العدد : ١٧٧٣٦ - الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٦ - الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حين يتحول الموقف الطارئ إلى درس في الإنسانية

بقلم: نجاة بنت علي شويطر

الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

مواقف‭ ‬عابرة‭ ‬قد‭ ‬تنتهي‭ ‬في‭ ‬دقائق،‭ ‬لكنها‭ ‬تترك‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬أثرا‭ ‬يبقى‭ ‬طويلاً،‭ ‬ومن‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬عشتها‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬دبي،‭ ‬اكتشفت‭ ‬بعد‭ ‬وصولي‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭ ‬وإنهاء‭ ‬جميع‭ ‬إجراءات‭ ‬السفر‭ ‬وفي‭ ‬طريقي‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬الطائرة‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬هاتفي‭ ‬النقال‭ ‬في‭ ‬حقيبتي‭ ‬وبعد‭ ‬البحث‭ ‬والتقصي‭ ‬تبين‭ ‬أني‭ ‬نسيت‭ ‬الهاتف‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬عائلتي‭ ‬في‭ ‬دبي‭.  ‬

كانت‭ ‬لحظة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬والارتباك،‭ ‬فالهاتف‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للاتصال،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يحمل‭ ‬تفاصيل‭ ‬كثيرة‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬المسافر،‭ ‬من‭ ‬أرقام‭ ‬وبيانات‭ ‬ووسائل‭ ‬تواصل‭ ‬ومعلومات‭ ‬مهمة‭ .‬

وبمجرد‭ ‬أن‭ ‬اكتشفت‭ ‬فقدان‭ ‬الهاتف،‭ ‬وبعد‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬أهلي،‭ ‬بدأت‭ ‬رحلة‭ ‬التصرف‭ ‬السريع،‭ ‬تم‭ ‬إبلاغ‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬أمن‭ ‬المطار،‭ ‬الطيران‭ ‬المدني‭ ‬وطيران‭ ‬الخليج‭ .‬

وهنا‭ ‬بدأت‭ ‬صفحة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬القصة‭ ...‬صفحة‭ ‬عنوانها‭ ‬التعاون،‭ ‬والإنسانية،‭ ‬وحسن‭ ‬التعامل‭ ‬الراقي‭.‬

فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الموقف‭ ‬مجرد‭ ‬مشكلة‭ ‬تواجه‭ ‬مسافراً‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬الإقلاع،‭ ‬وجدت‭ ‬أمامي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬الذين‭ ‬تعاملوا‭ ‬معي‭ ‬بكل‭ ‬هدوء‭ ‬واحترام‭ ‬وذوق،‭ ‬وبذلوا‭ ‬جهداً‭ ‬واضحا‭ ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬الحل‭ .‬

لم‭ ‬أشعر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭ ‬أنني‭ ‬أواجه‭ ‬المشكلة‭ ‬وحدي؛‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يستمع،‭ ‬ومن‭ ‬يتابع،‭ ‬ومن‭ ‬يحاول‭ ‬إيجاد‭ ‬الطريقة‭ ‬المناسبة‭ ‬لإيصال‭ ‬الهاتف‭ ‬إليّ‭ ‬في‭ ‬أسرع‭ ‬وقت‭ ‬ممكن‭.‬

وبفضل‭ ‬الله‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬بفضل‭ ‬تعاون‭ ‬الجميع،‭ ‬وصل‭ ‬هاتفي‭ ‬عند‭ ‬بوابة‭ ‬الطائرة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قياسية‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ساعة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ .‬

قد‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬للبعض‭ ‬مجرد‭ ‬هاتف‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬صاحبه،‭ ‬لكنه‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير‭ .‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬جعلتني‭ ‬أتوقف‭ ‬عند‭ ‬قيمة‭ ‬مهمة‭ ‬نفتقدها‭ ‬أحياناً‭ ‬وسط‭ ‬سرعة‭ ‬الحياة‭ ‬وكثرة‭ ‬المسؤوليات،‭ ‬قيمة‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬الإنسان‭ ‬عمله‭ ‬بإخلاص،‭ ‬وأن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬حاجة‭ ‬الآخرين‭ ‬باهتمام‭ ‬واحترام‭ .‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬أجد‭ ‬لزاما‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أسجل‭ ‬كلمة‭ ‬شكر‭ ‬وعرفان‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬بدءا‭ ‬بعائلتي‭ ‬الغالية‭ ‬أهل‭ ‬الإمارات‭ ‬الكرام‭ ‬الذين‭ ‬أوصلوا‭ ‬هاتفي‭ ‬بأسرع‭ ‬وقت‭ ‬إلى‭ ‬المطار،‭ ‬ولكل‭ ‬موظف‭ ‬كان‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السلسة‭ ‬الجميلة‭ ‬من‭ ‬التعاون،‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬المطار،‭ ‬والطيران‭ ‬المدني،‭ ‬وفريق‭ ‬طيران‭ ‬الخليج،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬قدم‭ ‬لي‭ ‬المساعدة‭ ‬أو‭ ‬تابع‭ ‬الموضوع‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬الهاتف‭ ‬بيدي‭ .‬

شكراً‭ ‬لكم‭ ‬من‭ ‬القلب،‭ ‬شكرًا‭ ‬على‭ ‬تعاونكم،‭ ‬وعلى‭ ‬أخلاقكم،‭ ‬وعلى‭ ‬هدوئكم،‭ ‬وعلى‭ ‬شعوركم‭ ‬بموقف‭ ‬مسافرة‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭ ‬لحظات‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬قبل‭ ‬موعد‭ ‬الرحلة‭.‬

إن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تقدمه‭ ‬من‭ ‬خدمات‭ ‬وإجراءات،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬بطريقة‭ ‬تعامل‭ ‬العاملين‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬أمامهم‭ ‬لحظة‭ ‬حاجة‭ .‬

وقد‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬بدرس‭ ‬آخر‭ ‬أود‭ ‬أن‭ ‬أنقله‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬مسافر‭:‬

لا‭ ‬تجعلوا‭ ‬الاستعداد‭ ‬للسفر‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬حجز‭ ‬تذكرة‭ ‬السفر،‭ ‬وتجهيز‭ ‬الحقائب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬قبل‭ ‬مغادرة‭ ‬المنزل،‭ ‬راجعوا‭ ‬جوازات‭ ‬السفر،‭ ‬والهاتف،‭ ‬وبطاقات‭ ‬الائتمان،‭ ‬والمحفظة،‭ ‬وأوراق‭ ‬السفر،‭ ‬والأدوية،‭ ‬وأي‭ ‬مقتنيات‭ ‬شخصية‭ ‬مهمة،‭ ‬ومن‭ ‬الأفضل‭ ‬إعداد‭ ‬قائمة‭ ‬مختصرة‭ ‬بالأشياء‭ ‬الأساسية‭ ‬ومراجعتها‭ ‬قبل‭ ‬مغادرة‭ ‬المنزل،‭ ‬ثم‭ ‬التأكد‭ ‬منها‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬قبل‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬الطائرة‭ .‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الوصول‭ ‬المبكر‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭ ‬يمنح‭ ‬المسافر‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬ظرف‭ ‬طارئ‭ ‬قد‭ ‬يحدث،‭ ‬ويمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬للتصرف‭ ‬بهدوء‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الوقت‭.‬

أما‭ ‬أنا،‭ ‬فسأحرص‭ ‬بعد‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬أنسى‭ ‬هاتفي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬لكنني،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬لن‭ ‬أنسى‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬دبي‭ .‬

لن‭ ‬أنسى‭ ‬أنني‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬قلق‭ ‬وجدت‭ ‬تعاوناً،‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬ارتباك‭ ‬وجدت‭ ‬من‭ ‬يساعدني،‭ ‬وفي‭ ‬موقف‭ ‬بسيط‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬الأخلاق‭ ‬الجميلة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬فرقاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ .‬

فالهاتف‭ ‬عاد‭ ‬إليّ‭ ‬خلال‭ ‬ساعة‭...‬لكن‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬تقدير‭ ‬وامتنان‭ ‬سيبقى‭ ‬أطول‭ ‬بكثير‭.‬

كل‭ ‬الشكر‭ ‬والتقدير‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬الأستاذ‭ ‬أحمد‭ ‬عبدالباقي‭ ‬ضابط‭ ‬مناوب‭ ‬مبنى‭ ‬1،‭ ‬ملازم‭ ‬أول‭ ‬بدر‭ ‬المازمي‭ ‬شرطة‭ ‬مطار‭ ‬دبي،‭ ‬الأستاذ‭ ‬أحمد‭ ‬مصطفى‭ ‬مدير‭ ‬طيران‭ ‬الخليج‭ ‬محطة‭ ‬دبي،‭ ‬وكل‭ ‬الاحترام‭ ‬والتقدير‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬عمله‭ ‬رسالة،‭ ‬ومن‭ ‬خدمة‭ ‬الآخرين‭ ‬قيمة،‭ ‬ومن‭ ‬الأخلاق‭ ‬عنوانًا‭ ‬له‭ .  ‬

فبعض‭ ‬الأشياء‭ ‬قد‭ ‬ننسى‭ ‬أين‭ ‬وضعناها‭...‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬ننسى‭ ‬أبدًا‭ ‬من‭ ‬وقف‭ ‬معنا‭ ‬عندما‭ ‬احتجنا‭ ‬إليه‭. ‬

nshowaiter@gmail‭.‬com‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا