العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

مؤتمر باريس والفشل المتوقع

الجمعة ١٠ يونيو ٢٠١٦ - 03:00




يوم 3 يونيو 2016 طالبت فرنسا المجتمع الدولي بإعادة تركيز اهتمامه على قضايا الشرق الأوسط التي لا تزال عالقة. كانت تلك الرسالة التي انطلقت من باريس تنطوي على بعض المخاوف كما أنها أثارت السؤال التالي: هل نسيت القوى الكبرى في العالم الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين؟
أجاب الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند عن هذا السؤال إجابة نسبية في الخطاب الذي ألقاه في ذلك اليوم حيث إنه قال: إن فرنسا تدعو المجتمع الدولي لتعبئة كل الجهود من أجل العمل على تسوية الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو الصراع الذي يجد نفسه أيضا يدفع ثمن التقلبات والتحولات الإقليمية الكبيرة.
لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية متحمسة لعقد مؤتمر باريس حول الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. في الحقيقية، لا يمكن أن نتوقع أي موقف متحمس من واشنطن في وقت بدأت فيه إدارة الرئيس الحالي باراك أوباما تحزم حقائبها استعدادا للرحيل. مع ذلك فإنّ مستوى اهتمام واشنطن بات يطرح أكثر من سؤال حول دور اللاعب الأمريكي الأساسي في أي مفاوضات للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
لقد فشل وزير الخارجية الحالي جون كيري فشلا ذريعا في دور الوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين في الفترة ما بين سنتي 2013 و2014 شارك جون كيري في مؤتمر باريس بلا روح ولم يقدم أي اقتراح ملموس يليق بدولة عظمى. بل إن جون كيري قد صرح قائلا بأن الولايات المتحدة الأمريكية تنتهج سياسة «ننتظر لنرى ما سيحدث».
تعتبر المبادرة الفرنسية الأولى من نوعها على مدى الأعوام العشرة الماضية. كان من الواضح أن فرنسا عبر هذه المبادرة تريد إعادة إحياء مسار ميت أصلا أملا في إعادة إطلاق المفاوضات التي تفضي إلى إنهاء الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. لم تكن الآمال معلقة على مؤتمر باريس في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة والتملص الأمريكي الواضح من دورها في الاستئثار بملف الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين.
اعتبر الرئيس فرنسوا هولاند أن ما أسماه «خيار السلام الشجاع» يعود إلى الإسرائيليين والفلسطنيين فيما قال وزير خارجيته جون مارك إيرو أن الحوار المباشر بين إسرائيل والفلسطينيين «لم يحقق شيئا».
ما هي إذا أسباب هذا التوقف أو التعطل؟ لاشك أن فرنسا كانت تعي جيدا الشكوك الكبيرة التي كانت تحف بمبادرتها وخاصة في إسرائيل التي لم تبد أي تجاوب معها ووجهت لها انتقادات كبيرة كما أبدت الدولة العبرية معارضتها الشديدة لأي مقاربة متعددة الأطراف لهذا الملف الأمر الذي جعل المبادرة الفرنسية تولد في الحقيقة ميتة.

قبل أسبوعين، وخلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الفرنسي جون مارك إيرو إلى إسرائيل، طعن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علنا في حياد الموقف الفرنسي من الصراع مع الفلسطينيين. أما المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية دوري جولد فقد صرح عشية انعقاد مؤتمر باريس بأن هذه المبادرة قد فشلت حتى من قبل أن تبدأ.
الأسباب بسيطة وواضحة بطبيعة الحال، فالدولة العبرية ترفض دائما أي مقاربة دولية متعددة الأطراف وهي تطالب دائما بالمفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين، بعيدا عن أي دور أوروبي أو فرنسي بالتحديد.
لابد أن نؤكد منذ البداية أن هذه المؤتمرات الدولية المتعددة حول ملف الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين كان دائما مآلها الفشل الذريع ولم تحقق حتى الآن أي شيء يذكر، وهو ما يحفظه لنا التاريخ.
في سنة 1993 أُبرمت اتفاقيات أوسلو غير أنها ظلت حبرا على ورق. في سنة 1998 تم التوقيع على اتفاقيات واي بلانتيشن التي تنص على انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية غير أن شيئا من ذلك لم يحدث إطلاقا. في سنة 2002 جاءت مبادرة السلام العربية التي أطلقت في القمة العربية التي عقدت في بيروت بلبنان وهي تنص على تطبيع العلاقات مع إسرائيل في إطار خطة سلام شاملة في مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة. بقيت مبادرة السلام العربية حبيسة الأدراج. في سنة 2002 أعلن عن تشكيل اللجنة الرباعية الدولية التي ترأسها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير والتي فشلت فشلا ذريعا ولم تؤد مهمتها في التوسط في مسار السلام.
في سنة 2007 عقد مؤتمر أنابوليس الذي أضفى للمرة الأولى الطابع الرسمي على مسألة حل الدولتين من أجل تسوية الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين غير أن خريطة الطريق الخاصة بتنفيذ هذه الصيغة ضاعت بدورها في الطريق.
كان الفشل الذريع أيضا مآل المفاوضات الثنائية التي جرت خلال السنوات الماضية بين إسرائيل والفلسطينيين، وكانت آخرها تلك المفاوضات التي أشرف عليها وزير الخارجية الأمريكية الحالي جون كيري التي انتهت سنة 2014 إلى الفشل الذريع بدورها. في سنة 2016 تغيب الإسرائيليون والفلسطينيون عن مؤتمر باريس ولم توجه لهم الدعوة. فقد كان الهدف الأساسي من المؤتمر إعادة تأكيد موقف المجتمع الدولي الداعم لحل الدولتين، باعتبارها الصيغة الوحيدة الممكنة لتسوية الصراع الزمني بين إسرائيل والفلسطينيين والذي يوشك أن يدرك عامه السبعين.
قبل مائة عام من الآن أبرمت اتفاقية سايكس بيكو بتاريخ 16 مايو 1916 على وجه التحديد في كنف السرية التامة ما بين فرنسا وبريطانيا وقد كان الهدف من تلك الصفقة تمزيق أوصال الإمبراطورية العثمانية حيث أنها نصت على تقاسم الشرق الأوسط ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وتحويله إلى مناطق نفوذ لحساب القوتين الاستعماريتين. بعد مرور قرن من الزمن تتضح اليوم العواقب الوخيمة الناجمة عن اتفاقية سايكس بيكو في هذا الصراع الذي لم يجد حتى الآن طريقه إلى الحل الدائم.
كان الهدف من وراء عقد مؤتمر باريس تشكيل مجموعات عمل تركز على مواضيع محددة مثل الحوافز الاقتصادية اللازمة للتشجيع على الجنوح إلى السلام وإنهاء الصراع التاريخي المزمن إضافة إلى تحديد الخطوات اللازمة للتخفيف من حدة التصعيد والاتفاق على الضمانات الأمنية وذلك تمهيدا للدعوة إلى مؤتمر للسلام بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بنهاية السنة الجارية. تعيش المنطقة حالة من عدم الاستقرار وهي الحالة التي أفرزت كوارث حقيقية في عديد من البلدان العربية، علما وأن الشرق الأوسط ظل بطبيعته يعاني من حالة مزمنة من عدم الاستقرار. في ظل هذا الوضع الإقليمي الهش والمأزوم استغلت الجمعيات المتطرفة حالة الفراغ الشديدة لتحقق مكاسب عدة – على غرار ذلك التمدد الذي حققه تنظيم «داعش» في سوريا والعراق وغيرها.
في يوم 3 يونيو 2016 احتضنت باريس مؤتمرا حضره ثلاثون من وزراء الخارجية الغربية والعربية إضافة إلى منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وقد كان يرمي أساسا إلى إعادة تعبئة الجهود حول الملف الذي وصل إلى طريق مسدودة وبات يعاني من التهميش الذي وضعه في مرتبة ثانوية وخاصة من اندلاع ما يسمى بـ«الربيع العربي» ونشوب الصراعات الإقليمية.
تحاول فرنسا أن تطلق مسارا للعمل الدولي وإقناع الإسرائيليين والفلسطينيين باستئناف المفاوضات بنهاية سنة 2016، غير أن الاحتلال الاستيطاني سيظل يمثل العقبة الرئيسية التي تعيق التوصل إلى تسوية دائمة.
مع كل يوم يمر يتمدد الإخطبوط الاستيطاني ويبتلع المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية الأمر الذي يقلص من فرص وواقعية تطبيق صيغة حل الدولتين والتي تعتبر المخرج الوحيد الممكن لتسوية هذا الصراع المزمن الذي يعتبر في الوقت الحالي الأقدم في العالم.
باعتبارها قوة استعمارية بائدة فإنّ فرنسا تحاول اليوم أن تلعب دورا تؤثر من خلاله في الأحداث الإقليمية. لم توجه سلطات باريس الدعوة للإسرائيليين خوفا من أن يقوضوا أي توصيات قد تصدر عن مؤتمر باريس.
لم يكن البيان الختامي الذي صدر عن مؤتمر باريس 2016 في مستوى التطلعات. ففي ظلة استقالة الدبلوماسية الكرية والعودة الروسية القوية في إدارة ملف الأزمة السورية لم تجد سلطات باريس أي دعم يذكر من واشنطن أو موسكو من أجل إنجاح المؤتمر.
لم تحصل فرنسا أيضا على تأييد أي من العواصم الغربية، وخاصة سلطات لندن. قامت سلطات باريس في الآونة الأخيرة بتسليم سفينة ميسترال الحاملة للطائرات المروحية إلى مصر وهي تريد أن تعطي دفعة قوية لدبلوماسيتها في منطقة الشرق الأوسط.
كان يفترض في البداية أن تسلم السفينة غير أنها تحولت بعد ذلك إلى رمز للخلافات المتصاعدة ما بين باريس وموسكو بشأن الأزمة الأوكرانية وجدت فرنسا نفسها تتعامل بمفردها خلال العامين الماضيين مع الدول العربية غير أن دور الوساطة الذي تطمح أن تلعبه في منطقة الشرق الأوسط يصطدم برفض إسرائيلي قاطع.
حذرت ممثلة السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، فريدريكا موغريني، من الانهيار الشامل لمسار السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. لقد شددت أيضا على دور أوروبا في إعادة إطلاق المفاوضات. لكن بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتنياهو ووزير دفاعه الجديد أفيغدور ليبيرمان فإنّ انهيار مسار السلام يعتبر استمرار الوضع الراهن بوسائل جديدة.
في ظل الفوضى الإقليمية التي تسود المنطقة تجد روسيا والولايات المتحدة الأمريكية صعوبة كبيرة في الانسحاب من المياه الراكدة في منطقة الشرق الأوسط. في الوقت الراهن تتمثل الأولوية في التركيز على الملف السوري. تضع سلطات موسكو وواشنطن المسألة الفلسطينية في المرتبة الثانية وهي قد تنتظر بعض الشيء. هذه هي السياسة الأمريكية الشهيرة التي رسمها سلايت ديلاي.
مثلما كان منتظرا فقد جاء البيان الختامي الذي انبثق عن المؤتمر مخيبا للآمال. قال وزير الخارجية الفرنسي جون مارك إيرو في هذا الصدد عقب نهاية المؤتمر: «إن آفاق قيام دولتين إسرائيلية وفلسطينية في مرحلة خطيرة كما أن الوضع بات قريبا من نقطة اللا عودة».
تعتبر فرنسا أنه يتعين اليوم التحرك بسرعة من أجل الحفاظ على إمكانية صيغة حل الدولتين وإنعاشها قبل فوات الأوان. بعد مرور قرن من الزمن على اتفاق سايكس بيكو والثورة العربية الكبرى، تظهر قراءة التحولات والاضطرابات الإقليمية الراهنة منذ فشل ما يسمى «الربيع العربي» سنة 2001 أن الوقت قد تأخر فعلا.
هافنجتون بوست




كلمات دالة

aak_news