العدد : ١٥٥٦١ - الجمعة ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦١ - الجمعة ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

دراسات

نظام الملالي في إيران وجرائم اغتيال المثقفين
الـمـخـابـرات الإيـرانـيـة اغـتــالـت أكـثـر من خمسين ألف معارض.. بينهم الآف المثقفين

بقلم: علاء إبراهيم حبيب *

الجمعة ٠٩ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



منذ أن وصل الخميني إلى الحكم في إيران عام 1979م، اتخذ من عمليات الاغتيال وسيلة للتخلص من خصومه، ولا سيما المثقفون منهم، وقد كان الاغتيال أو الإعدام مصير كل من يختلف معه فكرياً، ومن أشهر الجرائم التي ارتكبت بحق المثقفين هي، تصفية زعيم حزب الشعب الوطني داريوش فروهر وزوجته براونة عام 1989م، وثلاثة من الكتاب، هم: مجيد شريف ومحمد مختاري ومحمد جعفر بونيده الذين قتلوا بصورة بشعة بأمر من سعيد إمامي نائب وزير الاستخبارات السابق علي فلاحيان.
وقد اتخذ قرار اغتيال المثقفين على أعلى المستويات ضمن «لجنة مكافحة الأزمات السرية» بعد فوز الرئيس خاتمي، وذلك من أجل تصفية المثقفين المطالبين بحرية الصحافة وتكوين اتحادات الكتاب والصحفيين المحظورة في دولة الولي الفقيه.
وبحسب مقال للكاتب التونسي العفيف الأخضر نشر في صحيفة الحياة عام 1999م، تحت (عنوان محاولة لتفسير قتل المثقفين في إيران): فإنّ عضو البوليس السري الإيراني «السافاك» الذي فر إلى ألمانيا، محمد عامريان، قد أكّد انه بعد جمع المعلومات حكمت «اللجنة السرية» غيابياً على 180 مثقفاً بالإعدام لاقترافهم جريمة «عدم التطابق مع النظام».
ولعلنا هنا نستذكر رد وزارة الخارجية الإيرانية على قيام منظمات حقوق الإنسان بالتحقيق في حوادث الاغتيال التي طالت مفكرين ومثقفين، حيث قالت (ان عدد من موظفيها الفاسدين، كانوا وراء تلك الحوادث). وذلك كما جاء في خبر بثته وكالة الأنباء الكويتية عام 1999م.
وبحسب تصريح لزعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي، نشر في تقرير أعده موقع (إيران بلا أقنعة)، فإنّ الاستخبارات الإيرانية بين عامي 1987 و1993 اغتالت معارضين في المدن التالية: دبي، هامبورغ، فيينا، جنيف، لندن، لارنكا، باريس، برلين، روما، كما أن التحريات التي أجرتها الأجهزة الأمنية في تلك الدول كشفت عن وجود آثار مشابه في عدة حالات.
وفي دراسة نشرتها صحيفة العرب في أكتوبر 2016م تحت عنوان (التنوع العرقي في إيران مصدر أزمة)، أكّد فيها مدير حملة استقلال بلوشســـتان في إيران، محراب ســـرجو، أنـــه منذ مطلع عـــام 2016 حتـــى تاريخ النشر، هناك نحو 50 شـــخصا قتلوا عن طريق إطلاق النار على مختلف نقاط التفتيش الأمنية في بلوشستان. وأضاف أن الأرقـــام الفعلية للأشـــخاص الذين قتلوا أعلى بكثير مما تم الإبلاغ عنها.
وقد أخبرني الناشط محمد البلوشي خلال حديث جمعني واياه على موقع التواصل الاجتماعي «توتير»، أن كثير من طلبة العلم البلوش يختفون في ظروف غامضة، وأضاف أن السلطات الإيرانية تمنع البلوش من دخول الجامعات.
تهدف هذه الدراسة إلى إظهار حقيقة النظام الإيراني، ومدى وحشيته من خلال طريقة تعامله مع المثقفين،حيث ينتهي مصير أغلبهم بالتصفية الجسدية. وقد استهدف نظام الولي الفقيه -على وجه الخصوص- عرب الأحواز، البلوش، أعضاء منظمة مجاهدي خلق، الأكراد، أعضاء المجموعات الاشتراكية بالإضافة إلى الأتراك. وتلقي الضوء على جرائم اغتيال المثقفين منذ عهد الخميني حتى عهد روحاني.
ولكن قبل البدء بتناول الأحداث بحسب التسلسل الزمني، لا بد لنا من وقفه مع الباحث الفرنسي تييري كوفيل مؤلف كتاب (إيران-الثورة الخفية)، حيث اهتم بالحركات الفكرية في إيران، وتحدث عن نشوئها والظروف التي هيأت لها، وذلك من أجل فهم أكثر عمقاً لملف اغتيال نظام الملالي للمثقفين.
يقول كوفيل إنه غداة نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وُلدت حركة فكرية نقدية تجاه النظام -الخميني، وقال إن ظهورها ربما يرتبط بظواهر عدة، وأضاف أن عددا من المثقفين اختار البقاء في إيران وفي الأقاليم المحتلة (الأحواز، بلوشستان، كردستان)، رغم معارضته للنظام، غالباً بدافع قومي، وأحياناً تخوفاً من المصاعب المترتبة على الهجرة. كذلك خفف هؤلاء من هجرة الأدمغة، وحافظوا على طاقة (سجاليه) صارت فاعلة بعد انتهاء الحرب.
الخميني (1979-1989):
لا نريد الدخول في تفاصيل كاملة عن أحوال المثقفين في إيران الخمينية فالموضوع شائك وطويل، هذا بالإضافة إلى أن البحث يركز على جرائم اغتيال المثقفين منذ عهد الخميني الذي كان على شعبه أشد وطأة وظلماً من سلفه الدكتاتور الشاه، ويكفي أن عدد الذين تم اغتيالهم منذ قيام الثورة الخمينية عام 1979م وحتى عام 1988م أكثر من خمسين ألفاً من ضمنهم آلاف المثقفين، وقد وثق هذه الجرائم عدد من الكتاب والمؤلفين منهم:
- عبدالمنعم الجبيلي مؤلف كتاب (شهادات واقعية من داخل إيران).
- الدكتور أحمد الشاذلي مؤلف كتاب (الاغتيالات السياسية في إيران).
- الدكتور موسى الموسوي مؤلف كتاب (الثورة البائسة).
والمفارقة العجيبة حقاً هي أن النظام الإيراني قد أكّد أنه يحكم من خلال الإرهاب! ففي عام 1985م نشرت صحيفة كيهان تصريح لقائد الحرس آنذاك محسن رضائي ألقاه في المؤتمر الوطني للطلاب جاء فيه: «إننا نحكم من خلال الإرهاب».
وقد تضمن التصريح أيضا الكلمات التالية: «لقد نشرنا إرهاباً مكننا من التحكم في المعارضين». كما لا بد لنا من وقفه عند الأديب والشاعر الأحوازي نبي كريم هاشم النيسي، وهو من مدينة الحويزة التاريخية، حيث تم اغتياله بأوامر من الخميني، وقد نصب له كمينا وهو في طريق عودته من أمسية شعرية أقيمت في جزيرة (صلبوخ).
لا أحد يستطيع أن ينكر أن المثقفين في إيران يعانون من استغلال النظام للدين من أجل تحقيق مكاسب سياسية، كما أن المتمعن في فكر الخميني ومن خلال تبنيه لنظرية الولي الفقيه التي تمكن لرجل واحد في الأرض، يرى أنه لا يقبل من الآخرين إلا السمع والطاعة، وعليه فكل من يعارضه يستحق الموت.
هكذا كان فكر مؤسس النظام الإيراني وهكذا حال المثقفين في إيران والأقاليم المحتلة منذ عام 1979م، ويجب التنويه هنا إلى أن هذا لا يعني أن الأنظمة التي سبقت نظام الخميني كانت أحوال المثقفين فيها أفضل، بل كانت مشابه وإن اختلفت طرق القمع، ولكن لأنه لا يسعنا في هذا البحث الحديث عنها نكتفي بهذا القدر.
عهد رفسنجاني (1989 - 1997):
شهد عهد على أكبر هاشمي رفسنجاني حملات اغتيال واسعة النطاق ضد المعارضين الإيرانيين خارج إيران، وكان الدكتور كاظم رجوي شقيق مسعود رجوي زعيم المقاومة الإيرانية من الأهداف الرئيسية لهذه الحملة حيث قامت المخابرات الإيرانية بتوجيه من رفسنجاني باغتياله في سويسرا عام 1990. في حين أن ممثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في روما السيد محمد حسين نقدي الذي كان قبل الالتحاق بالمقاومة سفير إيران في إيطاليا تم اغتياله بعد الدكتور كاظم بثلاثة أعوام، وفي عام 1996 تم اغتيال السيدة زهراء رجبي أحد قادة حركة مجاهدي خلق في اسطنبول، هذا بالإضافة إلى العشرات من أعضاء حركة مجاهدي خلق الذين تم اغتيالهم في العراق وفي باكستان وتركيا، أما الكاتب سعيدي سيرجاني فقد قتل في السجن عام 1994م.
عهد خاتمي 1997 - 2005:
عندما تولى محمد خاتمي رئاسة إيران باشر بدوره عمليات الاغتيال السياسية التي شملت المثقفين والسياسيين المعارضين للنظام، وبعد سنة من انتخاب خاتمي تم تصفية العشرات من الكتاب والسياسيين وقد عرفت تلك العمليات آنذاك بـ«الاغتيالات المتسلسلة».
وكانت تلك الاغتيالات بحسب تقرير لقناة العربية نشر على موقعها الإلكتروني عام 2014م، تتم وفق فتاوى من رجال الدين المتشددين من أمثال مصباح يزدي وجنتي وآخرين، حيث سربت قائمة تقضي بفتاوى لاغتيال 197 مثقفاً وكاتباً، كان بينهم الكاتب والصحفي العربي الأحوازي يوسف عزيزي بني طرف.
والمثير للسخرية، أن خاتمي أعد سيناريو للخروج من قضية الاغتيالات التي تعد خطر على النظام الإيراني، وكان السيناريو يقضي أن يكشف عن تورط الاستخبارات في قتل المثقفين، ثم يتعرض هو وأنصاره لحملات مستمرة من قبل المحافظين!
أحمدي نجاد 2005م-2013م:
يمتلك الرئيس الإيراني أحمدي نجاد سجلا دمويا لا يقل بشاعة عن سجل نظرائه ممن اعتلوا كرسي الرئاسة في إيران منذ الثورة الخمينية 1979م، فهو متهم رئيسي في عمليات اغتيال خارج وداخل إيران، بالإضافة إلى عمليات تعذيب المعتقلين، وقد أكّدت صحيفة (إلموندو) الإسبانية عام 2005م، نقلاً عن صحفي إيراني كان على صلة بجهاز المخابرات الإيراني هرب إلى فرنسا، أن الرئيس نجاد متورط في اغتيال قياديي المعارضة الكردية الإيرانية (الدكتور قاسملو ورفاقه) في عام 1989 في فيينا، كما انه يمكن أن نطلق على عهد أحمدي نجاد (عهد اغتيال الشعراء)، ففي مارس من عام 2008م تم اغتيال ثلاثة شعراء عرب من الأحواز المحتلة في ليلة واحدة هم: طاهر سلامي، عباس جعاوله، ناظم هاشمي، بعد عقدهم أمسية شعرية في مدينة دينة معشور.
وفي عهد نجاد أيضاً وبالتحديد عام 2012م، تم اغتيال الشاعر منان بن صياح الذي اشتهر بقصائده الثورية، وهو في الطريق إلى أمسية شعرية، وبعدها بعام واحد تم اغتيال الشاعر سعيد جاسم عباس، بعد حضوره لأمسية شعرية في احدى المدن الأحوازية.
حسن روحاني من عام 2013 وحتى الآن
يمكن اعتبار عهد روحاني بأنه عهد اغتيال الثقافة في إيران بحق، فقد جاءت إيران في المرتبة الثانية عالمياً بعد الصين من حيث كثرة الإعدامات، ولكن في إيران هذه الإعدامات نفذت في المعارضين للنظام وخاصة المثقفين منهم، حتى إن «بان كي مون» الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة وصف حالات الإعدام في إيران بالأمر المؤسف، وقال إن كثيرا من النشطاء الثقافيين في إيران مثل عرب الأحواز يعدمون من دون أدنى اعتبار للمعايير الدولية، ويدفنون في أماكن مجهولة من دون علم أسرهم.
أما على الصعيد الخارجي، فقد حول روحاني أربع دول عربية (سوريا، العراق، اليمن، لبنان) إلى ساحات للاغتيال من خلال استخدام المليشيات الشيعية.
ومن جهة أخرى فإنّ المثقف الإيراني بات يشعر بالخجل من تصرفات النطام بشكل عام، حتى أن مدير مركز الدراسات الإيرانية والعربية في لندن الدكتور على نوري زادة الذي حل ضيف على المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية 30)، قال في تصريح لوكالة الأنباء السعودية /فبراير 2016م، «المثقف الإيراني يشعر بخجل مما أقدم عليه النظام في إيران ضارباً بالأعراف الدبلوماسية عرض الحائط». وكان زادة يتحدث عن الاعتداءات التي طالت سفارة المملكة العربية السعودية في طهران وقنصليتها العامة بـمشهد، وذلك بحسب زادة لأنّ النظام كان بإمكانه منع المعتدين من الإقدام على مثل هذا العمل المخزي والمحزن.
وفي الخاتمة أحب الإشارة إلى أن نظام الولي الفقيه منذ بداية الثورة الخمينية وحتى الآن يقوم باغتيال المثقفين؛ من أجل بث الخوف والفزع بينهم، ومن أجل البقاء في السلطة أطول فترة ممكنه، وهو بلا شك يعتبر قتل وإعدام المثقفين المطالبين باسترداد هويتهم وقوميتهم طريقة ناجحة لبقاء هذا النظام المتهالك.
* باحث أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني
alaa730@gmail.com























كلمات دالة

aak_news