دعمه للنظام السوري وإسناده لإيران على الجهة الجنوبية لتركيا، الأمر الذي أرعب سلطات أنقرة في وقت كانت فيه بعض الدول الغربية، وخاصة منها فرنسا المستهدفة بالعمليات الإرهابية، تتحدث عن ضرورة التقارب مع روسيا من أجل تنسيق الحرب ضد الإرهابيين. 

بعد تجاوز أزمة إسقاط الطائرة الروسية هدأت العلاقات بين أنقرة وموسكو فيما ازداد التوتر بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوجان والأمريكي السابق باراك أوباما الذي كان يعطي كل الأولوية للاتفاق النووي مع إيران. استغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برود العلاقات بين واشنطن وأنقرة فأعلن عن قبول «الاعتذار التركي»، كما أنه كان أول من عبر عن دعمه للرئيس أردوجان عقب المحاولة الانقلابية. 

في شهر أغسطس 2016 قام الرئيس رجب طيب أردوجان بزيارة رسمية لموسكو من أجل تكريس المصالحة مع روسيا وتعزيز العلاقات الثنائية. توج التقارب بين البلدين في شهر يناير 2017 بالتوصل خاصة إلى وقف لإطلاق النار في مدينة حلب السورية والتي لحق بها دمار هائل. نظمت روسيا وتركيا بالتنسيق مع إيران بعد ذلك مؤتمرا حول الأزمة السورية وذلك في العاصمة الكازاخستانية أستانا. أصبحت مسألة تسوية الأزمة السورية الطاحنة موضوعة بأيدي هذا الكونسورسيوم الأوراسي وهو ما أعطى الانطباع بأن الملف السوري قد أفلت من أيدي الغربيين. 

رغم هذه التطورات الإيجابية فإن ذلك لا يضمن أن هذه الروابط لن تهتز في المستقبل في صورة اصطدام مصالحهما الاستراتيجية والحيوية في منطقة الشرق الأوسط. لم تساهم اجتماعات أستانا في التخفيف من حدة المنافسة ما بين تركيا وإيران أو الاختلاف الروسي-التركي بشأن الأزمة السورية.

رغم أن روسيا أعطت موافقتها على عملية «درع الفرات» فإن الاستراتيجية الروسية تقوم على التصدي لمواصلة التوغل التركي باتجاه الجنوب، وصولا إلى مدينة «الرقة» التي تعتبر عاصمة تنظيم «داعش» مع استبعاد أي مواجهة مباشرة ما بين الأتراك والأكراد. 

أبدت سلطات أنقرة في الأثناء ترحيبها بالتغيير الذي حدث في واشنطون مع رحيل باراك أوباما عن البيت الأبيض بعد أن ساد في عهده التوتر على العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا – مع بداية الاتصالات مع الرئيس دونالد ترامب. 

تسارعت الأحداث في تركيا خلال الأشهر القليلة الماضية. فقد فاز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات التشريعية بعد أن حصل على نسبة 40.6% فقط من الأصوات. يوم 20 يوليو اهتزت تركيا على وقع انفجارات دامية خلفت أكثر من 33 قتيلا وعشرات الجرحى ثم تلتها سلسة من العمليات والتفجيرات الأخرى، إضافة إلى اغتيال السفير الروسي في أنقرة. 

رغم وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض فإن الولايات المتحدة الأمريكية تظل متمسكة بدعم دول القوى الديمقراطية السورية وبعض الفصائل العلمانية السورية الأخرى وهي قد تلعب دورا حاسما في الهجوم النهائي على معاقل تنظيم داعش في سوريا. 

على غرار المسؤولين السابقين في واشنطون قد يضطر المسؤلون الجدد في إدارة دونالد ترامب في نهاية المطاف إلى انتهاج استراتيجية تقوم على التوفيق ما بين الأكراد والأتراك والجيش السوري الحر. مع تفادي المواجهة مع القوات الموالية لنظام دمشق والمدعومة بقوة من روسيا. 

لقد بات يتعين على منظمة الحلف الأطلنطي أن تحافظ على بقائها في ظل التغيير الذي بدأ يطرأ على السياسة الخارجية في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب. أما مسار مفاوضات أستانا برعاية روسيا وتركيا وإيران فقد أثبت محدوديته ولم يثمر أي نتيجة إيجابية تذكر من شأنها أن تساهم في إيجاد تسوية سياسية للأزمة السياسية السورية. 

سيكون أيضا من الصعب على تركيا بقيادة رئيسها رجب طيب أرودوغان أن تظل تسعى لتوظيف علاقتها المتنامية مع روسيا من أجل الضغط على الحليف الأمريكي والغرب معه، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي، مثلما ظلت تفعل في أواخر العهد الثاني للرئيس باراك أوباما. يجب أن ننتظر الفترة القادمة لنرى ما إذا كان السجال الأخير بين سلطات أنقرة وبعض العواصم الأوروبية ستكون له تداعيات وخيمة على المدى البعيد.

‭{‬ الكاتب أستاذ العلوم السياسة 

في جامعة جرونوبل الفرنسية.

لوموند دبلوماتيك 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news