العدد : ١٧٧٣٢ - السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٢ - السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

اختيار الأمين العام وهيمنة الدول الكبرى على الأمم المتحدة

بقلم: أندريه ميشيل إيسونغو

السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

شهدت‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1981‭ ‬مواجهة‭ ‬محتدمة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬وصراع‭ ‬نفوذ‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العظمي‭ ‬بشأن‭ ‬اختيار‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الجديد‭. ‬فقد‭ ‬عرقلت‭ ‬الصين‭ ‬حصول‭ ‬فالدهايم‭ ‬على‭ ‬ولاية‭ ‬ثالثة،‭ ‬مطالبةً‭ ‬بأن‭ ‬يؤول‭ ‬المنصب‭ ‬لدولة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭.‬

أما‭ ‬المرشح‭ ‬التنزاني‭ ‬سليم‭ ‬أحمد‭ ‬سليم‭ -‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحظى‭ ‬بتأييد‭ ‬دول‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز‭- ‬فقد‭ ‬واجه‭ ‬‮«‬فيتو‮»‬‭ ‬أمريكياً،‭ ‬حيث‭ ‬اعتبرته‭ ‬واشنطن‭ ‬متطرفاً‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينبغي،‭ ‬حيث‭ ‬توالت‭ ‬بعد‭ ‬ست‭ ‬عشرة‭ ‬جولة‭ ‬تصويت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭.‬

وللخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المأزق،‭ ‬ابتكر‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬الياباني‭ ‬‮«‬آبي‭ ‬إساو‮»‬،‭ ‬آليةً‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬سارية‭ ‬المفعول‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«عمليات‭ ‬سبر‭ ‬الآراء‭ ‬الاسترشادية‮»‬‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬أفرزت‭ ‬عملية‭ ‬سبر‭ ‬الآراء‭ ‬اسم‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬البيروفي‭ ‬خافيير‭ ‬بيريز‭ ‬دي‭ ‬كوييار،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬بأي‭ ‬حملة‭ ‬انتخابية،‭ ‬إذ‭ ‬علم‭ ‬بترشحه‭ ‬أثناء‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬ليما‭ ‬عبر‭ ‬مكالمة‭ ‬هاتفية‭ ‬من‭ ‬السفير‭ ‬الإسباني‭.‬

لقد‭ ‬مثّل‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬البيروفي‭ ‬خياراً‭ ‬توافقياً‭ ‬مثالياً؛‭ ‬فهو‭ ‬يتمتع‭ ‬بمصداقية‭ ‬كافية‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬الاحترام،‭ ‬ويتسم‭ ‬بتكتمٍ‭ ‬كافٍ‭ ‬يجعله‭ ‬لا‭ ‬يشكل‭ ‬تهديداً‭ ‬لأي‭ ‬طرف‭.‬

وقد‭ ‬تولى‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬البيروفي‭ ‬التفاوض‭ ‬بشأن‭ ‬الانسحاب‭ ‬السوفيتي‭ ‬من‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬الوساطة‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬العراقية‭ (‬1980-1988‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬أشرف‭ ‬على‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬كمبوديا‭.‬

لقد‭ ‬أضفى‭ ‬بيريز‭ ‬دي‭ ‬كوييار‭ ‬بريقاً‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ ‬تسارعت‭ ‬فيها‭ ‬وتيرة‭ ‬التاريخ‭ ‬مع‭ ‬سقوط‭ ‬جدار‭ ‬برلين‭.‬

وقد‭ ‬عزز‭ ‬تعيينه‭ ‬قاعدةً‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬مبدأ‭ ‬التناوب‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وهو‭ ‬مبدأ‭ ‬تحرص‭ ‬الصين‭ ‬بشدة‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬به،‭ ‬ووفقاً‭ ‬لهذه‭ ‬القاعدة،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬القادم‭ ‬للفترة‭ (‬2027-2032‭) ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬واستناداً‭ ‬إلى‭ ‬مبدأ‭ ‬التناوب‭ ‬الجغرافي‭ ‬هذا،‭ ‬أعلنت‭ ‬منظمة‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية‭ ‬أن‭ ‬أعضاءها‭ ‬الأربعة‭ ‬والخمسين‭ ‬سيصوتون‭ ‬كتلةً‭ ‬واحدة‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬مرشح‭ ‬غير‭ ‬إفريقي‭. ‬وبدا‭ ‬بطرس‭ ‬بطرس‭ ‬غالي‭ ‬وزير‭ ‬الدولة‭ ‬للشؤون‭ ‬الخارجية‭ ‬المصري،‭ ‬الناطق‭ ‬بالفرنسية،‭ ‬مرشحاً‭ ‬مثالياً‭.‬

وقد‭ ‬تزامن‭ ‬توليه‭ ‬منصبه‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬1992‭ ‬مع‭ ‬منعطف‭ ‬تاريخي‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬تميز‭ ‬بانتهاء‭ ‬حقبة‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬المعسكرات‭ ‬الدولية‭. ‬ففي‭ ‬31‭ ‬يناير‭ ‬1992‭ ‬اجتمع‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ -‬لأول‭ ‬مرة‭- ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬رؤساء‭ ‬الدول‭ ‬والحكومات،‭ ‬وطلب‭ ‬من‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الجديد‭ ‬تقديم‭ ‬توصيات‭ ‬لتعزيز‭ ‬قدرات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الوقائية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬طرحت‭ ‬وثيقته‭ ‬المعنونة‭ ‬‮«‬أجندة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬نُشرت‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬1992،‭ ‬البرنامج‭ ‬الأكثر‭ ‬جرأة‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬داغ‭ ‬همرشولد،‭ ‬إذ‭ ‬تضمنت‭ ‬مقترحات‭ ‬بإنشاء‭ ‬قوات‭ ‬دائمة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬ونشر‭ ‬قوات‭ ‬وقائية‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬النزاعات،‭ ‬وتشكيل‭ ‬وحدات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬اتفاق‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقترحات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تحظى‭ ‬بأي‭ ‬فرصة‭ ‬للقبول‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬الأكثر‭ ‬نفوذاً،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

عقب‭ ‬مقتل‭ ‬ثمانية‭ ‬عشر‭ ‬جندياً‭ ‬أمريكياً‭ ‬في‭ ‬مقديشو‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬1993،‭ ‬حمّلت‭ ‬السفيرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مادلين‭ ‬أولبرايت‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬خاضعة‭ ‬للقيادة‭ ‬الأمريكية‭. ‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬بطرس‭ ‬غالي‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬تذكير‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بديونها‭ ‬المستحقة‭ ‬لمنظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬المتأخرات‭.‬

وعندما‭ ‬سعى‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬ولاية‭ ‬ثانية‭ ‬عام‭ ‬1996،‭ ‬نال‭ ‬تأييد‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬صوتاً‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬خمسة‭ ‬عشر،‭ ‬وهي‭ ‬أكبر‭ ‬أغلبية‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬شاغل‭ ‬للمنصب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬سلطات‭ ‬واشنطن‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭) ‬خمس‭ ‬مرات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسحب‭ ‬بطرس‭ ‬غالي‭ ‬ترشحه‭.‬

أثار‭ ‬ذلك‭ ‬غضب‭ ‬فرنسا،‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬أنها‭ ‬ستعرقل‭ ‬تعيين‭ ‬أي‭ ‬خلف‭ ‬يتحدث‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬شلل‭ ‬عمل‭ ‬المجلس‭ ‬عدة‭ ‬أسابيع،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حوّلت‭ ‬باريس‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬الفيتو‭ ‬إلى‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬التصويت،‭ ‬ممهدةً‭ ‬بذلك‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬كوفي‭ ‬عنان‭.‬

ثمنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبه‭ ‬هذا‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬الغاني‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬إدارة‭ ‬عمليات‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬إبان‭ ‬أزمتي‭ ‬الصومال‭ ‬ورواندا‭. ‬وبصفته‭ ‬أول‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬ينبثق‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الجهاز‭ ‬الإداري‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬عنان‭ ‬طموحات‭ ‬كبيرة‭ ‬لمنصبه؛‭ ‬فقد‭ ‬أسس‭ ‬الصندوق‭ ‬العالمي‭ ‬لمكافحة‭ ‬الإيدز‭ ‬والسل‭ ‬والملاريا،‭ ‬وعمل‭ ‬على‭ ‬تقريب‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬مُنح‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬مناصفةً‭ ‬مع‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية‭ ‬اتسمت‭ ‬بحرب‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬علناً‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬غير‭ ‬قانونية‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬نشوب‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬آنذاك‭ ‬جورج‭ ‬دبليو‭ ‬بوش‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬2006‭ ‬تلاقت‭ ‬مصالح‭ ‬الدول‭ ‬الخمس‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية‭ ‬بسرعة‭ ‬غير‭ ‬معتادة،‭ ‬إذ‭ ‬استخدمت‭ ‬جميعها‭ ‬بطاقة‭ ‬‮«‬تشجيع‮»‬‭ -‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬الجولة‭ ‬الرابعة‭- ‬لصالح‭ ‬السيد‭ ‬بان‭ ‬كي‭ ‬مون‭ ‬وزير‭ ‬خارجية‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭.‬

ويُعد‭ ‬بان‭ ‬كي‭ ‬مون‭ ‬تجسيداً‭ ‬لملاحظة‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬كينت‭ ‬جيه‭. ‬كيل،‭ ‬الذي‭ ‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬عمليات‭ ‬الاختيار‭ ‬الأكثر‭ ‬سلاسة‭ (‬مثل‭ ‬حالات‭ ‬فالدهايم،‭ ‬وبان‭ ‬كي‭ ‬مون،‭ ‬ولاحقاً‭ ‬غوتيريش‭) ‬تُفرز‭ ‬أمناء‭ ‬عامين‭ ‬يتسمون‭ ‬بأكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬السلبية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬عمليات‭ ‬الاختيار‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للجدل‭ -‬كما‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬هامرشولد،‭ ‬وبيريز‭ ‬دي‭ ‬كوييار،‭ ‬وعنان‭- ‬تُفرز‭ ‬أمناء‭ ‬عامين‭ ‬يتمتعون‭ ‬بأكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاستقلالية‭.‬

وقد‭ ‬ركّز‭ ‬السيد‭ ‬بان‭ ‬كي‭ ‬جهوده‭ ‬على‭ ‬دبلوماسية‭ ‬المناخ‭ -‬مساهماً‭ ‬في‭ ‬اعتماد‭ ‬اتفاق‭ ‬باريس‭ ‬عام‭ ‬2015‭- ‬وعلى‭ ‬أهداف‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬وهي‭ ‬نجاحات‭ ‬حقيقية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬خانة‭ ‬الإدارة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬قيادة‭ ‬سياسية‭.‬

جاء‭ ‬اختيار‭ ‬البرتغالي‭ ‬أنطونيو‭ ‬غوتيريش‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬عملية‭ ‬اتسمت‭ ‬بقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الشفافية،‭ ‬إذ‭ ‬أطلقت‭ ‬اثنتا‭ ‬عشرة‭ ‬منظمة‭ ‬غير‭ ‬حكومية‭ ‬حملة‭ ‬دولية‭ ‬بعنوان‭ (‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬لسبعة‭ ‬مليارات‭ ‬نسمة‭)‬،‭ ‬فارضةً‭ ‬بذلك‭ ‬عقد‭ ‬جلسات‭ ‬استماع‭ ‬علنية‭ ‬أمام‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬بمشاركة‭ ‬المنظمات‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬المعتمدة‭.‬

لقد‭ ‬حظي‭ ‬هذا‭ ‬المنصب‭ ‬باهتمام‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬حيث‭ ‬تقدم‭ ‬له‭ ‬ثلاثة‭ ‬عشر‭ ‬مرشحاً،‭ ‬بينهم‭ ‬ست‭ ‬نساء،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬غوتيريش‭ ‬لا‭ ‬يستوفي‭ ‬أياً‭ ‬من‭ ‬الأولويتين‭ ‬السائدتين‭ ‬آنذاك‭ -‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬امرأة‭ ‬ولا‭ ‬ينحدر‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭- ‬فإن‭ ‬خبرته‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬مفوضية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لشؤون‭ ‬اللاجئين‭ ‬اعتُبرت‭ ‬رصيداً‭ ‬قيّماً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الارتفاع‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬النازحين‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يتمتع‭ ‬أنطونيو‭ ‬غوتيريش‭ ‬ببراعة‭ ‬خطابية‭ ‬معهودة‭ ‬لدى‭ ‬البرلمانيين،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬يتقن‭ ‬التحدث‭ ‬بعدة‭ ‬لغات،‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬أسلافه‭ ‬ومنافسيه‭.‬

ولعل‭ ‬غياب‭ ‬التوتر‭ ‬الأمريكي‭ ‬الروسي‭ ‬بشأن‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬يثير‭ ‬الانتباه‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬القوتين‭ ‬تتواجهان‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الملفات‭ ‬الأخرى‭ ‬تقريباً‭. ‬فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن،‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬غوتيريش‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ديمقراطي‭ ‬اجتماعي‭ ‬أوروبي‭ ‬دؤوب‭ ‬ومجتهد‭ ‬في‭ ‬عمله‭. ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬موسكو،‭ ‬تكمن‭ ‬ميزته‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬أبدى‭ ‬تحفظاً‭ ‬وهدوءاً‭ ‬إزاء‭ ‬ضم‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬القرم‭ ‬عام‭ ‬2014‭.‬

‭ ‬وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يتبنى‭ ‬أنطونيو‭ ‬غوتيريش‭ ‬رؤية‭ ‬للتعاون‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬بكين،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سلبيته‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التفاقم‭ ‬الملحوظ‭ ‬في‭ ‬التشرذم‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬خلال‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية‭ (‬2022-2026‭) ‬تثير‭ ‬الانتقادات‭ ‬وتُقابَل‭ ‬بعدم‭ ‬الفهم‭.‬

هل‭ ‬سنشهد‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬تجلّي‭ ‬‮«‬مفارقة‭ ‬التوقعات‮»‬‭ ‬من‭ ‬جديد؟‭ ‬أي‭ ‬ذلك‭ ‬السيناريو‭ ‬المتكرر‭ ‬لمرشحٍ‭ ‬يُختار‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬سلبيته‭ ‬أو‭ ‬قابليته‭ ‬للانقياد،‭ ‬ثم‭ ‬يتجاوز‭ -‬بشكل‭ ‬مطرد‭- ‬توقعات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ (‬كما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬هامرشولد‭ ‬وبطرس‭ ‬غالي‭ ‬وعنان‭)‬؟

تقول‭ ‬أنالينا‭ ‬بيربوك،‭ ‬رئيسة‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة،‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬يونيو‭ ‬2026‭ ‬خلال‭ ‬جلسات‭ ‬الاستماع‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭: ‬‮«‬إن‭ ‬خيارنا‭ ‬سيحدد‭ ‬مسار‭ ‬المنظمة‭ ‬الوحيدة‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فالأمين‭ ‬العام‭ ‬المقبل‭ ‬لن‭ ‬يصيغ‭ ‬مستقبل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬سيصيغ‭ ‬أيضاً‭ ‬مستقبل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬أُرسيت‭ ‬دعائمه‭ ‬قبل‭ ‬ثمانين‭ ‬عاماً‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬لأمين‭ ‬عام‭ ‬جديد‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬الإصلاحات‭ ‬اللازمة‭ ‬لبقاء‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنصب‭ ‬محكوم‭ ‬عليه‭ ‬بالبقاء‭ ‬رهينةً‭ ‬لموازين‭ ‬القوى‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى؟

 

{‭ ‬مسؤول‭ ‬سابق‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا