العدد : ١٧٧٣٤ - الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٤ - الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تساؤلات حول النظام العالمي الجديد

بقلم: رضوان السيد

الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

يوشك‭ ‬القارئ‭ ‬الخبير‭ ‬أن‭ ‬يسخر‭ ‬عندما‭ ‬يقرأ‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نظام‭ ‬العالم»؛‭ ‬لأنّ‭ ‬المشاهَد‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬للعالم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمان‭ ‬نظام‭ ‬يعترف‭ ‬به‭ ‬الجميع‭ ‬ويتبعون‭ ‬تعليماته‭. ‬ويختلف‭ ‬الأمر‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي؛‭ ‬إذ‭ ‬هناك‭ ‬منظمة‭ ‬لها‭ ‬مقر‭ ‬رئيس‭ ‬وكل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬داخلة‭ ‬فيها‭ ‬والمفروض‭ ‬أنها‭ ‬تضمن‭ ‬استقلالها‭ ‬ووحدة‭ ‬أراضيها‭ ‬وسلطاتها‭. ‬والمنظمة‭ ‬المذكورة‭ (‬الأمم‭ ‬المتحدة‭) ‬عقدت‭ ‬مؤتمرها‭ ‬السنوي‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬مقرها‭ ‬بنيويورك،‭ ‬ويحرص‭ ‬سائر‭ ‬الرؤساء‭ ‬أو‭ ‬المسؤولين‭ ‬الكبار‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬والكلام‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭ ‬إثباتاً‭ ‬للمشروعية‭ ‬والاعتراف‭ ‬والمقام‭ ‬العزيز‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬وفي‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭.‬

لماذا‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬ونظام‭ ‬العالم‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬نظامه؟‭!‬

هذا‭ ‬العام‭ ‬لم‭ ‬يحضر‭ ‬اجتماعات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬رؤساء‭ ‬العالم‭ ‬غير‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬وغاب‭ ‬الصينيون‭ ‬والروس‭ ‬والهنود‭.. ‬لقد‭ ‬حضر‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬لأن‭ ‬عنده‭ ‬مطالب‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬زمنها‭ ‬الليبرالي‭ ‬قد‭ ‬اشترعتها‭! ‬ثم‭ ‬خفّ‭ ‬للاجتماع‭ ‬بالرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭. ‬أما‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني،‭ ‬فقد‭ ‬حضر‭ ‬لأنّ‭ ‬بلاده‭ ‬محاصَرة‭ ‬وهو‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الكلام‭ ‬مع‭ ‬الحاضرين‭ ‬إلى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬سواء‭ ‬صغروا‭ ‬أو‭ ‬كبروا‭. ‬أما‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬فقد‭ ‬حضر‭ ‬لأنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المجيء‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭ ‬وما‭ ‬استجابوا‭ ‬له‭ ‬فوجد‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬نيويورك‭ ‬فرصةً‭ ‬وكان‭ ‬يتصور‭ ‬انه‭ ‬سوف‭ ‬يتعذر‭ ‬على‭ ‬الأمريكان‭ ‬بعدها‭ ‬ألا‭ ‬يقابلوه‭!‬

ليس‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬مهمة‭. ‬فإن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬السلام؛‭ ‬فإنّ‭ ‬وكالاتها‭ ‬ومفوضياتها‭ ‬شديدة‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدات‭ ‬المتنوعة‭ ‬للدول‭ ‬الفقيرة،‭ ‬والأخرى‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬الداخلية،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تثيرها‭ ‬دولٌ‭ ‬أخرى‭ ‬مجاورة‭ ‬أو‭ ‬بعيدة‭.‬

والحق‭ ‬يقال‭ ‬إنّ‭ ‬أحداث‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬التي‭ ‬استشرت‭ ‬فيها‭ ‬الحروب‭ ‬وتوسعت‭ ‬مناطقها‭ ‬ما‭ ‬استطاع‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬رغم‭ ‬كثرة‭ ‬التصويت‭ ‬أن‭ ‬يوقف‭ ‬أياً‭ ‬منها،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الخلاف‭ ‬فقط؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬التوافق‭ ‬أيضاً؛‭ ‬لأن‭ ‬الطرف‭ ‬القائم‭ ‬بالحرب‭ ‬أو‭ ‬الداعم‭ ‬لها‭ ‬لا‭ ‬يستجيب‭ ‬رغم‭ ‬موافقته‭ ‬ظاهراً‭ ‬على‭ ‬إنهاء‭ ‬النزاع‭!‬

ولنلاحظ‭ ‬أمراً‭ ‬آخر‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬التحالفات؛‭ ‬ففي‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬قطبان‭: ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬ودول‭ ‬العالم‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تابعةً‭ ‬لهذا‭ ‬القطب‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭.‬

فإذا‭ ‬شبّ‭ ‬نزاعٌ‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الدول‭ ‬فمسؤولية‭ ‬الحليف‭ ‬الكبير‭ ‬إنهاؤه‭. ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬في‭ ‬إخماد‭ ‬نزاعات‭ ‬أثارتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬معسكره‭ ‬بالقوة‭ ‬المباشرة‭. ‬أما‭ ‬النزاع‭ ‬الأفغاني‭ ‬الذي‭ ‬تدخل‭ ‬فيه‭ ‬الروس‭ ‬ونصرت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬المجاهدين‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬الروس‭ ‬والحكومة‭ ‬الشيوعية‭ ‬بالبلاد‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يخمد‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬اتفاق‭ ‬الروس‭ ‬مع‭ ‬الأمريكيين‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭. ‬فلما‭ ‬انسحبوا‭ ‬شب‭ ‬النزاع‭ ‬بين‭ ‬كتائب‭ ‬المجاهدين‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استولت‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬عليها‭.‬

من‭ ‬معالم‭ ‬ضعف‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬حليفٍ‭ ‬أو‭ ‬تحالف‭ ‬واحد‭. ‬كانت‭ ‬الدول‭ ‬الوسطى‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬والبرازيل‭ ‬وألمانيا‭ ‬تطالب‭ ‬بإصلاح‭ ‬نظام‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬نقاط‭ ‬عدة،‭ ‬أهمها‭ ‬العضوية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬وهي‭ ‬قاصرة‭ ‬على‭ ‬الخمسة‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬الآن،‭ ‬فما‭ ‬عادت‭ ‬الدول‭ ‬الوسطى‭ ‬ولا‭ ‬الصغرى‭ ‬تكتفي‭ ‬بعضوية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬بل‭ ‬تعدّد‭ ‬تحالفاتها‭ ‬بحسب‭ ‬المصالح‭ ‬القريبة‭. ‬وبالطبع،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الكبار‭ ‬مطلوباً‭ ‬ومرغوباً‭. ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الكبار‭ ‬لا‭ ‬مانع‭ ‬من‭ ‬التماس‭ ‬تحقيق‭ ‬مصلحة‭ ‬أو‭ ‬اثنتين‭ ‬أو‭ ‬اتقاء‭ ‬شرور‭ ‬النزاع‭ ‬من‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬القوية‭ ‬والقريبة‭ ‬أو‭ ‬الدولة‭ ‬الغنية‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬المساعدة‭.‬

وهكذا،‭ ‬فالتحالفات‭ ‬اليوم‭ ‬متعددة‭ ‬لتعدد‭ ‬الاصطفافات،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬أكثر‭ ‬براغماتية‭ ‬وأقلّ‭ ‬أيديولوجية‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬من‭ ‬طريق‭ ‬التعديد‭ ‬بين‭ ‬أهداف‭ ‬التحالف‭.‬

وهكذا‭ ‬يصبح‭ ‬التحالف‭ ‬حزمةً‭ ‬متكاملةً‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬يشبه‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شبكات‭ ‬بسبب‭ ‬غلبة‭ ‬السيولة‭ ‬عليها،‭ ‬وتصدع‭ ‬مقولتي‭ ‬الغرب‭ ‬والشرق‭ ‬إلى‭ ‬حدٍ‭ ‬بعيد‭.‬‭ ‬لكن‭ ‬تبقى‭ ‬معالم‭ ‬عدة‭: ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬التحالفات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التحالف‭ ‬صار‭ ‬عبارةً‭ ‬عن‭ ‬أداةٍ‭ ‬لإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬وليس‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬ثابتة‭. ‬ومن‭ ‬جملة‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬والمصالح‭ ‬معاً‭ ‬اتجاه‭ ‬القوى‭ ‬الوسطى‭ ‬لتعديد‭ ‬تحالفاتها‭ ‬ذات‭ ‬الاتجاهات‭ ‬المختلفة‭.‬

كثيرون‭ ‬ظنوا‭ ‬حقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬شراً‭ ‬مطلقاً‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التحالفات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬ما‭ ‬ازداد‭ ‬الأمن‭ ‬العالمي‭ ‬ولا‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وظهرت‭ ‬أشكال‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬والتدخلات‭ ‬والمليشيات‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬عرفتها‭ ‬الحقبة‭ ‬السابقة‭. ‬والاتفاق‭ ‬على‭ ‬نظامٍ‭ ‬بديل‭ ‬من‭ ‬الكبار‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭. ‬ولله‭ ‬في‭ ‬خلقه‭ ‬شؤون‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬لبناني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا