شهدت منظمة الأمم المتحدة في سنة 1981 مواجهة محتدمة غير مسبوقة وصراع نفوذ بين القوى العظمي بشأن اختيار الأمين العام الجديد. فقد عرقلت الصين حصول فالدهايم على ولاية ثالثة، مطالبةً بأن يؤول المنصب لدولة من دول العالم الثالث.
أما المرشح التنزاني سليم أحمد سليم -الذي كان يحظى بتأييد دول عدم الانحياز- فقد واجه «فيتو» أمريكياً، حيث اعتبرته واشنطن متطرفاً أكثر مما ينبغي، حيث توالت بعد ست عشرة جولة تصويت من دون التوصل إلى نتيجة.
وللخروج من هذا المأزق، ابتكر رئيس مجلس الأمن، الياباني «آبي إساو»، آليةً غير رسمية لا تزال سارية المفعول حتى اليوم، وهي ما يُعرف بـ«عمليات سبر الآراء الاسترشادية».
وقد أفرزت عملية سبر الآراء اسم الدبلوماسي البيروفي خافيير بيريز دي كوييار، الذي لم يقم بأي حملة انتخابية، إذ علم بترشحه أثناء وجوده في ليما عبر مكالمة هاتفية من السفير الإسباني.
لقد مثّل الدبلوماسي البيروفي خياراً توافقياً مثالياً؛ فهو يتمتع بمصداقية كافية تضمن له الاحترام، ويتسم بتكتمٍ كافٍ يجعله لا يشكل تهديداً لأي طرف.
وقد تولى الدبلوماسي البيروفي التفاوض بشأن الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، وأسهم في الوساطة للتوصل إلى وقف إطلاق النار في الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، كما أشرف على إنهاء الحرب الأهلية في كمبوديا.
لقد أضفى بيريز دي كوييار بريقاً على العمل متعدد الأطراف في منظمة الأمم المتحدة في لحظة مفصلية تسارعت فيها وتيرة التاريخ مع سقوط جدار برلين.
وقد عزز تعيينه قاعدةً غير رسمية تتمثل في مبدأ التناوب الإقليمي، وهو مبدأ تحرص الصين بشدة على الالتزام به، ووفقاً لهذه القاعدة، من المتوقع أن يكون الأمين العام القادم للفترة (2027-2032) من منطقة أمريكا اللاتينية.
وفي عام 1991، واستناداً إلى مبدأ التناوب الجغرافي هذا، أعلنت منظمة الوحدة الإفريقية أن أعضاءها الأربعة والخمسين سيصوتون كتلةً واحدة ضد أي مرشح غير إفريقي. وبدا بطرس بطرس غالي وزير الدولة للشؤون الخارجية المصري، الناطق بالفرنسية، مرشحاً مثالياً.
وقد تزامن توليه منصبه في الأول من يناير 1992 مع منعطف تاريخي مهم في مسيرة الأمم المتحدة، تميز بانتهاء حقبة الصراع بين المعسكرات الدولية. ففي 31 يناير 1992 اجتمع مجلس الأمن -لأول مرة- على مستوى رؤساء الدول والحكومات، وطلب من الأمين العام الجديد تقديم توصيات لتعزيز قدرات الأمم المتحدة في مجال الدبلوماسية الوقائية.
وفي هذا السياق، طرحت وثيقته المعنونة «أجندة من أجل السلام»، التي نُشرت في يونيو 1992، البرنامج الأكثر جرأة منذ عهد داغ همرشولد، إذ تضمنت مقترحات بإنشاء قوات دائمة للأمم المتحدة، ونشر قوات وقائية قبل اندلاع النزاعات، وتشكيل وحدات قادرة على العمل حتى في غياب اتفاق لوقف إطلاق النار، غير أن هذه المقترحات لم تكن تحظى بأي فرصة للقبول من جانب الدول الأعضاء الأكثر نفوذاً، على رأسها الولايات المتحدة.
عقب مقتل ثمانية عشر جندياً أمريكياً في مقديشو في أكتوبر 1993، حمّلت السفيرة الأمريكية مادلين أولبرايت الأمين العام للأمم المتحدة المسؤولية عن عملية كانت في الواقع خاضعة للقيادة الأمريكية.
وفي المقابل، لم يتردد بطرس غالي بدوره في تذكير الولايات المتحدة الأمريكية بديونها المستحقة لمنظمة الأمم المتحدة، التي بلغت 1.5 مليار دولار من المتأخرات.
وعندما سعى للحصول على ولاية ثانية عام 1996، نال تأييد أربعة عشر صوتاً من أصل خمسة عشر، وهي أكبر أغلبية يحصل عليها شاغل للمنصب، إلا أن سلطات واشنطن اضطرت إلى استخدام حق النقض (الفيتو) خمس مرات قبل أن يسحب بطرس غالي ترشحه.
أثار ذلك غضب فرنسا، التي أعلنت أنها ستعرقل تعيين أي خلف يتحدث الإنجليزية، ما أدى إلى شلل عمل المجلس عدة أسابيع، إلى أن حوّلت باريس موقفها من استخدام الفيتو إلى الامتناع عن التصويت، ممهدةً بذلك الطريق أمام كوفي عنان.
ثمنت الولايات المتحدة الدور الذي لعبه هذا الدبلوماسي الغاني على رأس إدارة عمليات حفظ السلام إبان أزمتي الصومال ورواندا. وبصفته أول أمين عام ينبثق من داخل الجهاز الإداري للأمم المتحدة، كان لدى عنان طموحات كبيرة لمنصبه؛ فقد أسس الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، وعمل على تقريب الأمم المتحدة من عامة الناس. وفي عام 2001 مُنح جائزة نوبل للسلام مناصفةً مع الأمم المتحدة.
غير أن ولايته الثانية اتسمت بحرب العراق عام 2003، التي وصفها علناً بأنها «غير قانونية»، ما أدى إلى نشوب فترة من التوتر الشديد في العلاقات مع إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش.
وفي عام 2006 تلاقت مصالح الدول الخمس دائمة العضوية بسرعة غير معتادة، إذ استخدمت جميعها بطاقة «تشجيع» -بدءاً من الجولة الرابعة- لصالح السيد بان كي مون وزير خارجية كوريا الجنوبية.
ويُعد بان كي مون تجسيداً لملاحظة عالم السياسة كينت جيه. كيل، الذي اعتبر أن عمليات الاختيار الأكثر سلاسة (مثل حالات فالدهايم، وبان كي مون، ولاحقاً غوتيريش) تُفرز أمناء عامين يتسمون بأكبر قدر من السلبية، في حين أن عمليات الاختيار الأكثر إثارة للجدل -كما في حالات هامرشولد، وبيريز دي كوييار، وعنان- تُفرز أمناء عامين يتمتعون بأكبر قدر من الاستقلالية.
وقد ركّز السيد بان كي جهوده على دبلوماسية المناخ -مساهماً في اعتماد اتفاق باريس عام 2015- وعلى أهداف التنمية المستدامة، وهي نجاحات حقيقية، لكنها في نظر العديد من المراقبين تندرج ضمن خانة الإدارة أكثر من كونها تعبيراً عن قيادة سياسية.
جاء اختيار البرتغالي أنطونيو غوتيريش عام 2016 في ختام عملية اتسمت بقدر أكبر من الشفافية، إذ أطلقت اثنتا عشرة منظمة غير حكومية حملة دولية بعنوان (شخص واحد لسبعة مليارات نسمة)، فارضةً بذلك عقد جلسات استماع علنية أمام الجمعية العامة بمشاركة المنظمات غير الحكومية المعتمدة.
لقد حظي هذا المنصب باهتمام غير مسبوق، حيث تقدم له ثلاثة عشر مرشحاً، بينهم ست نساء، ورغم أن غوتيريش لا يستوفي أياً من الأولويتين السائدتين آنذاك -إذ لم يكن امرأة ولا ينحدر من أوروبا الشرقية- فإن خبرته على رأس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين اعتُبرت رصيداً قيّماً في ظل الارتفاع الهائل في أعداد النازحين حول العالم.
وعلاوة على ذلك، يتمتع أنطونيو غوتيريش ببراعة خطابية معهودة لدى البرلمانيين، فضلا عن أنه يتقن التحدث بعدة لغات، على النقيض من أسلافه ومنافسيه.
ولعل غياب التوتر الأمريكي الروسي بشأن هذه المسألة يثير الانتباه بشكل خاص، ولا سيما أن القوتين تتواجهان في جميع الملفات الأخرى تقريباً. فبالنسبة إلى واشنطن، يُنظر إلى غوتيريش على أنه ديمقراطي اجتماعي أوروبي دؤوب ومجتهد في عمله. وبالنسبة إلى موسكو، تكمن ميزته في أنه أبدى تحفظاً وهدوءاً إزاء ضم شبه جزيرة القرم عام 2014.
وعلاوة على ذلك، يتبنى أنطونيو غوتيريش رؤية للتعاون متعدد الأطراف تتوافق مع رؤية بكين، غير أن سلبيته في مواجهة التفاقم الملحوظ في التشرذم الجيوسياسي خلال ولايته الثانية (2022-2026) تثير الانتقادات وتُقابَل بعدم الفهم.
هل سنشهد في عام 2026 تجلّي «مفارقة التوقعات» من جديد؟ أي ذلك السيناريو المتكرر لمرشحٍ يُختار نظراً إلى سلبيته أو قابليته للانقياد، ثم يتجاوز -بشكل مطرد- توقعات القوى الكبرى (كما حدث مع هامرشولد وبطرس غالي وعنان)؟
تقول أنالينا بيربوك، رئيسة الجمعية العامة، في 18 يونيو 2026 خلال جلسات الاستماع في نيويورك: «إن خيارنا سيحدد مسار المنظمة الوحيدة متعددة الأطراف في العالم. فالأمين العام المقبل لن يصيغ مستقبل هذه المؤسسة فحسب، بل سيصيغ أيضاً مستقبل النظام الدولي الذي أُرسيت دعائمه قبل ثمانين عاماً».
وفي وقت لم يشهد فيه العالم هذا القدر من الصراعات بين الدول منذ عام 1945، هل يمكن لأمين عام جديد أن ينجح في تنفيذ الإصلاحات اللازمة لبقاء الأمم المتحدة، أم أن هذا المنصب محكوم عليه بالبقاء رهينةً لموازين القوى بين الدول الكبرى؟
{ مسؤول سابق في منظمة الأمم المتحدة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك