العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

العلامة محمد فريد وجدي..الكاتب الموسوعي وصاحب دائرة معارف القرن العشرين (2)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٢٥ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:30



دخوله إلى ميدان الصحافة واشتغاله بها:
بدأ ـ يرحمه الله ـ اشتغاله بالصحافة حينما أصدر جريدة الدستور في أواخر عام 1907م واستمع إليه وهو يبين هدفه من إصدارها في افتتاحية عددها الأول، حيث يقول: «أما بعد، فنحن بإصدار هذه الجريدة لا ندعي أن في الصحافة العربية فراغًا جئنا لنملأه، فإن في ذلك غمطا لحق من تقدمنا من العاملين «فما الدستور» والحالة هذه إلا محام جديد انتدبته الأمة باقبالها على سهومه (حيث جعل للقراء نصيبا في أسهمه) للمرافعة في قضية مصر بأسلوب علمي ليصبح صوت الدفاع عن مصر حاصلا على كل ما يجعله محترما مسموعا».
وقد لا يعرف الكثير أن الشاب عباس العقاد الذي نزح من مسقط رأسه في أسوان وجاء يبحث عن عمل بالقاهرة قد اختاره الأستاذ وجدي من بين محرريها (بوظيفة محرر متجول) فكان الأستاذ وجدي هو أستاذ العقاد الأول في الصحافة وجريدته هي المدرسة الصحفية الأولى التي تخرج فيها العقاد واستمع إلى العقاد نفسه، حيث يقول بعد لقائه به أول مرة:
«كنت أراه في طريقي ولا أعرف من هو بين غمار الناس على علمي ببعض آثاره وسماعي ببعض أخباره ومنها قفشات الأدباء (أولاد البلد) إنه يعيش فيما وراء المادة في عطفة من عطفات عالم الروح.
فلما رأيته لأول مرة بعد إعلانه إنشاء صحيفة (الدستور) أسفت لما فاتني من الشعور بتلك الأعجوبة التي كنت أشهدها كما يشهدها غيري من عابري الطريق ولا يشعرون بها »أ هـ.
لقد حاول بجريدته أن يجعل للصحافة طابعا متميزًا كما يفهمها وهو: خدمة المبادئ الكبرى والأهداف التي تعلو فوق الأهداف الحزبية من أجل العالم الإسلامي الواسع. لذلك لم تكن الدستور جريدة حزبية الطابع بحيث لا تدور إلا في فلك الحزب الذي أسسها ولا تتوجه إلا إلى حيث يوجهها.. لم تكن الدستور كذلك (وإن كانت تميل بطبعها ِإلى الحزب الوطني ولكنها اختلفت معه فيما بعد)، ولم تكن تخدم جهة أو هيئة سياسية معينة وإنما هي صحفية ثقافة وعلم، ولم تكن مقالات مؤسسها تعطي صورة السياسي المحترف بقدر ما تعطي صورته الأصلية:
أي صورة الفيلسوف والمصلح الاجتماعي الذي يشغله بناء فكر الأمة على نحو جديد يقوم على: العلم والدين والوطنية، لذلك كان موقف الرجل وصحيفته عجيبا وغريبا بين الجرائد والصحف في ذلك الوقت، وتحمل في سبيل مبادئه من الاثقال ما تنوء بحمله الجبال. وربما لم يعرف تاريخ الصحافة في مصر كاتبا يؤثر الحق على المنفعة الذائبة مهما كلفه ذلك من تضحيات حتى في أيام العسرة التي مرت بها الجريدة.
وقد وقف الرجل في تلك العسرة مواقف تجعلك تحني الرأس إجلالا لذلك الطود الشامخ من القيم الرفيعة والأخلاق النبيلة.
كان نقيب الأشراف في ذلك الوقت هو السيد توفيق البكري وقد كانت له وجهة نظر تخالف وجهة نظر الخديوي عباس وكان الأستاذ وجدي يرى رأي السيد/ البكري، فكتب في جريدته مؤيدا له مثنيا عليه فأراد البكري أن يكافئه على ذلك فأرسل إليه مساعدة مالية ضخمة لعلمه بالظروف المالية الصعبة التي يمر بها الرجل وجريدته، فما كان منه (أي من الأستاذ وجدي) إلا أن رفض المساعدة رفضا مهذبا مع خطاب يشكر فيه السيد البكري شكرا يمنعه من العودة إلى مثل ذلك التصرف مرة أخرى.
وكان حزب تركيا الفتاة في ذلك الوقت في بداية نشأته وكان في حاجة إلى قلم قوي وكاتب مرموق وصحفي جهير الصوت ليعرف الناس بذلك الحزب بالدعوة إليه والترويج له، وعرض الأمر على الأستاذ وجدي وعيون الحزب في مصر تعرف من هو وجدي، وما هي الظروف التي يمر بها من ديون أثقلت كاهله وتهدد جريدته بالتوقف وجعل الحزب له مرتبًا ضخمًا ينتشله من كارثة هذه الديون ويضمن لجريدته الاستمرار بشرط أن يحذف شعار جريدته الذي اختاره لها وهو:
«لسان حال الجامعة الإسلامية» لأن الجامعة الإسلامية شوكة في حلق حزب تركيا الفتاة وقذى في عينه ووقر في آذانه.
فرفض الرجل رفضا يضع المال تحت أقدام مبادئه وقيمه حتى لو أثقلت كاهله الديون وتوقفت الجريدة.
وبالفعل وقع المحظور وأغلقت الدستور!! ويعلق الأستاذ العقاد الذي رافق الرجل طيلة فترة صدور الدستور من بدايتها عام 1907م حتى إغلاقها عام 1910م.. يعلق على ذلك فيقول:
إن أزمة (أي أزمة الأستاذ وجدي) في مجال الصحافة. إنما كانت أثرا من آثار المبدأ الذي لا ينحرف الرجل عنه قيد شعرة وهو الجهر بالرأي ولو خالف القوة والكثرة وخالف أحب الناس إليه، ولقد كان خلافه مع الحزب الوطني سببا رئيسا في كساد صحيفته فعجز عن النهوض بتكاليفها ولم يقبل أن يعوض الخسارة بمعونة مفروضة من جهات لا تتفق مع عقيدته فأوقفها.
وكأنما كان يعنيه الأستاذ كامل كيلاني رائد أدب الأطفال بقوله:
أبدعت فاحتمل المكاره صابرا *** إن الشقاء الحق أجر المبدع
وتهنأ الفزع المؤرق إنه *** زاد الأبي ولذة المترفع
دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري ـ العشرين الميلادي.
ولا بد من وقفة طويلة بعض الشيء مع ذلك العمل العلمي الضخم الذي قام به رجل من دون معونة أحد إلا الله تعالى. كان توقف جريدة الدستور بالنسبة للأستاذ وجدي نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة في حياته وقد أوفى على الأربعين من العمر، مرحلة يتمثل فيها الصبر الدؤوب المقرون بقوة العزيمة وصلابة الإرادة وشدة التصميم، وعظم التحدي لما أصابه من إخفاق في ميدان الصحافة السياسية اليومية.
لقد عاد الفارس إلى ميدانه الحقيقي والأصيل الذي يصول ويجول فيه بين كر وفر وإقبال وإدبار.
عاد ليواصل جهاده الشاق في البحث والدراسة، عاد ليخرج للناس ثمرات هذا الجهاد شهية في صورة زاد طيب كريم يقدمه للقراء ليسهل عليهم الصعب وييسر العسير ويقرب البعيد ويلين العصي ويظهر الخفي.
فها هو ذا بعد ذلك الجهاد الشاق تسع سنوات دأبا يخرج للناس ما أطلق عليه «دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري – العشرين الميلادي» في عشرة مجلدات ضخمة تتجاوز صفحاتها ثمانية آلاف صفحة!!
وما كاد يبدأ فيها حتى أعلنها في جريدتي «اللواء» «والمؤيد» بأنها «مقتبسة من سبع دوائر معارف إفرنجية ومن مجموعة ثمينة من كتب عربية وفرنسية، تصدر على هيئة أجزاء شهرية الجزء في ثمانين صفحة والاشتراك قيمته ستون قرشًا (60 قرشا مصريًا) عن كل مجلد سنوي ويقبل الثمن مُقسطًا، وكان ذلك الإعلان في أغسطس سنة 1910م.
وقد طبعها أول طبعة في مطبعته التي اشتراها لهذا الغرض النبيل وسماها باسمها.
وهنا يتوقف القلم.. ولا بد أن يتوقف ليسأل الإنسان نفسه:
أي رجل كان ذلك الرجل؟
وأي إيمان بالإسلام والعلم واللغة والوطن يعمر قلبه؟ رجل يراجع سبع دوائر معارف أجنبية كبرى ويستوعب ما فيها من مواد مختلفة ثم يترجم هذه المواد، ويعيد صياغتها عربية إسلامية، وهذا ما يميز دائرته عن غيرها. هذا بالإضافة إلى الكتب العربية والإسلامية الأخرى سواء كانت من كتب التراث أو من الكتب المعاصرة.. كل ذلك الكم الهائل من المعارف يمتصه الرجل ثم يخرجه شرابا حلوا سائغًا لطلاب المعرفة ومحبي الثقافة مع تفاوت أعمارهم واختلاف مشاربهم وتنوع أفكارهم، وتعدد ثقافاتهم.. وكل يجد فيها طلبته إن شاء الله.
وإلى حلقة قادمة بإذنه تعالى...








كلمات دالة

aak_news