العدد : ١٧٧٣٤ - الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٤ - الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

دار الأرقم.. مهد الدعوة الاسلامية!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١١ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

هذه‭ ‬محاولة‭ ‬معاصرة‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬للاقتراب‭ ‬من‭ ‬الفهم‭ ‬العام‭ ‬لهذا‭ ‬النص،‭ ‬وهي‭ ‬تتلخص‭ ‬في‭ ‬استدعاء‭ ‬النص‭ ‬ليكشف‭ ‬لنا‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬التي‭ ‬نحتاج‭ ‬إليها‭ ‬لنؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬الوعي‭ ‬بما‭ ‬يدور‭ ‬حولنا‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬الماضي‭ ‬بمعطيات‭ ‬الحاضر،‭ ‬وأن‭ ‬الفعل‭ ‬المضارع‭ ‬ليشرح‭ ‬لنا‭ ‬الحاضر‭ ‬وما‭ ‬يخبئه‭ ‬المستقبل‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬وعد‭ ‬ووعيد‭.‬

بدأت‭ ‬الدعوة‭ ‬الجديدة‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬الأرقم‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬الأرقم‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬يجتمع‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬أصحابه‭ ‬ليشرح‭ ‬لهم‭ ‬الفترة‭ ‬المكية‭ ‬التي‭ ‬تقدر‭ ‬بثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬سنة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬فترة‭ ‬سلبية‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الدعوة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬زاخرة‭ ‬بالعطاء‭ ‬وبزيادة‭ ‬الوعي‭ ‬بمبادئ‭ ‬الدعوة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وقيمها‭ ‬الرفيعة،‭ ‬وإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يبذله‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬وعمل‭ ‬دائب‭ ‬في‭ ‬دعوة‭ ‬الوفود‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يأتون‭ ‬إلى‭ ‬مكة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬التقرب‭ ‬إلى‭ ‬الأصنام‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬وجودها‭ ‬درعا‭ ‬واقيا‭ ‬لحماية‭ ‬تجارة‭ ‬قريش‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اعتداء‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تمنعهم‭ ‬من‭ ‬زيارة‭ ‬أصنامهم‭ ‬التي‭ ‬يعبدونها،‭ ‬وكانت‭ ‬الوفود‭ ‬التي‭ ‬تحضر‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬إلى‭ ‬مكة‭ ‬بين‭ ‬مصدق‭ ‬ومكذب،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الوفود‭ ‬التي‭ ‬أسلمت‭ ‬تكونت‭ ‬الجماعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬بدأ‭ ‬أفرادها‭ ‬في‭ ‬الزيادة،‭ ‬وشعر‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬بأنهم‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وحمايتها‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬عدوان‭ ‬داخلي‭ ‬أو‭ ‬خارجي،‭ ‬عندها‭ ‬أمر‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬المسلمين‭ ‬بالهجرة‭ ‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬المدينة،‭ ‬وبدأ‭ ‬الوفود‭ ‬يأتون‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬ليعلنوا‭ ‬إسلامهم‭ ‬ويؤكدوا‭ ‬ولاءهم‭ ‬للدعوة‭ ‬الجديدة‭.‬

وأصبحت‭ ‬دار‭ ‬الأرقم‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬الأرقم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬معلما‭ ‬تاريخيا‭ ‬لهذه‭ ‬الدعوة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وأسس‭ ‬المسلمون‭ ‬مقرا‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬قباء‭ ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬مسجد‭ ‬تمت‭ ‬الصلاة‭ ‬فيه‭ ‬بعد‭ ‬الهجرة،‭ ‬ومن‭ ‬مسجد‭ ‬قباء‭ ‬أعلن‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬مبادئ‭ ‬الدعوة‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نلخصها‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬قل‭ ‬تعالوا‭ ‬أتل‭ ‬ما‭ ‬حرم‭ ‬ربكم‭ ‬عليكم‭ ‬ألا‭ ‬تشركوا‭ ‬به‭ ‬شيئا‭ ‬وبالوالدين‭ ‬إحسانا‭ ‬ولا‭ ‬تقتلوا‭ ‬أولادكم‭ ‬من‭ ‬إملاق‭ ‬نحن‭ ‬نرزقكم‭ ‬وأياهم‭ ‬ولا‭ ‬تقربوا‭ ‬الفواحش‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬منها‭ ‬وما‭ ‬بطن‭ ‬ولا‭ ‬تقتلوا‭ ‬النفس‭ ‬التي‭ ‬حرم‭ ‬الله‭ ‬إلا‭ ‬بالحق‭ ‬ذلكم‭ ‬وصاكم‭ ‬به‭ ‬لعلكم‭ ‬تعقلون‭ (‬151‭) ‬ولا‭ ‬تقربوا‭ ‬مال‭ ‬اليتيم‭ ‬إلا‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أحسن‭ ‬حتى‭ ‬يبلغ‭ ‬أشده‭ ‬وأوفوا‭ ‬الكيل‭ ‬والميزان‭ ‬بالقسط‭ ‬لا‭ ‬نكلف‭ ‬نفسا‭ ‬إلا‭ ‬وسعها‭ ‬وإذا‭ ‬قلتم‭ ‬فاعدلوا‭ ‬ولوكان‭ ‬ذا‭ ‬قربى‭ ‬وبعهد‭ ‬الله‭ ‬أوفوا‭ ‬ذلكم‭ ‬وصاكم‭ ‬به‭ ‬لعلكم‭ ‬تذكرون‭ (‬152‭) ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬صراطي‭ ‬مستقيما‭ ‬فاتبعوه‭ ‬ولا‭ ‬تتبعوا‭ ‬السبل‭ ‬فتفرق‭ ‬بكم‭ ‬عن‭ ‬سبيله‭ ‬ذلكم‭ ‬وصاكم‭ ‬به‭ ‬لعلكم‭ ‬تتقون‭(‬153‭) )‬‮»‬‭ ‬الأنعام‭.‬

هذه‭ ‬مبادئ‭ ‬النهج‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى‭: ‬التوحيد،‭ ‬والإحسان‭ ‬إلى‭ ‬الوالدين،‭ ‬ورعاية‭ ‬الأبناء،‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬الفواحش‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬منها‭ ‬وما‭ ‬بطن،‭ ‬وحفظ‭ ‬النفس‭ ‬التي‭ ‬حرم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬إلا‭ ‬بالحق،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬اليتامى،‭ ‬والوفاء‭ ‬بالمكاييل‭ ‬والموازين‭ ‬بالقسط،‭ ‬وعدم‭ ‬تكليف‭ ‬النفس‭ ‬فوق‭ ‬ما‭ ‬تطيق‭ ‬وما‭ ‬يشق‭ ‬عليها،‭ ‬والعدل‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬وأيضا‭ ‬الوفاء‭ ‬بالعهود‭ ‬والمواثيق‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬الوصايا‭ ‬العشر‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬الإسلام‭ ‬إلى‭ ‬البشرية‭ ‬ذكرها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬محفوظ‭ (‬لا‭ ‬يمسه‭ ‬إلا‭ ‬المطهرون‭)‬،‭ (‬لا‭ ‬يأتيه‭ ‬الباطل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬خلفه‭ ‬تنزيل‭ ‬من‭ ‬حكيم‭ ‬حميد‭).‬

وأما‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬بشأنها‭ ‬آيتان‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الممتحنة‭ ‬هما‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬لا‭ ‬ينهاكم‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقاتلوكم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬ولم‭ ‬يخرجوكم‭ ‬من‭ ‬دياركم‭ ‬أن‭ ‬تبروهم‭ ‬وتقسطوا‭ ‬إليهم‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬يحب‭ ‬المقسطين‭ (‬8‭) ‬إنما‭ ‬ينهاكم‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬الذين‭ ‬قاتلوكم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬وأخرجوكم‭ ‬من‭ ‬دياركم‭ ‬وظاهروا‭ ‬على‭ ‬إخراجكم‭ ‬أن‭ ‬تولوهم‭ ‬ومن‭ ‬يتولهم‭ ‬فأولئك‭ ‬هم‭ ‬الظالمون‭ (‬9‭)‬‮»‬‭.‬

‭ ‬وأما‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬النساء،‭ ‬وسورة‭ ‬الطلاق،‭ ‬وسورة‭ ‬النور،‭ ‬وهناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬صلة‭ ‬وثيقة‭ ‬بتنظيم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وينعمون‭ ‬بظلها‭ ‬الوارف‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬أوصى‭ ‬بهم‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬خلفاءه‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬أن‭ ‬يسيروا‭ ‬فيهم‭ ‬سيرة‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬اليهود‭ ‬والنصارى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تفرقة‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬وغير‭ ‬المسلمين‭ ‬منهم‭.‬

هذه‭ ‬قراءة‭ ‬معاصرة،‭ ‬وهي‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬موجزة‭ ‬فإنها‭ ‬ثرية‭ ‬في‭ ‬عطائها‭ ‬وفي‭ ‬عملها،‭ ‬وفي‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬والرخاء‭ ‬لمن‭ ‬يستظلون‭ ‬بظلها،‭ ‬ويحمي‭ ‬الإسلام‭ ‬حرية‭ ‬الإرادة‭ ‬الإسلام‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬فيه‭ ‬عنوة،‭ ‬بل‭ ‬يجعل‭ ‬لهم‭ ‬الخيار‭ ‬في‭ ‬قبول‭ ‬الإسلام‭ ‬أو‭ ‬رده،‭ ‬تلك‭ ‬إرادة‭ ‬حرة‭ ‬يحترمها‭ ‬الإسلام،‭ ‬ويحققها‭ ‬لمن‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬أرضه،‭ ‬ويتنسم‭ ‬عبيره‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا