يمرّ خبر عن متهم قيل إنه مريض نفسي، فيقول أحدهم: الرجل مريض، فما ذنبه؟ ويأتي السؤال من الجهة الأخرى: ومن وقع عليه الأذى، ما ذنبه؟
السؤالان مشروعان، ولهذا يختلف الناس عندهما. أما القانون فيسأل سؤالاً أضيق منهما. فهو لا يقف عند اسم المرض، ولا عند سُمك الملف الطبي، ولا عند سنوات العلاج. يسأل عن ساعة واحدة: ساعة الفعل. ماذا فعل المرض بصاحبه حينها؟ وهل بقي قادرا على التحكم في تصرفاته؟
ومع حلول اليوم العالمي للصحة النفسية، ربما يكون من المهم أن نفصل بين أمرين كثيراً ما يختلطان في حديث الناس: أن يكون الإنسان مريضاً، وأن يكون المرض قد سلبه قدرته على التحكم في فعل بعينه.
فقانون العقوبات البحريني لا يجعل التشخيص النفسي في ذاته سبباً للإعفاء من العقاب. النص يتحدث عن حالة أشد تحديداً: أن يكون الجنون أو الاختلال العقلي أو الضعف العقلي أو النفسي الجسيم قد أفقد صاحبه القدرة على التحكم في تصرفاته «بصفة مطلقة». عندها يحكم القاضي بإيداعه مأوى علاجياً.
والعبارة الأخيرة تستحق الوقوف عندها. فالاضطراب الذي يربك الإنسان أو يضعفه لا يكفي وحده. العبرة بالأثر الذي أحدثه المرض في قدرته على التحكم في تصرفاته وقت الفعل. وهذا فارق مهم بين وجود المرض وأثره القانوني.
وبين من سلبه المرض إدراكه أو اختياره، ومن بقي محتفظاً بهما، منزلةٌ وسطى يعترف بها القانون أيضاً: من كان وقت ارتكاب الجريمة ناقص الإدراك أو الاختيار بسبب حالة مرضية. وهنا يحكم عليه القاضي إما بعقوبة مخففة، وإما بإيداعه مأوى علاجياً.
ولنتخيل حريقاً متعمداً قيل إن فاعله مريض. اشترى ما يُشعل به، واختار الوقت، وانتظر حتى خلا المكان، ثم حاول ألا يراه أحد. هذه التفاصيل لا تكذّب الأطباء ولا تنفي المرض، لكنها تضع أمام القاضي سؤالاً مشروعاً: من خطط ورتّب واختبأ، كم كان يملك من أمر نفسه ساعتها؟
ولهذا لا يكفي أن يصل إلى المحكمة تقرير يذكر اسم المرض. فالتشخيص يخبرنا عن حالة الإنسان، لكن القضية تحتاج إلى معرفة أثر تلك الحالة فيه وقت وقوع الفعل. وقد يحمل شخص التشخيص نفسه سنوات، بينما تتغير حالته ودرجة سيطرته على تصرفاته من وقت إلى آخر.
ولا يكفي أن يقول المتهم إنه مريض. فإذا احتاج الأمر إلى التأكد من حالته العقلية أو النفسية، جاز للقضاء أن يأمر بوضعه تحت الملاحظة مدة قد تصل إلى خمسة وأربعين يوماً، تُفحص فيها حالته من قرب. فإن كان موقوفاً قضاها في مصحة مخصصة لذلك، وإن لم يكن موقوفاً جاز أن تكون الملاحظة في مكان آخر. فالمطلوب أن يُعرف حاله فعلاً، لا أن يُكتفى باسم المرض.
وأن يفسّر المرض سلوك الإنسان شيء، وأن يرفع عنه العقاب شيء آخر. قد يساعدنا التشخيص على فهم ما جرى، لكن القانون يبحث عمّا تركه المرض لصاحبه من زمام نفسه.
ومن يظن أن البراءة بسبب المرض تعني أن يعود صاحبها إلى بيته في اليوم التالي، فقد أخطأ الفهم. فإذا كانت جريمته مما يُعاقب عليه بالحبس أو بما هو أشد، أُدخل مصحة يُعالج فيها. وبقاؤه فيها ليس مدة معلومة تنتهي كما تنتهي مدة السجن؛ فهو لا يخرج إلا بأمر من القاضي، بعد أن يقرأ تقرير المصحة ويتأكد من أنه عاد إلى رشده.
وفي الطرف الآخر من الحكاية بيتٌ احترق، وأهلٌ باتوا ليلتهم عند الجيران، ثم جلسوا ينتظرون حكماً. لن يعيد إليهم الحكم جدرانهم، لكنه يقول لهم إن ما أصابهم لم يُمحَ بكلمة «مريض«.
وهنا يظهر طرف ثالث يغيب كثيراً عن النقاش: المجتمع. فللمريض حق في أن تُقدَّر حالته بعدل، ولمن وقع عليه الأذى حق لا يمحوه مرض المعتدي، وللناس جميعاً حق في الأمان. والعلاج هنا لا يقف في وجه الحماية، فقد يكون هو طريقها.
ويبقى للمتضرر حقه في المطالبة بالتعويض. فحتى إذا توقفت محاكمة المتهم بسبب مرض أصاب عقله، لا يتوقف النظر في طلب التعويض. فالمرض الذي يؤثر في المسؤولية الجنائية لا يمحو الضرر الذي أصاب إنساناً آخر.
والخلل يبدأ حين توضع الأمراض النفسية والعقلية كلها في سلة واحدة. ظلمٌ لمن سلبه المرض إدراكه أو اختياره فعلاً إذا عومل معاملة الواعي المختار، وظلمٌ لمن وقع عليه الأذى إذا صار كل تشخيص باباً جاهزاً للإفلات.
ولو عاد صاحبا السؤالين الأولين إلى جدالهما، لربما وجدا أن سؤاليهما لا يتعارضان؛ فقد يكون الإنسان مريضاً ومسؤولاً في آنٍ واحد.
السؤال الأدق: ماذا أبقى له المرض من عقله ومن زمام نفسه في تلك الساعة؟
وهناك يقف الميزان.
{ قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك