العدد : ١٧٧٣٦ - الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٦ - الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يُعفي المرض النفسي المتهمَ من العقاب؟

بقلم: نبيلة رجب

الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

يمرّ‭ ‬خبر‭ ‬عن‭ ‬متهم‭ ‬قيل‭ ‬إنه‭ ‬مريض‭ ‬نفسي،‭ ‬فيقول‭ ‬أحدهم‭: ‬الرجل‭ ‬مريض،‭ ‬فما‭ ‬ذنبه؟‭ ‬ويأتي‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى‭: ‬ومن‭ ‬وقع‭ ‬عليه‭ ‬الأذى،‭ ‬ما‭ ‬ذنبه؟

السؤالان‭ ‬مشروعان،‭ ‬ولهذا‭ ‬يختلف‭ ‬الناس‭ ‬عندهما‭. ‬أما‭ ‬القانون‭ ‬فيسأل‭ ‬سؤالاً‭ ‬أضيق‭ ‬منهما‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬اسم‭ ‬المرض،‭ ‬ولا‭ ‬عند‭ ‬سُمك‭ ‬الملف‭ ‬الطبي،‭ ‬ولا‭ ‬عند‭ ‬سنوات‭ ‬العلاج‭. ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬ساعة‭ ‬واحدة‭: ‬ساعة‭ ‬الفعل‭. ‬ماذا‭ ‬فعل‭ ‬المرض‭ ‬بصاحبه‭ ‬حينها؟‭ ‬وهل‭ ‬بقي‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬تصرفاته؟

ومع‭ ‬حلول‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نفصل‭ ‬بين‭ ‬أمرين‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يختلطان‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬الناس‭: ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬مريضاً،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬المرض‭ ‬قد‭ ‬سلبه‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬فعل‭ ‬بعينه‭.‬

فقانون‭ ‬العقوبات‭ ‬البحريني‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬التشخيص‭ ‬النفسي‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬سبباً‭ ‬للإعفاء‭ ‬من‭ ‬العقاب‭. ‬النص‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬أشد‭ ‬تحديداً‭: ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الجنون‭ ‬أو‭ ‬الاختلال‭ ‬العقلي‭ ‬أو‭ ‬الضعف‭ ‬العقلي‭ ‬أو‭ ‬النفسي‭ ‬الجسيم‭ ‬قد‭ ‬أفقد‭ ‬صاحبه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬تصرفاته‭ ‬‮«‬بصفة‭ ‬مطلقة‮»‬‭. ‬عندها‭ ‬يحكم‭ ‬القاضي‭ ‬بإيداعه‭ ‬مأوى‭ ‬علاجياً‭.‬

والعبارة‭ ‬الأخيرة‭ ‬تستحق‭ ‬الوقوف‭ ‬عندها‭. ‬فالاضطراب‭ ‬الذي‭ ‬يربك‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬يضعفه‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭. ‬العبرة‭ ‬بالأثر‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬المرض‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬تصرفاته‭ ‬وقت‭ ‬الفعل‭. ‬وهذا‭ ‬فارق‭ ‬مهم‭ ‬بين‭ ‬وجود‭ ‬المرض‭ ‬وأثره‭ ‬القانوني‭.‬

وبين‭ ‬من‭ ‬سلبه‭ ‬المرض‭ ‬إدراكه‭ ‬أو‭ ‬اختياره،‭ ‬ومن‭ ‬بقي‭ ‬محتفظاً‭ ‬بهما،‭ ‬منزلةٌ‭ ‬وسطى‭ ‬يعترف‭ ‬بها‭ ‬القانون‭ ‬أيضاً‭: ‬من‭ ‬كان‭ ‬وقت‭ ‬ارتكاب‭ ‬الجريمة‭ ‬ناقص‭ ‬الإدراك‭ ‬أو‭ ‬الاختيار‭ ‬بسبب‭ ‬حالة‭ ‬مرضية‭. ‬وهنا‭ ‬يحكم‭ ‬عليه‭ ‬القاضي‭ ‬إما‭ ‬بعقوبة‭ ‬مخففة،‭ ‬وإما‭ ‬بإيداعه‭ ‬مأوى‭ ‬علاجياً‭.‬

ولنتخيل‭ ‬حريقاً‭ ‬متعمداً‭ ‬قيل‭ ‬إن‭ ‬فاعله‭ ‬مريض‭. ‬اشترى‭ ‬ما‭ ‬يُشعل‭ ‬به،‭ ‬واختار‭ ‬الوقت،‭ ‬وانتظر‭ ‬حتى‭ ‬خلا‭ ‬المكان،‭ ‬ثم‭ ‬حاول‭ ‬ألا‭ ‬يراه‭ ‬أحد‭. ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬لا‭ ‬تكذّب‭ ‬الأطباء‭ ‬ولا‭ ‬تنفي‭ ‬المرض،‭ ‬لكنها‭ ‬تضع‭ ‬أمام‭ ‬القاضي‭ ‬سؤالاً‭ ‬مشروعاً‭: ‬من‭ ‬خطط‭ ‬ورتّب‭ ‬واختبأ،‭ ‬كم‭ ‬كان‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬نفسه‭ ‬ساعتها؟

ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬تقرير‭ ‬يذكر‭ ‬اسم‭ ‬المرض‭. ‬فالتشخيص‭ ‬يخبرنا‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الإنسان،‭ ‬لكن‭ ‬القضية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬أثر‭ ‬تلك‭ ‬الحالة‭ ‬فيه‭ ‬وقت‭ ‬وقوع‭ ‬الفعل‭. ‬وقد‭ ‬يحمل‭ ‬شخص‭ ‬التشخيص‭ ‬نفسه‭ ‬سنوات،‭ ‬بينما‭ ‬تتغير‭ ‬حالته‭ ‬ودرجة‭ ‬سيطرته‭ ‬على‭ ‬تصرفاته‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭.‬

ولا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬المتهم‭ ‬إنه‭ ‬مريض‭. ‬فإذا‭ ‬احتاج‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬حالته‭ ‬العقلية‭ ‬أو‭ ‬النفسية،‭ ‬جاز‭ ‬للقضاء‭ ‬أن‭ ‬يأمر‭ ‬بوضعه‭ ‬تحت‭ ‬الملاحظة‭ ‬مدة‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬وأربعين‭ ‬يوماً،‭ ‬تُفحص‭ ‬فيها‭ ‬حالته‭ ‬من‭ ‬قرب‭. ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬موقوفاً‭ ‬قضاها‭ ‬في‭ ‬مصحة‭ ‬مخصصة‭ ‬لذلك،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موقوفاً‭ ‬جاز‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الملاحظة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭. ‬فالمطلوب‭ ‬أن‭ ‬يُعرف‭ ‬حاله‭ ‬فعلاً،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يُكتفى‭ ‬باسم‭ ‬المرض‭.‬

وأن‭ ‬يفسّر‭ ‬المرض‭ ‬سلوك‭ ‬الإنسان‭ ‬شيء،‭ ‬وأن‭ ‬يرفع‭ ‬عنه‭ ‬العقاب‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭. ‬قد‭ ‬يساعدنا‭ ‬التشخيص‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬جرى،‭ ‬لكن‭ ‬القانون‭ ‬يبحث‭ ‬عمّا‭ ‬تركه‭ ‬المرض‭ ‬لصاحبه‭ ‬من‭ ‬زمام‭ ‬نفسه‭.‬

ومن‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬البراءة‭ ‬بسبب‭ ‬المرض‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬صاحبها‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬فقد‭ ‬أخطأ‭ ‬الفهم‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬جريمته‭ ‬مما‭ ‬يُعاقب‭ ‬عليه‭ ‬بالحبس‭ ‬أو‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬أشد،‭ ‬أُدخل‭ ‬مصحة‭ ‬يُعالج‭ ‬فيها‭. ‬وبقاؤه‭ ‬فيها‭ ‬ليس‭ ‬مدة‭ ‬معلومة‭ ‬تنتهي‭ ‬كما‭ ‬تنتهي‭ ‬مدة‭ ‬السجن؛‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬إلا‭ ‬بأمر‭ ‬من‭ ‬القاضي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬تقرير‭ ‬المصحة‭ ‬ويتأكد‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬رشده‭.‬

وفي‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الحكاية‭ ‬بيتٌ‭ ‬احترق،‭ ‬وأهلٌ‭ ‬باتوا‭ ‬ليلتهم‭ ‬عند‭ ‬الجيران،‭ ‬ثم‭ ‬جلسوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬حكماً‭. ‬لن‭ ‬يعيد‭ ‬إليهم‭ ‬الحكم‭ ‬جدرانهم،‭ ‬لكنه‭ ‬يقول‭ ‬لهم‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬أصابهم‭ ‬لم‭ ‬يُمحَ‭ ‬بكلمة‭ ‬‮«‬مريض‮«‬‭.‬

وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬طرف‭ ‬ثالث‭ ‬يغيب‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬النقاش‭: ‬المجتمع‭. ‬فللمريض‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تُقدَّر‭ ‬حالته‭ ‬بعدل،‭ ‬ولمن‭ ‬وقع‭ ‬عليه‭ ‬الأذى‭ ‬حق‭ ‬لا‭ ‬يمحوه‭ ‬مرض‭ ‬المعتدي،‭ ‬وللناس‭ ‬جميعاً‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬الأمان‭. ‬والعلاج‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الحماية،‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬طريقها‭.‬

ويبقى‭ ‬للمتضرر‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬المطالبة‭ ‬بالتعويض‭. ‬فحتى‭ ‬إذا‭ ‬توقفت‭ ‬محاكمة‭ ‬المتهم‭ ‬بسبب‭ ‬مرض‭ ‬أصاب‭ ‬عقله،‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬التعويض‭. ‬فالمرض‭ ‬الذي‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬المسؤولية‭ ‬الجنائية‭ ‬لا‭ ‬يمحو‭ ‬الضرر‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬إنساناً‭ ‬آخر‭.‬

والخلل‭ ‬يبدأ‭ ‬حين‭ ‬توضع‭ ‬الأمراض‭ ‬النفسية‭ ‬والعقلية‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬واحدة‭. ‬ظلمٌ‭ ‬لمن‭ ‬سلبه‭ ‬المرض‭ ‬إدراكه‭ ‬أو‭ ‬اختياره‭ ‬فعلاً‭ ‬إذا‭ ‬عومل‭ ‬معاملة‭ ‬الواعي‭ ‬المختار،‭ ‬وظلمٌ‭ ‬لمن‭ ‬وقع‭ ‬عليه‭ ‬الأذى‭ ‬إذا‭ ‬صار‭ ‬كل‭ ‬تشخيص‭ ‬باباً‭ ‬جاهزاً‭ ‬للإفلات‭.‬

ولو‭ ‬عاد‭ ‬صاحبا‭ ‬السؤالين‭ ‬الأولين‭ ‬إلى‭ ‬جدالهما،‭ ‬لربما‭ ‬وجدا‭ ‬أن‭ ‬سؤاليهما‭ ‬لا‭ ‬يتعارضان؛‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬مريضاً‭ ‬ومسؤولاً‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭.‬

السؤال‭ ‬الأدق‭: ‬ماذا‭ ‬أبقى‭ ‬له‭ ‬المرض‭ ‬من‭ ‬عقله‭ ‬ومن‭ ‬زمام‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الساعة؟

وهناك‭ ‬يقف‭ ‬الميزان‭.‬

{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا