مواقف عابرة قد تنتهي في دقائق، لكنها تترك في النفس أثرا يبقى طويلاً، ومن المواقف التي عشتها في مطار دبي، اكتشفت بعد وصولي إلى المطار وإنهاء جميع إجراءات السفر وفي طريقي إلى بوابة الطائرة عدم وجود هاتفي النقال في حقيبتي وبعد البحث والتقصي تبين أني نسيت الهاتف في منزل عائلتي في دبي.
كانت لحظة لا تخلو من القلق والارتباك، فالهاتف اليوم لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبح يحمل تفاصيل كثيرة يحتاج إليها المسافر، من أرقام وبيانات ووسائل تواصل ومعلومات مهمة .
وبمجرد أن اكتشفت فقدان الهاتف، وبعد التأكد من وجوده في منزل أهلي، بدأت رحلة التصرف السريع، تم إبلاغ الجهات المعنية، ومن بينها أمن المطار، الطيران المدني وطيران الخليج .
وهنا بدأت صفحة أخرى من القصة ...صفحة عنوانها التعاون، والإنسانية، وحسن التعامل الراقي.
فبدلاً من أن يكون الموقف مجرد مشكلة تواجه مسافراً في اللحظات الأخيرة قبل الإقلاع، وجدت أمامي مجموعة من الموظفين الذين تعاملوا معي بكل هدوء واحترام وذوق، وبذلوا جهداً واضحا للمساعدة في إيجاد الحل .
لم أشعر في أي لحظة أنني أواجه المشكلة وحدي؛ فقد كان هناك من يستمع، ومن يتابع، ومن يحاول إيجاد الطريقة المناسبة لإيصال الهاتف إليّ في أسرع وقت ممكن.
وبفضل الله أولاً، ثم بفضل تعاون الجميع، وصل هاتفي عند بوابة الطائرة خلال فترة قياسية أقل من ساعة واحدة فقط .
قد يبدو الأمر للبعض مجرد هاتف وصل إلى صاحبه، لكنه بالنسبة إلي كان أكثر من ذلك بكثير .
لقد كانت تجربة إنسانية جعلتني أتوقف عند قيمة مهمة نفتقدها أحياناً وسط سرعة الحياة وكثرة المسؤوليات، قيمة أن يؤدي الإنسان عمله بإخلاص، وأن يتعامل مع حاجة الآخرين باهتمام واحترام .
من هنا، أجد لزاما عليّ أن أسجل كلمة شكر وعرفان لكل من ساهم في حل هذا الموقف بدءا بعائلتي الغالية أهل الإمارات الكرام الذين أوصلوا هاتفي بأسرع وقت إلى المطار، ولكل موظف كان جزءاً من هذه السلسة الجميلة من التعاون، من أمن المطار، والطيران المدني، وفريق طيران الخليج، وكل من قدم لي المساعدة أو تابع الموضوع حتى وصل الهاتف بيدي .
شكراً لكم من القلب، شكرًا على تعاونكم، وعلى أخلاقكم، وعلى هدوئكم، وعلى شعوركم بموقف مسافرة كانت تعيش لحظات من القلق قبل موعد الرحلة.
إن مثل هذه المواقف تؤكد أن المؤسسات لا تقاس فقط بما تقدمه من خدمات وإجراءات، وإنما أيضاً بطريقة تعامل العاملين فيها مع الإنسان الذي يقف أمامهم لحظة حاجة .
وقد خرجت من هذه التجربة بدرس آخر أود أن أنقله إلى كل مسافر:
لا تجعلوا الاستعداد للسفر يقتصر على حجز تذكرة السفر، وتجهيز الحقائب فقط، بل قبل مغادرة المنزل، راجعوا جوازات السفر، والهاتف، وبطاقات الائتمان، والمحفظة، وأوراق السفر، والأدوية، وأي مقتنيات شخصية مهمة، ومن الأفضل إعداد قائمة مختصرة بالأشياء الأساسية ومراجعتها قبل مغادرة المنزل، ثم التأكد منها مرة أخرى قبل التوجه إلى بوابة الطائرة .
كما أن الوصول المبكر إلى المطار يمنح المسافر مساحة أكبر للتعامل مع أي ظرف طارئ قد يحدث، ويمنحه فرصة للتصرف بهدوء بدلًا من الوقوع تحت ضغط الوقت.
أما أنا، فسأحرص بعد اليوم على ألا أنسى هاتفي مرة أخرى، لكنني، في المقابل، لن أنسى ما حدث في مطار دبي .
لن أنسى أنني في لحظة قلق وجدت تعاوناً، وفي لحظة ارتباك وجدت من يساعدني، وفي موقف بسيط اكتشفت أن الأخلاق الجميلة لا تزال قادرة على أن تصنع فرقاً كبيراً في حياة الإنسان .
فالهاتف عاد إليّ خلال ساعة...لكن ما تركه هذا الموقف في نفسي من تقدير وامتنان سيبقى أطول بكثير.
كل الشكر والتقدير لكل من ساهم في هذه التجربة الأستاذ أحمد عبدالباقي ضابط مناوب مبنى 1، ملازم أول بدر المازمي شرطة مطار دبي، الأستاذ أحمد مصطفى مدير طيران الخليج محطة دبي، وكل الاحترام والتقدير لكل إنسان يجعل من عمله رسالة، ومن خدمة الآخرين قيمة، ومن الأخلاق عنوانًا له .
فبعض الأشياء قد ننسى أين وضعناها...لكننا لا ننسى أبدًا من وقف معنا عندما احتجنا إليه.
nshowaiter@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك