بعد العملية العسكرية الروسية الخاصة قبل أكثر من أربع سنوات فرضت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية أيام إدارة حكم الرئيس جو بايدن عقوبات على روسيا الاتحادية شملت مختلف الجوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية والفنية وغيرها حيث تجاوزت هذه العقوبات 7 آلاف عقوبة لم تفرض على أي دولة في العالم من قبل في شكلها وحجمها لعزل روسيا الاتحادية في محاولة لمحاصرتها وبالتالي إلحاق الهزيمة الاستراتيجية بها بل وتحويلها إلى دولة منبوذة على المستوى الدولي اعتقادا من دول الاتحاد الأوروبي بأن هذه العقوبات سوف تخنق روسيا سياسيا واقتصاديا لإثارة الفوضى داخل المجتمع الروسي قد تؤدي إلى تفكك روسيا الاتحادية وانهيارها على غرار ما حدث لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية قبل أكثر من ثلاثة عقود وتحويلها إلى عدة دول صغيرة لإضعافها وبالتالي تراجع مكانتها الدولية كقوة عظمى لا تستطيع مجاراة الغرب.
إلا أنه بعد مضي أكثر من أربع سنوات من العقوبات الصارمة والحصار والمقاطعة اتضح أن هذه العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي عليها لم تحقق أهدافها وإن الاقتصاد الروسي تمكن من التعامل مع هذه العقوبات من خلال اتجاه روسيا الاتحادية نحو الشرق وإقامة علاقات وشراكات اقتصادية مع دول مثل الصين والهند وغيرها التي أبدت استعدادها لشراء النفط والغاز الروسيين وبأسعار رخيصة في حين كانت دول الاتحاد الأوروبي أكثر تضررا من هذه العقوبات وإن الولايات المتحدة الأمريكية هي المستفيد الأكبر من هذه العقوبات بعد أن اضطرت الدول الغربية إلى شراء النفط الأمريكي بأربع مرات أعلى من سعر النفط والغاز الروسيين كما أدت هذه العقوبات إلى إغلاق وإفلاس المئات من الشركات بسبب ارتفاع تكلفة تشغيلها بعد أن كانت تعتمد على البطاقة الروسية الرخيصة وارتفاع نسبة التضخم وزيادة البطالة وارتفاع الأسعار بشكل كبير وتأثيرها على القدرة الشرائية للمواطن الأوروبي.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أدرك أن هذه العقوبات لم تؤثر في روسيا ولذلك تواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والولايات المتحدة الأمريكية على أعتاب انتخابات نصفية بعد أقل من شهر لتحسين وضع الجمهوريين بعد أن تراجعت شعبيتهم وارتفاع نسبة المؤيدين للجمهوريين وسط تذمر الناخب الأمريكي من سياسات الرئيس الأمريكي وخصوصا بالنسبة إلى الحرب مع إيران وتم الاتفاق على تزويد الأسواق الأمريكية بوقود الديزل الروسي لخفض أسعار تكاليف الطاقة في محاولة من الرئيس ترامب لدعم الجمهوريين قبل الانتخابات النصفية للكونجرس حيث تم الاتفاق على تزويد الولايات المتحدة الأمريكية بـ 300 ألف طن من الديزل الروسي بصورة فورية خلال شهر أكتوبر الحالي و500 ألف طن خلال شهر نوفمبر المقبل مع الاستمرار في استيراد الديزل الروسي حسب متطلبات السوق الأمريكية.
ونعتقد أن موافقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تزويد الولايات المتحدة الأمريكية بالطاقة رغم الرغبة الملحة لروسيا الاتحادية لفك الحصار عنها وتخفيف العقوبات عليها فإن هذه الموافقة لم تكن دون ثمن ويبدو أن هنالك تفاهمات بين القطبين الكبريين حول عديد من القضايا الراهنة على المستوى الدولي سوف تكشف عنها الأيام القادمة.
لقد أثبتت الأربع سنوات الماضية أن خيار العقوبات ليس هو الخيار الأمثل لتحقيق الأهداف أو لإجبار الدول على الخضوع وإن التجربة الدولية شاهد على ذلك بعد تجربتها على كوريا الشمالية وإيران والعراق التي لم تؤد إلى أي نتائج فالسبيل الوحيد إلى حل الخلافات والصراعات هو الجلوس إلى طاولة المفاوضات وبدء حوار عقلاني يأخذ بعين الاعتبار مصلحة جميع الأطراف دون إملاءات أو تهديدات باستخدام القوة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك