لقد ظلت الأطراف المؤيدة تؤكد أن انتشار الديمقراطية يعد أمرا جوهريا لإرساء السلام وترسيه دعائمه. في هذه الأثناء، نجد أن اثنتين من الدول الديمقراطية الحليفة -وهما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل- تخوضان حروباً تتفاقم حدتها بسبب حسابات السياسة الانتخابية فيهما.
لقد ظلت مسألة الديمقراطية تمثل في الوعي الأمريكي، منذ البداية، أكثر من مجرد شكل من أشكال الحكم، إذ يضفي كل من الليبراليين والمحافظين طابعاً مثالياً على فكرة الديمقراطية ويرفعونها إلى مصاف العقائد الدينية، مطلقين في الوقت ذاته مزاعم مبالغاً فيها حول المزايا التي تجنيها المجتمعات الديمقراطية.
لقد قيل لنا إن الحكومات المنتخبة ديمقراطياً تتسم بمزيد من التسامح واحترام حقوق الأقليات، وتتحمل قدراً أكبر من المسؤولية عن أفعالها، كما أنها تعد أقل ميلاً إلى شن الحروب. لذلك، فقد جعلت عدة إدارات أمريكية متعاقبة من نشر الديمقراطية أولوية مهمة ودعامة من دعائم سياستها الخارجية، استناداً إلى قناعة بأن الديمقراطية تمثل ركيزة أساسية للسلام العالمي.
وفي حين تتباهى الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها بهذه السمات، وتُفاخر بأن ديمقراطياتها تضعها في مرتبة تعلو على المجتمعات ذات أنظمة الحكم الأخرى، فإن ادعاءاتها المتعلقة بالنقاء والتمسك بالمبادئ المثالية لا تصمد أمام التمحيص والتدقيق على أرض الواقع.
لقد كان التناقض الصارخ بين القيم المُعلنة والسلوكيات الفعلية جلياً منذ تأسيس البلاد. ففي نهاية المطاف، قامت التجربة الديمقراطية الأمريكية على سواعد العبيد وعلى الإبادة الجماعية للسكان الأصليين.
في الفترة الأخيرة، وعندما أطلقت إدارة جورج دبليو بوش حملتها الرامية إلى تعزيز الديمقراطية حول العالم، فقد فعلت ذلك بالتزامن مع خوضها «حرباً اختيارية» مدمرة في العراق، وممارسة التعذيب بحق السجناء في «مواقع سرية» (سجون سوداء) أوعزت إلى دول أخرى بتوفيرها للمحققين الأمريكيين.
ينطبق ذات الكلام تقريبا على إسرائيل، التي نُروّج لها -كما تفعل هي- باعتبارها «أقرب حلفائنا» وبأنها تمثل «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط». وعلى غرار الولايات المتحدة الأمريكية، تزعم إسرائيل أن ديمقراطيتها ترفعها إلى مرتبة أعلى من جيرانها، مما يجعل أفعالها أكثر عدلاً وسلوكها أكثر أخلاقية. وكحال المؤمنين المخلصين بأي أيديولوجية، فعندما يُشار إلى أن الواقع لا يتوافق مع ادعاءاتهم، فإنهم ينكرون ذلك ويهاجمون من يشيرون إلى هذا التناقض.
تعتبر ذات الأطراف المؤيدة أن حقيقة إجراء الانتخابات في الدول الديمقراطية تمثل سبباً إضافياً للتفاخر بالتفوق. ومع ذلك، غالباً ما تستخدم الأحزاب المتنافسة هذه الانتخابات لتبرير الممارسات السيئة وتأجيج التوترات الاجتماعية.
وعلى سبيل المثال، يحتاج الرئيس دونالد ترامب إلى مخرج من حربه مع إيران -التي لا تلوح فيها أي بوادر نصر- ولا سيما بالنظر إلى تأثيرها السلبي في الاقتصاد والمستهلكين، وحالة انعدام الأمن وعدم الاستقرار التي تتسبب فيها في منطقة الخليج، لكنه يخشى في الوقت ذاته أن يبدو بمظهر الضعيف إذا ما أنهى الحرب دون التذرع بتحقيق نوع من الانتصار.
لقد أثر ذلك سلباً في الإرث السياسي لدونالد ترامب وقبضته على قاعدته الانتخابية؛ إذ إنه بات هو نفسه بحاجة إلى حشد هؤلاء الناخبين في شهر نوفمبر القادم لضمان فوز الحزب الجمهوري. ولهذا السبب، فإنه يواصل استخدام لغة عدائية وتهديدات موجهة ضد إيران.
كذلك، ربما يظن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه قادر على إدارة ائتلاف حكومي يضم أحزاباً أكثر تطرفاً من حزبه، غير أن شركاءه استغلوا مواقعهم التي يتبوؤونها لتأجيج التوترات مع الفلسطينيين، سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي المحتلة.
وحين وجد بنيامين نتنياهو نفسه مضطراً للموافقة على اتفاقيات لوقف إطلاق النار، كان من المفترض أن تضع حداً للقصف في قطاع غزة ولبنان، فقد تبين أن موافقته تلك كانت غير حقيقة الواقع جوفاء.
وفي ظل الانتقادات التي وجهها إليه خصومه -وحتى شركاؤه في الائتلاف- بدعوى أنه يُعرّض أمن إسرائيل للخطر لعدم «إنجاز المهمة» بالكامل، واصل بنيامين نتنياهو انتهاك كلا الاتفاقين دون أن يواجه أي مساءلة، متجاهلاً في الوقت ذاته كبح جماح أعمال العنف الإرهابية واسعة النطاق التي يؤججها حلفاؤه في الضفة الغربية؛ إذ إنه لا يستطيع تحمل تكلفة خسارة أي من شركائه في الائتلاف، وإلا فإنه سيفقد منصبه.
في كلتا الحالتين، وبدلاً من تجسيد القيم التي تُعد من سمات الديمقراطية، تؤدي هذه الانتخابات إلى نتائج معاكسة تماماً؛ إذ يزداد الخطاب السياسي حدةً وإثارةً للانقسام، كما تتفاقم كذلك التوترات الاجتماعية، وتتنامى السلوكيات والتصرفات التي تتسم بطابع الحرب.
ومما يثير القلق بشكل خاص أن المراسلين والمعلقين -رغم إدراكهم بأن أقوال نتنياهو وترامب وأفعالهما تهدف إلى استرضاء قواعدهما الانتخابية أكثر من تعبيرها عن الحقائق على الأرض في غزة أو لبنان أو إيران- غالباً ما يتعاملون مع هذه المواقف الاستعراضية وكأنها حقائق واقعية.
وعلى سبيل المثال، وبدلاً من التقييم الموضوعي لمزاعم نتنياهو حول ضرورة تدمير قرى في جنوب لبنان -وهي مزاعم تهدف في المقام الأول إلى درء اتهامات خصومه له بالضعف- فإنهم ينقلون هذه المزاعم وكأن تسوية قرى لبنانية بأكملها بالأرض أمرٌ ضروري لأمن إسرائيل.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك