بعد صلاة الجمعة اقترب مني أحد القائمين على المسجد، وسألني أنت فلان، قلت: نعم. قال: هل يمكن أن أحدثك في بعض الأمور. قلت: في أي شأن؟ قال: في شأن المسجد. لم أرفض، وجلسنا في زاوية من زوايا المسجد، وبدأ يتحدث.
قال: أنا أعرف بل ومؤمن بأهمية المسجد لذلك فأنا متطوع في تبخير المسجد والاهتمام به مع العمال، فنحن عشنا طوال حياتنا منذ طفولتنا نعلم أن المسجد ليس مجرد بناءً من حجر وقباب فحسب، بل هو مدرسة الروح وبيت القلب، ومنذ أن وضع النبي صلى الله عليه وسلم اللبنة الأولى في مسجد قباء ثم المسجد النبوي وحتى اليوم، ظلّ المسجد مركز الحياة في المجتمع المسلم. ففي المسجد يجتمع الناس على اختلاف أعمارهم ومكانتهم في صفٍّ واحد، فيذوب الفرق بين الغني والفقير، ويتعارف الجيران ويتفقّد بعضهم بعضًا، فتقوى روح الأخوّة والتعاون. والمسجد كان وما زال يسهم في تهذيب السلوك وانضباطٌ للوقت، والتعود على النظام والالتزام، وتذكّره دائمًا بربه، فتستقيم أخلاقه ويحسن تعامله مع الناس.
ومن الحري على الإنسان المسلم الذي يتعلّق قلبه بالمسجد أن يجد فيه السكينة والعلم والصحبة الصالحة، فيعيش متوازنًا بين دنياه وآخرته، لذلك أجد أنه من المهم جدًا أن نعمّر هذه الأماكن ونربط بها أبناءنا، لتبقى منارةً تهدي القلوب وتجمع الشمل، ولكن للأسف خلال كل هذه الفترات أحصيت بعض السلوكيات التي يقوم بها الإنسان المسلم التي لا تليق بالمسجد، ربما من غير قصد، ولكنها سلوكيات أصلاً لا تليق حتى في حياتنا اليومية، فكيف في المسجد؟
قلت: مثل ماذا؟
قال: سأحاول أن ألخص لك بعضها، منها:
أولاً: التحدث أثناء خطبة الجمعة؛ ذات جمعة دخل أحد المصلين متأخرًا، والخطيب فوق المنبر يتحدث، وجلس بالقرب من صديقه على ما يبدو، وبدأوا في التحدث، وللأسف كان صوتهما عاليًا نوعًا ما، وبين الخطبتين حاولت أن أنبهما إلى استقباح هذا الفعل، فما كان من هذا الإنسان إلا أن يتهجم عليّ بألفاظ نابية وبصوت عال، حتى التفت بعض المصلين إلى مصدر الصوت، واستمر هو في ذلك حتى انتهى الخطيب من خطبته، وبعد الصلاة جاءني وكأنه لم يرو غليله، فاحترمت المكان الذي أنا فيه، فصمت وغادرت وهو ما زال يتحدث بغضب.
جانب آخر؛ بعض المصلين وأثناء خطبة الجمعة تراه يعبث بهاتفه النقال، ويتصفح وسائل التواصل الاجتماعي طوال الخطبة، تسأل نفسك: لماذا جاء هذا الإنسان إلى المسجد إذن؟ هل ما يقوم به مهم لهذه الدرجة أنه لا يستطيع الانتظار لمجرد نصف ساعة؟ ومن تلك المشاهد الكثير.
على الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح (إذا قلتَ لصاحبِك يومَ الجمعةِ: أنصِتْ، والإمامُ يخطبُ، فقد لغوتَ). واللغو تعني الكلام الساقط الذي لا فائدة منه ولا يُعتدّ به، وكذلك أتيتَ بما لا ينبغي وخالفتَ الأدب في هذا الموضع، ويجد علماء الإسلام أن اللغو يبطل ثواب الجمعة، أي فاتته فضيلة الجمعة الكاملة، وإن صحّت صلاته عند الجمهور.
ثانيًا: الملابس والروائح غير اللائقة؛ تصور أن بعض المصلين يأتي المسجد بملابس رثه وقذرة، ففي رمضان – مثلاً – أجد أن هناك بعض الأفراد لا يستبدل ملابسه لأكثر من أسبوع، فالثوب الذي يلبسه هو مدة أسبوع، وربما أكثر من ذلك، ويقف بين يدي ملك الملوك والمصلين ويصلى وهو بهذه الحالة الرثة القذرة، وربما تسأل كيف عرفت أنه لا يغير ملابسه؟ عندما ترى أن البقع الموجودة على الملابس هي، فتعرف أن الملابس لم تتغير، طوال تلك الفترة.
هذه الحالة الرثة القذرة من غير استحمام أو تغير الملابس، تجعل الجسم ينفث الروائح الكريهة، تصور أن الرجل الذي يقف بجانبك بمثل هذه الرائحة، فكيف يمكنك أن تصلى وأن تسجد ورائحته تنخر في جيوبك الأنفية ومخك؟
وحالات أخرى، بعض المصلين يأتي إلى المسجد وهو في ملابس النوم، بمعنى الجلابيات، وكأنه يقوم من النوم مباشرة إلى المسجد.
كيف يفكرون هؤلاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالاغتسال يوم الجمعة على الأقل، ألا يستحمون هؤلاء ولا يستبدلون ملابسهم؟
ثالثًا: ترك زجاجات المياه في المسجد؛ كل المساجد وبفضل من الله سبحانه تقوم بتوفير الثلاجات المليئة بزجاجات المياه الباردة للمصلين، وهذا أمر حسن لا خلاف عليه، ولكن تعال لنرى ماذا يحدث؟ يأتي المصلي والإمام يصلى، فيقوم هذا الرجل بفتح الثلاجة ويأخذ زجاجة الماء ويفتحها، ثم يقوم بشربها بكل هدوء، من غير أن يكترث بالصلاة أو أن يحاول أن يلحق بالصلاة، وربما ينتهي الإمام من الصلاة وهو ما زال يشرب الماء.
بعض المصلين يشرب الماء، وينهي زجاجته، ثم يتركها – هكذا بكل بساطة – في وسط المسجد أو في المكان الذي صلى فيه، فلا يقوم بإزالتها أو وضعها في برميل القمامة على الرغم من توفرها، هل هذا سلوك مسلم؟ إن كان هذا السلوك غير مقبول في الشارع فكيف في المسجد؟
رابعًا: الحديث بصوت عال أثناء صلاة الناس بعد الجماعة؛ بعد الانتهاء من صلاة الفريضة، وأثناء قيام المصلين بالصلاة النافلة تجد أن هناك بعض المصلين يجلسون في زاوية من زوايا المسجد بهدف التحدث، ونحن لا نريد أن نمنعهم من التحدث، ولكن ألا يمكن أن يكون التحدث بصوت منخفض نوعًا ما حتى لا ينزعج المصلون؟ وبعض الحديث يجر إلى إلقاء الطرف وبالتالي الضحك بصوت عال، والناس تصلي، وعندما تطلب منهم الهدوء يقول لك أحدهم: هل تمنعنا من الحديث؟
ونحن لا نمنعكم من التحدث، ولكن ألا توجد طريقة أكثر أخلاقية للتحدث في المسجد غير هذه الطريقة، وخاصة أثناء انشغال المصلين بصلاة النافلة؟
خامسًا: ترك الأحذية أمام باب المسجد؛ وهذه مشكلة أزلية، إذ إنه من الواضح أن المساجد قامت مشكورة بتخصيص أماكن لوضع الأحذية، إذ إن الأحذية تسبب بعض الإزعاج للمصلين الراغبين في الدخول إلى المسجد، وخاصة إن كانوا مستعجلين، إذ ربما يتعثرون بها، ولكن وعلى الرغم من ذلك تجد أن جزءا كبيرا من المصلين وكأنه لا يجد إلا أن يرمي حذاءه عند الباب ويدخل، ويأتي الآخر ويفعل ذلك، والثالث والرابع، وبعد وهلة تجد أن الأحذية تكومت أمام باب المسجد، والدواليب شبه فارغة، على الرغم من أن حافظة الأحذية لا تبعد عن الباب إلا قدم واحد، كيف يفكر هؤلاء ؟ هل هذه أخلاقيات المسلم؟
ثم ألتفت إليّ الرجل، وابتسم وقال: يبدو أني صدعت رأسك، ولكن هذه الأمور تزعجنا نحن القائمين على المسجد، ونتساءل لماذا هذه الأخلاقيات والإسلام واضح، ولا يرغب في مثل هذه الأخلاقيات؟ ألا يمكن أن نتحسن ونكون بصورة أفضل أمام أنفسنا وأمام ربنا، فهذه المساجد بيوت الرحمن؟ هل نقابل ربنا ونحن بمثل هذه الأخلاقيات؟
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك