هذه محاولة معاصرة في قراءة النص الديني للاقتراب من الفهم العام لهذا النص، وهي تتلخص في استدعاء النص ليكشف لنا مزيدا من المعارف التي نحتاج إليها لنؤكد أهمية الوعي بما يدور حولنا من فهم الماضي بمعطيات الحاضر، وأن الفعل المضارع ليشرح لنا الحاضر وما يخبئه المستقبل لنا من وعد ووعيد.
بدأت الدعوة الجديدة إلى الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم حيث كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يجتمع فيها مع أصحابه ليشرح لهم الفترة المكية التي تقدر بثلاث عشرة سنة، ولم تكن هذه السنوات الثلاث عشرة فترة سلبية من عمر الدعوة، بل كانت زاخرة بالعطاء وبزيادة الوعي بمبادئ الدعوة الجديدة، وقيمها الرفيعة، وإضافة إلى ما كان يبذله رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهد وعمل دائب في دعوة الوفود الذين كانوا يأتون إلى مكة من أجل التجارة أو التقرب إلى الأصنام التي كان وجودها درعا واقيا لحماية تجارة قريش من أي اعتداء حتى لا تمنعهم من زيارة أصنامهم التي يعبدونها، وكانت الوفود التي تحضر كل عام إلى مكة بين مصدق ومكذب، ومن هذه الوفود التي أسلمت تكونت الجماعة الإسلامية التي بدأ أفرادها في الزيادة، وشعر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأنهم قادرون على المساهمة في بناء الدولة الإسلامية وحمايتها من أي عدوان داخلي أو خارجي، عندها أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) المسلمين بالهجرة من مكة إلى المدينة، وبدأ الوفود يأتون إلى المدينة ليعلنوا إسلامهم ويؤكدوا ولاءهم للدعوة الجديدة.
وأصبحت دار الأرقم بن أبي الأرقم بعد ذلك معلما تاريخيا لهذه الدعوة الجديدة، وأسس المسلمون مقرا جديدا في مسجد قباء وهو أول مسجد تمت الصلاة فيه بعد الهجرة، ومن مسجد قباء أعلن الرسول (صلى الله عليه وسلم) مبادئ الدعوة الجديدة التي من الممكن أن نلخصها في قوله تعالى: «قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وأياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولوكان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون(153) )» الأنعام.
هذه مبادئ النهج الإسلامي في القضايا الكبرى: التوحيد، والإحسان إلى الوالدين، ورعاية الأبناء، والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحفظ النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق، والحفاظ على أموال اليتامى، والوفاء بالمكاييل والموازين بالقسط، وعدم تكليف النفس فوق ما تطيق وما يشق عليها، والعدل بين الناس، وأيضا الوفاء بالعهود والمواثيق.
هذه هي الوصايا العشر التي قدمها الإسلام إلى البشرية ذكرها الله تعالى في كتاب محفوظ (لا يمسه إلا المطهرون)، (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
وأما فيما يخص العلاقات الدولية، فقد جاءت بشأنها آيتان في سورة الممتحنة هما قوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9)».
وأما ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية فقد جاءت في سورة النساء، وسورة الطلاق، وسورة النور، وهناك العديد من القضايا التي لها صلة وثيقة بتنظيم العلاقات بين المسلمين وغيرهم من الذين يعيشون في الدولة الإسلامية وينعمون بظلها الوارف من الذين أوصى بهم رسول الله خلفاءه من بعده أن يسيروا فيهم سيرة أهل الكتاب من اليهود والنصارى من دون تفرقة بين المسلمين وغير المسلمين منهم.
هذه قراءة معاصرة، وهي رغم أنها موجزة فإنها ثرية في عطائها وفي عملها، وفي تحقيق الأمن والرخاء لمن يستظلون بظلها، ويحمي الإسلام حرية الإرادة الإسلام لا يحمل الناس على الدخول فيه عنوة، بل يجعل لهم الخيار في قبول الإسلام أو رده، تلك إرادة حرة يحترمها الإسلام، ويحققها لمن يعيش في أرضه، ويتنسم عبيره.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك