العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

رسائل

ماذا تبقى من إنجازات الانتصار التاريخي للعرب في حرب أكتوبر 1973؟

القاهرة: من محمد رجب

الخميس ٠٦ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



يظل الانتصار الذي حققته القوات المسلحة المصرية والسورية بدعم ومشاركة كبيرة لقوات من عدة دول عربية في حرب السادس من أكتوبر 1973 ليس مجرد انتصار عسكري، بل تحول سياسي واجتماعي بل واقتصادي في الحالة المصرية والعربية أيضا، حيث كان له العديد من التأثيرات والإنجازات التي لا تزال تحمل تساؤلات حول ماذا بقي من حرب أكتوبر التي كانت نقطة حاسمة وفاصلة في الصراع العربي الإسرائيلي.
كان الانتصار بمثابة إعلان واضح لبداية مرحلة جديدة تنطلق منها مصر والعرب لمواكبة الحضارة والتقدم، وذلك لما حققه من نتائج وتأثيرات إيجابية كان من أهمها بحسب ما اتفق عليها الجميع، هو تغير شكل خريطة القوى السياسية الإقليمية والتوازنات الدولية بتقوية موقف المفاوض العربي كمفاوض سياسي قوي يملك أوراق ضغط، تمكن من خلالها تحقيق مكاسب سياسية.
وعلى المستوى العسكري حقق هذا الانتصار الكبير التوازن العسكري مع إسرائيل، وتحقيق قوة الردع العربي، وتحطيم نظرية الأمن الإسرائيلي ووقف الأطماع التوسعية الاستيطانية الإسرائيلية، بالإضافة إلى استعادة المقاتل المصري والعربي كرامته العسكرية، كذلك التأثيرات الاجتماعية، والمتمثلة في تحرير المواطن المصري والعربي من سلبيات وإحباط الهزيمة وبث روح الانتصار والإيجابية بداخله، حيث قلت معدلات الجريمة إلى أقل مستوياتها في تلك الفترة، وعمل المجتمع على قلب رجل واحد لتحقيق النصر وتحرير الأرض المحتلة، وعلى خلاف كل ذلك، كان الإنجاز الأكبر لحرب أكتوبر هو تحقيق جدوى واضحة لمعنى قيام وحدة عربية حقيقية وتكامل فيما بين الدول العربية، وهو ما تلاشى مع المتغيرات، ولم يبق منه إلا القليل.
وقد ذكر المشير محمد عبدالغني الجمسي، وزير الحربية المصري الأسبق ورئيس هيئة العمليات خلال حرب أكتوبر، في مذكراته أن أهم ما بقي من حرب أكتوبر هو احترام العالم كله للعسكرية المصرية، والتي حققت إعجازا بكل المقاييس لخبراء الحروب، وامتد هذا الاحترام ليشمل الجندي المصري الذي ضرب بشجاعته وإقدامه مثالا لقدرة الإنسان العربي على مواجهة التحديات في اللحظات التاريخية الفاصلة، كذلك بقي أيضا حطام الطائرات والدبابات الإسرائيلية، وهي دليل على كذب ادعاءات إسرائيل بأنها القوة ذات الذراع الطويلة، و«الجيش الذي لا يقهر».
وأضاف الجمسي: تقلصت أحلام إسرائيل الوهمية من إقامة دولتهم من النيل للفرات، بعدما أدركوا صعوبة تحقيق هذا الحلم الاستيطاني، ولعل هذا ما دفعهم إلى قبول التفاوض السلمي، والذي ما كان ليقبلونه قبل حرب أكتوبر، كما كشف الانتصار عن طبيعة العلاقات الإسرائيلية الأمريكية الوثيقة، حيث لا مجال لتحقيق السلام العادل ما لم تضغط واشنطن على الجانب الإسرائيلي، مؤكدا أنه لا يمكن أن نعدد إيجابيات حرب أكتوبر وآثارها الممتدة، ويمكنني فقط أن أقول إن ما بقي هو الإنسان المصري الذي تجاوز المستحيل وأبهر العالم.
من جانبه، يؤكد اللواء عبدالمنعم سعيد، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة الأسبق، أن أهم ما حققته هذه الحرب هو تحطيم نظرية الأمن الإسرائيلي ووقف الأطماع التوسعية الاستيطانية الإسرائيلية، مما أدى إلى التوجه نحو السلام، فكان السلام والتنمية أهم ما بقي من حرب أكتوبر، والتي أحدثت تعديلا متوازنا في القوى، بعد أن كان مختلا لصالح إسرائيل، والتي وجدت نفسها بكل ما تملكه من تفوق عسكري لا تستطيع تحقيق نظريتها في الأمن، لافتا إلى أن التلاحم العربي جعل العالم ينظر للعرب كقوة مؤثرة لا يمكن تجاهلها، وقادرة على إحداث التغيير.
ويشير سعيد إلى أن حرب أكتوبر هي الحرب النظامية الأساسية التي أحرزت فيها مصر والعرب انتصارا عسكريا على إسرائيل، لذا فهي تحتل مكانة خاصة جدا في الذاكرة العربية رغم مرور ثلاثة وأربعين عاما على ذكراها، موضِحًا أن التنسيق العربي والتعاون العسكري لدعم دول المواجهة «مصر وسوريا»، إضافة إلى استخدام سلاح البترول والدعم السياسي العربي غير المحدود، وأداء المقاتل المصري الإبداعي المبتكر، كانوا أهم أسباب الانتصار وكذلك نتائجه، والتي ساهمت في تغيير كبير في خريطة منطقة الشرق الأوسط، بجانب إتاحة الفرصة لمصر لبدء برامج التنمية التي تعطلت طوال فترات الحرب، ونفس الشيء بالنسبة للعديد من الدول العربية الأخرى، مؤكدا أنه لولا حرب أكتوبر والعبور إلى سيناء، ما أمكن التحرك نحو الحلول السلمية، أو الحديث عن أي استقرار بالمنطقة، كما أن الحرب أعطت للسياسة المصرية ثقلا دوليا في جميع المحافل الدولية ولدى الرأي العام العالمي.
فيما يقول د. السيد عليوة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان: حرب أكتوبر غيرت مناخ الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر، فعلى المستوى الاقتصادي تم الاتجاه إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي، وما تبع ذلك من مشروعات عملاقة في جميع أنحاء مصر بما فيها سيناء، كذلك إعادة افتتاح قناة السويس أمام الملاحة الدولية لتصبح من أهم موارد الدخل القومي المصري والشريان الحيوي لنقل التجارة العربية والبترول من وإلى العالم، وأيضا النهضة التي حققتها مصر في مجال البنية الأساسية، وغيرها من الدلائل والنتائج التي كان يستحيل تحقيقها قبل قيام الحرب واسترداد سيناء، فانتصار أكتوبر كان البداية الحقيقية لتغير النظام الاقتصادي المصري بالمواكبة لما يحدث في العالم، والذي تشكلت ملامحه من خلال اتفاقيات تحرير التجارة والنقد وتفعيل دور القطاع الخاص المصري والعربي، ثم رأس المال الأجنبي والانفتاح على أسواق العالم، والتكنولوجيا المتقدمة، وثورة المعلومات، وكل هذه التطورات كان من الممكن حدوثها لو استمرت حالة اقتصاد الحرب على حالها قبل النصر، ثم مفاوضات السلام وتفرغ القيادة المصرية بدرجة كبيرة لمشروعات التنمية.
ويضيف عليوة: انتصار أكتوبر شكّل بداية تطور جديد للتكنولوجيا العسكرية، والتي وصلت فيما بعد إلى درجة متقدمة جدا من الناحية العسكرية، أرست قاعدة بالغة الأهمية لخوض الحروب وهي: «أن النصر يمكن تحقيقه بمعرفة كيفية الاستفادة من الإمكانيات المتاحة، وليس بالضرورة الإمكانيات اللازمة»، وهذا ما أدى إلى إعادة النظر في الفكر العسكري العالمي من جديد، بعدما تأكد للعالم أن الإبداع الشخصي للمقاتل يتفوق على إمكانيات السلاح، لافتا إلى أنه من نتائج حرب أكتوبر هي إدراك العالم للعرب كقوة سياسية واقتصادية تمتلك سلاحا استراتيجيا شديد الخطورة والفعالية وهو البترول، حيث تغيّرت السياسة الدولية باتجاه المنطقة العربية وفق هذا المنظور، وأصبحت هناك مجالات أكبر للتعاون والحوار السلمي بين أطراف الصراع العربي الإسرائيلي من منطلق قوة عربية، ولكنه الحوار الذي تشوبه مخاوف كثيرة تدفع الجميع إلى مزيد من سباقات التسلح تحسبا لقيام حرب جديدة.
أما د. كريمة الحفناوي، الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، فترى أن الكثير من الإنجازات والإيجابيات التي حققها نصر أكتوبر، قد تلاشت في ضوء التطورات السلبية التي حدثت في أعقاب الانتصار والفترات التي تلتها، فعلى المستوى العسكري أصبح الجيش يعتمد فقط على السلاح الأمريكي، وذلك خاصة بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، والتي كان لها تأثيرها في تفتيت الوحدة العربية التي حدثت إبان الحرب، كما أنها أضعفت مصر سياسيا، كذلك تراجعت قوتها الناعمة وأصبحت تعتمد على التحالف مع الولايات المتحدة.
وتابعت: على المستوى الاجتماعي تلاشت الروح الإيجابية التي كانت سارية في المجتمع عقب الانتصار، والتي كانت تدفع بالمواطنين إلى العمل من أجل المصلحة العامة، حيث جاء الانفتاح والرغبة في الاستفادة من هذا التغيير بتحقيق الأرباح وجني الأموال، كذلك عاد للمواطن البسيط والذي كان العامل الرئيسي في نصر أكتوبر شعوره بالإحباط نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتعدي على حقوقه، وعدم الاكتراث له في ظل نظام رأسمالي اعتمدته الدولة، وكان له تأثيراته الاجتماعية والسياسية التي راح ضحيتها المواطن البسيط، ومكتسبات انتصار أكتوبر المجيد.








كلمات دالة

aak_news