إن قدرة الحزب الديمقراطي على العودة إلى مقاعد الأغلبية في مجلسي الكونجرس في انتخابات نوفمبر، ناهيك عن قدرتهم على الحكم بعدها لم تُحسم بعد.
صحيح إن قدرتهم على الفوز بمقاعد الأغلبية بمجلس النواب أقرب إلى التحقق بالمقارنة بالأغلبية بمجلس الشيوخ، لكن كلتيهما تتأرجح يوميًا وفق أوضاع الاقتصاد بل والسياسة الخارجية.
فباستثناءات قليلة، تحسم القضايا الداخلية لا الخارجية انتخابات الكونجرس. والانتخابات القادمة مرشحة لتكون من بين تلك الاستثناءات. فانخراط أمريكا في أزمة خارجية أو حرب على رأس ما يصنع استثناء من القاعدة. عندئذ تلعب السياسة الخارجية دورا فاعلا في حسم النتائج.
لكن الحرب ضد إيران مرشحة لأن تلعب دورا أكبر من حروب سابقة، إذ لعلها المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي يتأثر فيها الاقتصاد الأمريكي سلبًا بالحرب الدائرة خارج الحدود. فالأمريكيون لا يهتمون كثيرًا بما تفعله حكومتهم خارج الحدود طالما لا يؤثر في حياتهم اليومية.
لكنهم استيقظوا هذه المرة على حقيقة جديدة مؤداها أن سياسة بلادهم الخارجية، سواء كانت الحرب ضد إيران، أو حتى التعريفات الجمركية، بالمناسبة، لها مردودها المباشر على قدراتهم الشرائية وحياتهم اليومية.
أكثر من ذلك، انتبه قطاع مهم من تيار ترامب إلى أن تلك الحرب لا ناقة لبلادهم فيها ولا جمل، وإنما يدفعون فيها ثمن رغبات وأجندات إسرائيلية. وبذلك ازدادت القطاعات الرافضة لدعم إسرائيل، بل صار حزب ترامب منقسمًا على نفسه. فبدلًا من أن يقف وراء رئيسه الذي يخوض حربًا، بات قطاع واسع في الحزب ضده بسببها.
أضف إلى ذلك أن الموقف السلبي للناخب الديمقراطي تجاه إسرائيل في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي طوال الأشهر الماضية كان عاملًا رئيسيًا في تحديد النتائج، حتى أن مرشحين كثرًا تعهدوا علنًا، لأول مرة، بعدم قبول تمويل انتخابي من لوبي إسرائيل. كما أن شعبية ترامب، التي وصلت إلى 23%، لم تحسم انتخابات مجلس الشيوخ لصالح الديمقراطيين لأن موقف الناخب الجمهوري من مرشحي حزبه للكونجرس، لا من الرئيس، يتذبذب حاليًا مع تذبذب أسعار البترول، الأمر الذي يعني أن الديمقراطيين سيحتاجون، للسيطرة على مجلس الشيوخ، لفارق ضخم بينهم وبين الجمهوريين في عدد الأصوات.
لكن الأخطر من هذا كله أن الحزب الديمقراطي لا يبارح مكانه، إذ لا يزال يتمترس وراء السياسات الاقتصادية والخارجية نفسها التي رفضها ناخبوه. وخطورة ذلك مصدرها أن الانتخابات التشريعية تحسمها نسبة من يذهبون إلى صناديق الاقتراع.
صحيح أن هناك رفضًا واسعًا لسياسات الجمهوريين، لكن انعدام الثقة في الديمقراطيين قد تجعل ناخبي الحزب يحجمون عن التصويت أصلًا فتحسم أصوات الجمهوريين النتيجة.
وحتى لو افترضنا أن الديمقراطيين نجحوا، بشكل أو بآخر، في الفوز بمقاعد الأغلبية في المجلسين، فليس واضحًا ما إذا كانوا سيغيرون الكثير أو يستمرون لأكثر من عامين، هما عمر الكونجرس الذي سينتخب في نوفمبر.
ذلك أنه من دون أجندة سياسية جريئة تمثل تحولًا جوهريًا بعيدًا عن سياسات النيوليبرالية التي لا يستفيد منها سوى الأثرياء والشركات العملاقة، وبعيدًا عن البقاء رهينة للتمويل الذي تقدمه جماعات المصالح، بل ومن دون أفكار جديدة في السياسة الخارجية تتخلى عن الدعم اللا مشروط لإسرائيل، وعن مفاهيم الإمبراطورية التي تتحكم في العالم.
من دون ذلك كله، فإن الأقرب للواقع أن تعيد قيادات الديمقراطيين إنتاج السياسات ذاتها وتحجم عن تبني تغييرات ذات بال تعيد بناء الثقة في الحزب. وإذا حدث ذلك، سيصبح الديمقراطيون على الأرجح، حتى حال فوزهم في نوفمبر، مجرد جملة اعتراضية بين كونجرسين كليهما يسيطر عليه الجمهوريون!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك