ها قد مضت ثلاث سنوات على عملية السابع من أكتوبر التي أطلقت مارد الحرب الإسرائيلي من عقاله، بحيث تحولت سريعاً إلى حرب إبادة جماعية في قطاع غزة، وفق التصنيف الجنائي الدولي، مترافقة مع حرب تطهير عرقي في الضفة الفلسطينية، وجرائم حرب في لبنان واليمن إضافة إلى عمليات عربدة عسكرية إسرائيلية في سورية والعراق وحتى قطر.
وقد أظهرت هذه الحرب التي مازالت مستمرة حتى الآن، بل مازالت طبيعتها كحرب إبادة متواصلة في قطاع غزة، الجوهر الحقيقي لإسرائيل التي رفضت الحل السياسي، أو الحل الوسط، الذي طالما ادعت السعي إليه عبر عقود، وكان قد لاح بشكل جدي وفعلي في اتفاقيات أوسلو، التي وقعتها بنفسها، بل وكانت نتيجة تفاوض ذاتي، وليس نتيجة تفاوض كانت إسرائيل مكرهة عليه، كما كان حال مفاوضات مدريد، والجوهر الحقيقي لإسرائيل الحالية هو جوهر استعماري - احتلالي ذو نزعة امبراطورية توسعية، ما كان له أن يعلن نفسه، إلا بعد تحقق أمرين أساسيين، أحدهما داخلي والآخر خارجي.
يمكن القول إن إسرائيل وقفت أمام تجاذباتها الداخلية في لحظة فارقة حين وقعت اتفاق أوسلو، الذي كان يتوافق مع طبيعة الدولة «الأشكنازية» التي أقيمت بإرادة الغرب الأوروبي، ما بين الحربين العالميتين، وخلال الحرب الباردة، لكن ذلك حدث بعد أن كان «جنين» الدولة اللاهوتية الاستعمارية قد شب، بل ووصل إلى الحكم مع صعود الليكود عام 1976، أي أن عام 1994 كان يمثل لحظة توازن داخلي، ودليل ذلك أن حكومة رابين - بيريز التي وقعت الاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية كانت تتمتع بأغلبية برلمانية بسيطة، مكونة من 56 عضو كنيست، منهم 44 من حزب العمل و12 من حركة ميرتس، مع شبكة أمان عربية مكونة من خمسة نواب، لذلك نجحت «دولة الغرب الإسرائيلية» إن صح التعبير في التوصل إلى اتفاق الحل الوسط التاريخي مع الجانب الفلسطيني، بينما كانت ترجمة الحل إلى واقع أمراً آخر، فقد فشلت تلك «الدولة» أو تلك القوة الداخلية في ترجمته إلى واقع، بل فشلت في الاحتفاظ بالحكم، رغم أنها سارعت إلى تبكير موعد الانتخابات في محاولة لاستثمار اغتيال اليمين الإسرائيلي لإسحق رابين، بسبب توقيعه أوسلو، ولكن فاز بمنصب أول رئيس حكومة منتخب مباشرة بنيامين نتنياهو وبشكل مفاجئ.
كان نتنياهو مستجدا سياسياً حين تولى منصب رئيس الحكومة لأول مرة عام 1996، ورغم الصلاحيات الاستثنائية التي تمتع بها حينها، فإنه بسبب من الرعاية الأمريكية لأوسلو، الذي اتبع باتفاق وادي عربة، وبافتتاح نحو خمسة مكاتب تمثيل عربية في تل أبيب، إلى متابعة أوسلو بصعوبة، وكان ذلك سبب سقوطه، حين وقع بروتوكول الخليل، وقد حفظ الدرس جيداً لاحقاً، واستوعب أن بقاء إسرائيل متأرجحة داخلياً، لن يمكنها من الذهاب بعيداً، في تحقيق مشروعها اللاهوتي التاريخي، الذي عبر عنه خلال حرب الإبادة الحالية بالقول حرفياً، لصحيفة تايمز أوف إسرائيل وقناة آي 24 نيوز في اغسطس 2025، إنه في مهمة تاريخية وروحية ومهمة أجيال نيابة عن الشعب اليهودي، وإنه متمسك برؤية إسرائيل الكبرى.
وهو كذلك تولى الحكم كمرحلة وسيطة بين القوتين الداخليتين حزب كاديما - أرئيل شارون، إيهود أولمرت، وتسيفي ليفني، خلال الفترة ما بين 2001-2009، وهؤلاء ليكوديون يمينيون عارضوا أوسلو، لكن تركز جهدهم لقطع الطريق على أوسلو الذي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، بفصل غزة عن الضفة، وذلك عام 2005-2007، في عهد حكوماتهم المتتالية خلال تلك الفترة، ليتولى نتنياهو مجدداً زمام الحكم منذ عام 2009 حتى الآن تقريباً، بعد أن تلاشى اليسار الذي يعتبر قوة ما يمكن توصيفه مجازاً «كدولة الأشكناز الغربية» المقيمة جغرافيا على ساحل البحر، وتقريباً على معظم الأرض المقرة للدولة اليهودية وفق قرار التقسيم الأممي عام 1947.
خلال فترته الطويلة في الحكم، قام نتنياهو أولاً بمراوغة الإدارة الأمريكية، تحديداً إبان ولاية باراك أوباما الديمقراطية، التي حاولت مواصلة سياسة بيل كلينتون (1992 - 2000) التي كانت قطعتها إدارة جورج بوش الابن (2000 - 2008)، وذلك بمنع التوصل إلى الحل النهائي، ثم بإغلاق الباب التفاوضي نهائياً عام 2014، وفي الوقت نفسه برعاية الاستيطان، لأنه كان يدرك أن المستوطنين هم القوة الضاربة لتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، ذلك المشروع الذي يتطلب تحقيقه التنفيذ عبر مرحلتين متتاليتين أو متلازمتين، هما مد حدود إسرائيل التي مازالت غير معرفة أو نهائية لتشمل كل أرض فلسطين التاريخية/الانتدابية، وتجاوز هذه الحدود نحو الحدود النهائية ما بين نهري الفرات والنيل، واحتلال ما يمكن احتلاله من أراضي لبنان، سورية، الأردن، العراق، السعودية ومصر.
وهكذا مع مرور الوقت لم يعد المستوطنون نحو 300 ألف مستوطن عام 2009، بل بلغوا حالياً نحو 750 ألف مستوطن، وهذا يدل تماماً على ما فعله نتنياهو على هذا الصعيد، وهذا انعكس سياسياً من خلال دخول ممثليهم الكنيست أولاً، ثم الحكومة تالياً، إلى أن صاروا الشريك الرئيس، بل المتحكم بمقود الليكود عبر كل من بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذين يسكنان في المستوطنات.
أما ما يتعلق بالظرف الخارجي، فبدأ أولاً بزج كل من العراق وإيران في حرب الثمانية أعوام، لأن كليهما كان يعتبر دولة معادية لإسرائيل، ثم بشن الحرب على العراق عبر استثمار احتلاله للكويت عام 1990، وصولاً إلى احتلاله بالكامل وإسقاط نظامه عام 2003، حيث بات العراق ليس فقط دولة غير معادية لإسرائيل، بل دولة ضعيفة ومفككة وغير فاعلة إقليمياً.
المهم أن إسرائيل بعد اضعاف العراق باحتلاله وإبعاده من دائرة الطوق المحيط بها والذي يقف حائلاً دون تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، وجدت في «الربيع العربي» ضالتها في إكمال مهمة تدمير الدول العربية القوية التي تشكل عائقاً أمام مشروعها التوسعي الاستعماري، وليس تهديداً وجودياً لدولتها المعترف بها دولياً على ساحل البحر بعاصمتها تل أبيب، وهذا انطبق بالأساس على سورية، ومن بعيد على ليبيا واليمن.
ان سعي إسرائيل إلى تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى، ومحاولة أمريكا تثبيت أركان النظام العالمي الأمريكي الذي تلا انهيار النظام العالمي ثنائي القطبية الذي كان خلال الحرب الباردة، هو ما يفسر شن الحرب على إيران، ولقد كان نتنياهو واضحاً تماماً في سعيه لهذا الهدف، وكذلك كان ترامب مثله واضحاً في سعيه لمواصلة قطع الطريق على الصين، وأعلن نتنياهو هذا بقوله إنه أقام تحالفاً مع الهند واليونان، وإنه يحارب القوس الشيعي أولاً، ومن ثم سيحارب القوس السني، أي تركيا وباكستان، وإسرائيل تفترض خروجاً أمريكياً من الشرق الأوسط بعد وقت، لذا تسعى للسيطرة عليه، ومن أجل هذا هي بحاجة إلى دولة واسعة جغرافياً هي إسرائيل الكبرى.
ان إسرائيل تبدو أكثر اصراراً من أمريكا على مواصلة الحرب، على كل الجبهات، ولذلك فإن أمريكا رغم توصلها إلى وثيقة التفاهم مع إيران في يونيو 2026 فإنها فشلت في فتح الطريق أمام الحل السياسي، ومازال التهديد العسكري قائماً، أما في غزة فإن إسرائيل تواصل حرب الإبادة باحتلال 63% من أرضها متجاوزة حتى الخط الأصفر، ومازالت تواصل القتل اليومي وتمنع الغذاء، وبذلك صار ظهرها للحائط، وهي أمام خيارين: مستقبل غامض بإسرائيل كبرى، أو ماضٍ ممكن بإسرائيل مع حل الدولتين.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك