العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

.. وهل توجد في الغرب ذئاب نباتية؟




لا شك أن تقرير شيلكوت الضخم والمنتظر الذي نشر مؤخرا والذي يتكون من مليوني كلمة يمثل شهادة مهمة ودليلا دامغا على الهفوة الجسيمة التي ارتكبتها الحكومة البريطانية آنذاك عندما أقدمت على غزو العراق مع القوات الأمريكية.
مع الأسف، فإن هذا التقرير، مع قيمة المعلومات والحقائق التي تضمنها، لن يغير أي شيء من واقع أكثر من مليون عراقي أزهقت أرواحهم، فضلا عن أولئك الذين شُرِّدوا من منازلهم والذين يتراوح عددهم ما بين أربعة وخمسة ملايين نسمة.. بل إن الأوضاع الأمنية التي يعيشها العراقيون اليوم أصبحت أسوأ بكثير مما كان عليه الأمر في عهد حكم صدام حسين؛ ذلك أن اقتصاد البلاد قد دُمِّر وبات في حالة يُرثى لها.
لقد ارتكبت كل تلك الجرائم الشنيعة تحت ذريعة وجود «أسلحة الدمار الشامل» التي لم يعثر على أي أثر لها أو يثبت لها أي وجود بالدليل القاطع.
ما العمل الآن إذن؟ هل ستلاحق يد العدالة البريطانية أولئك المجرمين الذين ارتكبوا تلك الجرائم الشنيعة وتقدمهم للمحاكمة حتى تقول فيهم العدالة كلمتها الفصل؟ تضم قائمة هؤلاء المجرمين كثيرا من أعضاء الحكومة السابقة التي كان يرأسها توني بلير، إضافة -طبعا- إلى زعيمهم الأكبر المجرم توني بلير نفسه! أم هل أن العدالة البريطانية ستكون وفية للتقاليد الغربية وتعتبر أن ما حدث مجرد مأساة تدرج في كتب التاريخ وتُطوى صفحتها؟
قبل أيام قليلة نشرت صحيفة الجارديان مقالا اعتبرت فيه لويس كيتل أن المنطق الذي قاد إلى الحرب في العراق كان قائما على التهديد الذي كانت تمثله أسلحة صدام حسين للدمار الشامل على المصالح القومية للمملكة المتحدة. لقد فاتها هناك أن الخطر الأكبر للانتشار النووي والصاروخي في الفترة ما بين سنتي 2001 و2002 لم يكن مأتاه العراق، بل مكانا آخر.
كان السير وليام إيهرمان يشغل منصب مدير الأمن الدولي في وزارة الخارجية البريطانية آنذاك، وقد قال للمحققين إن البرامج النووية في ليبيا وإيران وكوريا الشمالية «بدأت تنضج»، وربما قد تشكل مصدرا للقلق أكثر من العراق. لقد تجاهلت حكومة توني بلير ذلك الكلام ولم تعره أي أهمية على الإطلاق.
لقد استغرق التحقيق سبعة أعوام كاملة، وتطلب أكثر من عشرة ملايين جنيه إسترليني، إذ عكف المحللون طوال تلك المدة على التعمق في «أكبر وأخطر حدث في التاريخ البريطاني الحديث من حيث عواقبه الوخيمة».
ولا شك أيضا أن الحقائق والاستنتاجات التي خلُص إليها التقرير بالغة الأهمية، ويجب بالتالي أن تناقش بكل عمق وتركيز، غير أن ذلك لم يحدث في مجلس العموم؛ فلدى افتتاحه النقاشات التي ركزت على مدى يومين على نتائج تقرير شيلكوت قال السيد وزير الخزانة فيليب هاموند: «أعتقد أن أنظار العالم غير مركزة بقوة على أعمالنا ونقاشاتنا، خلافا لما قد يكون متوقعا». من المؤسف حقا أن قلة فقط من أعضاء مجلس العموم البريطاني قد كلفت نفسها مؤونة حضور تلك النقاشات.
لماذا حدث ذلك، ولماذا هذه اللامبالاة؟ هذا هو السؤال الأهم!
لقد مرت ثلاث عشرة سنة تقريبا حتى الآن على هذه المسألة، علما أن توني بلير قد فعل كل ما في وسعه من أجل تأخير التقرير؛ إذ إنه ظل يحتفظ بجملة من الوثائق المهمة التي تخدم سير التحقيق.
لقد بات العراق اليوم في حالة مزرية، إذ إنه لم يعد فقط مسرحا للفوضى العارمة، بل إن البلاد برمتها أصبحت تخضع للهيمنة الإيرانية، والتي عينت حكومة هي كالدمية، تأتمر بأوامر سلطات طهران ولا تعصي لها أمرا. أصبحت أجهزة الشرطة والمخابرات العراقية بدورها تخضع لسيطرة الحرس الثوري الإيراني وبقية أذنابه.
في الواقع فإن كل تلك المخاوف مما قد يؤول إليه الوضع بعد الغزو العسكري قد تحققت بنسبة مائة بالمائة؛ إذ إن إيران هي التي خرجت أكبر مستفيد من فترة ما بعد الغزو والاحتلال.
لقد اهتزت وتشوهت الصورة التي كانت تميز «وايتهول»، حيث كثير من الوزارات، ورئاسة الحكومة البريطانية في 10 داوننج ستريت، ليس فقط في نظر العراقيين والعرب، بل أيضا في أعين المواطنين البريطانيين أنفسهم، وخاصة أولئك الذين ثكلوا ذويهم وفقدوا أحباءهم في حرب عبثية وغادرة لم تكن ضرورية بالمرة.
لعل ما يثلج القلب أنه لا يزال يوجد رجال شرفاء وقامات كبيرة من بين الدبلوماسيين البريطانيين، على درجة عالية من الكرامة والشرف والإنسانية؛ من أمثال السفير البريطاني الأسبق في أوزبكستان (جريك موراي). قد يجدر بنا أن نُذكِّر أنفسنا بما قاله هذا الرجل ذو القامة الكبيرة في الحوار التلفزيوني الذي أجري معه.
يقول السفير موراي في هذا الحوار: «عملت في صلب وزارة الخارجية البريطانية قبل أن أُعيَّن سفيرًا، وقد عملت في سلك الدبلوماسية مدة عشرين سنة.. لقد كنت دائما أشعر بنخوة وطنية كبيرة باعتباري بريطانيًّا».
«أذكر أني عندما أصبحت سفيرا وركبت أول مرة تلك السيارة الخاصة بي والتي يرفرف في مقدمتها العلم البريطاني باعتباري سفيرا لبلادي.. لقد كانت تلك لحظة أشعرتني بالفخر والنخوة الوطنية».
لم تكد تمر ستة أشهر على تولي منصبي في البلاد التي عينت فيها سفيرا حتى اكتشفت أننا نحن البريطانيين نقوم مع الأمريكيين بشحن أناس ليتم تعذيبهم.. علما أن بعضهم قد قضى نحبه تحت التعذيب. بطبيعة الحال، ومثلما قد تتصورون، فقد تغيرت نظرتي إلى العالم».
كانت تلك المرة الثانية، ولم يكد يمر شهر واحد بعد ذلك حتى كنا نغزو العراق ضد إرادة مجلس الأمن الدولي ومن دون الحصول على قرار دولي من منظمة الأمم المتحدة للدخول في حرب في العراق، علما أننا لو لجأنا إلى مجلس الأمن الدولي للحصول على مثل هذا القرار لكنا قد خسرنا التصويت».
باعتباري سفيرا لبلادي، فقد كنت أطلع على المذكرات الداخلية المتعلقة بالطريقة التي اتخذ بها قرار غزو العراق. وبما أنني كنت أرأس الوحدة التي شكلتها وزارة الخارجية البريطانية المكلفة بمتابعة ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية فإنني أستطيع أن أؤكد اليوم -بل أجزم- أنهم كانوا يعلمون أنه لم تكن توجد أي أسلحة للدمار الشامل.. لم يكن الأمر يتعلق بخطأ بقدر ما يتعلق بكذبة كبيرة بنيت عليها عملية غزو العراق برمتها.
أعتقد أنه لا يمكن أن نفخر اليوم بالمملكة المتحدة.. أعتقد أننا عندما أقدمنا على غزو العراق فإننا فعلنا بمنظمة الأمم المتحدة ما كان قد فعله هتلر وموسوليني بعصبة الأمم من قبل.
أعتقد أن الحقيقة تدفن في جزء كبير منها تحت ركام القصف. ماذا فعلنا بعد ذلك! لقد قمنا بقصف ليبيا من خلال الحلف الأطلنطي، وقد قتلنا 15 ألف شخص، وهي حقيقة لم يقولوها أو يصرحوا بها أبدا على محطة البي بي سي. هل أصبحت ليبيا أفضل حالا بعد أن قصفناها؟ كلا.
عندما كنت أمارس مهامي سفيرا في أوزبكستان اطلعت على العقود الموقعة من شركة «إيمرون».. شركة تسمى «يونيكويل»، ويضم مجلس إدارتها جورج بوش الأب. يتعلق الأمر بأنبوب ضخم لتصدير الغاز، يمتد من أوزبكستان إلى كازاخستان مع المرور عبر الأراضي الأفغانية، وصولا إلى المحيط الهندي. لقد كان ذلك الأنبوب هو السبب الحقيقي وراء نشوب الحرب في أفغانستان».
لقد أجروا محادثات مع كل من حركة طالبان وشركة «يونيكويل»، وذلك لمعرفة ما إذا كانت حركة طالبان ستتولى تأمين أمن ذلك الأنبوب.
أما الشخص الذي تولى إجراء تلك المحادثات فهو السيد حامد قرضاي، مستشار شركة يونيكويل، بعد أن عينه جورج بوش الأب مستشارا، أصبح بعد ذلك رئيسا لأفغانستان، وقد كانت تلك خطتهم البديلة.. أو الخطة «ب»؛ فعندما رفضت حركة طالبان حماية الأنبوب صدر قرار الحرب في أفغانستان.
«لقد كنت على دراية بخبايا الأمور من داخل مواقع السلطة، إذ إن الأمر يتعلق دائما تقريبا بالسيطرة على الموارد. إن الفساد ينخر في كل الزوايا. لقد تعفن النظام برمته.. بل إن الحكومة البريطانية قد تجردت برمتها من كل وازع أخلاقي».
«إنهم لا يبالون بعدد الذين يقتلون في الخارج طالما أن ذلك يخدم مصالحهم، وكل من يصوت بـ«لا» فإنما يصوت في نظرهم من أجل دعم دولة مريضة تمثل خطرا يتهدد العالم برمته، دولة منبوذة ومستعدة للدخول في حرب حتى تصبح قلة من الناس أثرياء».

ترى هل نبكي أم نضحك؟
لا يكف البيروقراطيون في «وايتهول» والمتحدثون الرسميون باسم البيت الأبيض عن الحديث عن حقوق الإنسان أو غياب حقوق الإنسان في منطقتنا أو في العالم الثالث، حتى أنهم يصمون آذاننا بحديثهم ذلك.
لقد خلعوا برقع الحياء عن أنفسهم؛ فهم لا يشعرون بأي خجل أو يفكرون -ولو لحظة واحدة- في الجرائم التي ارتكبوها والضرر الجسيم الذي ألحقوه بالعالم. إنهم لا يعتبرون أنفسهم أبدا معاول الدمار وغربان الموت.. فتراهم لا يكفون عن المتاجرة بمسألة حقوق الإنسان من أجل ابتزاز الدول الصغيرة.
لقد حان الوقت كي تبدأ هذه المنطقة من العالم في التفكير في مصالح دولها وشعوبها؛ حتى لا تظل رهينة لأخطاء الغرب باسم حقوق الإنسان.
لقد انعدمت أبسط معاني الإحساس والإنسانية لدى أولئك الساسة الأمريكيين والبريطانيين الذين يتصرفون بما يخدم مصالحهم بكل أنانية، تماما مثلما كان جنكيز خان أو تيمور لنك يفعلان في الماضي.
اسمحوا لي أن أنهي هذا المقال بهذا القول البليغ المأثور عن الكاتب الإنجليزي وليام إينج، الذي عاش في الفترة ما بين 1860 و1954: «وهل تستطيع الخرفان أن تمرر قوانين تفرض الأكل النباتي، فيما الذئب يأبى ذلك؟».







إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

aak_news