العدد : ١٧٧٣٢ - السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٢ - السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

المأزق العالمي في ظل الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي

بقلم: حسن نافعة

الجمعة ٠٩ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬دولة‭ ‬حديثة‭ ‬النشأة‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬عمرها‭ ‬على‭ ‬قرنين‭ ‬ونصف‭ ‬القرن،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬أياً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬عبر‭ ‬العصور،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬ما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭. ‬فإذا‭ ‬أخذنا‭ ‬النفقات‭ ‬العسكرية‭ ‬كمؤشر،‭ ‬فسوف‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬ميزانيتها‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجموع‭ ‬ميزانيات‭ ‬الدول‭ ‬العشر‭ ‬التي‭ ‬تليها‭ ‬في‭ ‬الترتيب‭.‬

ولأن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الميزانية،‭ ‬على‭ ‬ضخامتها،‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تستحقه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬قرر‭ ‬زيادتها‭ ‬لتبلغ‭ ‬تريليوناً‭ ‬ونصف‭ ‬تريليون‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬اعتباراً‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬المقبل،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يساوي‭ ‬حجم‭ ‬الإنفاق‭ ‬الكلي‭ ‬لما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬دول‭ ‬‮«‬الجنوب‭ ‬العالمي‮»‬‭ ‬مجتمعة‭.‬

فإذا‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬مؤشرات‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة،‭ ‬بمكوناتها‭ ‬الصلبة‭ ‬والناعمة‭ ‬والذكية،‭ ‬لتبيّن‭ ‬لنا‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتل‭ ‬موقع‭ ‬الصدارة‭ ‬على‭ ‬سلّم‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬المعاصر،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬الدولة‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬مساره‭ ‬سلباً‭ ‬وإيجاباً،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أنها‭ ‬ستظل‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بموقع‭ ‬الصدارة‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬الأجدر‭ ‬بقيادة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬القانوني‭ ‬والأخلاقي‭.‬

قبل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قوة‭ ‬صاعدة‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬على‭ ‬جوارها‭ ‬الجغرافي‭ ‬المباشر،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬صدور‭ ‬‮«‬مبدأ‭ ‬مونرو‮»‬‭ (‬1823‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬استهدف‭ ‬منع‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الأمريكيتين‭ ‬وساعد‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الشمالي‭ ‬منطقة‭ ‬نفوذ‭ ‬خالصة‭ ‬تنفرد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالهيمنة‭ ‬عليها‭.‬

وحين‭ ‬اضطرت‭ ‬الأخيرة‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬اعتقد‭ ‬الرئيس‭ ‬ويلسون‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬لتأسيس‭ ‬منظمة‭ ‬عالمية‭ ‬لإدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬تتعهد‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬بموجبه‭ ‬بتقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬متبادلة،‭ ‬وبعدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للدول‭ ‬الأخرى‭. ‬ولأن‭ ‬الفكرة‭ ‬لاقت‭ ‬ترحيباً‭ ‬واسعاً‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الدول‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬فرساي،‭ ‬فقد‭ ‬أوكلت‭ ‬إلى‭ ‬ويلسون‭ ‬رئاسة‭ ‬اللجنة‭ ‬التي‭ ‬تولّت‭ ‬صياغة‭ ‬عهد‭ ‬‮«‬عصبة‭ ‬الأمم‮»‬،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬التيار‭ ‬الانعزالي‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬إقناع‭ ‬الكونجرس‭ ‬بالتصديق‭ ‬على‭ ‬معاهدات‭ ‬الصلح،‭ ‬ما‭ ‬حال‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عضواً‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬منظمة‭ ‬عالمية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين،‭ ‬ما‭ ‬تسبّب‭ ‬في‭ ‬إضعافها‭ ‬ثم‭ ‬انهيارها‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬على‭ ‬تأسيسها‭.‬

أسفرت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬عن‭ ‬تغييرات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭. ‬فقد‭ ‬هُزمت‭ ‬دول‭ ‬المحور‭ (‬ألمانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬واليابان‭)‬،‭ ‬وتمكنت‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬المتحالفة‭ ‬والمنتصرة‭ (‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬والصين‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وفرنسا‭) ‬من‭ ‬إقامة‭ ‬نظام‭ ‬جديد‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬يديره‭ ‬مجلس‭ ‬تشغل‭ ‬هي‭ ‬فيه‭ ‬المقاعد‭ ‬الدائمة،‭ ‬ويكون‭ ‬لها‭ ‬حق‭ ‬الاعتراض‭ ‬على‭ ‬قراراته‭ (‬الفيتو‭)‬،‭ ‬ولأن‭ ‬التوازنات‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تصمد‭ ‬طويلاً،‭ ‬بسبب‭ ‬انقسام‭ ‬الدول‭ ‬المتحالفة‭ ‬إلى‭ ‬معسكرين‭ ‬متصارعين،‭ ‬أحدهما‭ ‬رأسمالي‭ ‬تقوده‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والآخر‭ ‬اشتراكي‭ ‬يقوده‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬تعطّل‭ ‬نظام‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬استكمال‭ ‬الآليات‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬واندلعت‭ ‬بينهما‭ ‬حرب‭ ‬باردة،‭ ‬أُديرت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أداتين‭ ‬رئيسيتين‭: ‬توازن‭ ‬رعب‭ ‬نووي،‭ ‬ساعد‭ ‬وجوده‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬احترام‭ ‬الخطوط‭ ‬العسكرية‭ ‬الحمراء،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وفيتو،‭ ‬ساعد‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬احترام‭ ‬الخطوط‭ ‬السياسية‭ ‬الحمراء‭.‬

ولأن‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬حظي‭ ‬بأربعة‭ ‬أخماس‭ ‬المقاعد‭ ‬الدائمة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬رجحت‭ ‬كفته‭ ‬السياسية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الإسراف‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الفيتو،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمامه‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬سوى‭ ‬اللجوء‭ ‬المكثف‭ ‬إلى‭ ‬الفيتو‭ ‬لحماية‭ ‬مصالحة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬أن‭ ‬حكومة‭ ‬تايوان‭ ‬ظلت‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1971‭ ‬تتمتع‭ ‬رسمياً‭ ‬بوضع‭ ‬الممثل‭ ‬الشرعي‭ ‬لدولة‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وحين‭ ‬تم‭ ‬تصحيح‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المعوج‭ ‬كانت‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬قد‭ ‬انشقت‭ ‬عن‭ ‬المعسكر‭ ‬الشرقي‭!‬

تشير‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الرسمية‭ ‬للتصويت‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬حق‭ ‬الفيتو‭ ‬طوال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬تأسيس‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬1945وحتى‭ ‬منتصف‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬بينما‭ ‬استخدمه‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬26‭ ‬مرة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الزمنية‭ ‬نفسها،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬باستغلال‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬إعلامياً،‭ ‬عبر‭ ‬الادّعاء‭ ‬بأن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬ينتهج‭ ‬سياسة‭ ‬تتنافى‭ ‬مع‭ ‬مقاصد‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وأصبح‭ ‬يشكل‭ ‬عقبة‭ ‬كأداء‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تمكين‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬وظائفها‭ ‬وفرض‭ ‬احترام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬بدأ‭ ‬يتغير‭ ‬تدريجياً‭ ‬اعتباراً‭ ‬من‭ ‬منتصف‭ ‬السبعينيات،‭ ‬ثم‭ ‬انقلب‭ ‬على‭ ‬عقبيه‭ ‬تماماً‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬فصاعداً،‭ ‬الدولة‭ ‬الأكثر‭ ‬استخداما‭ ‬للفيتو،‭ ‬ثم‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬لاحقة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إبّان‭ ‬الحقبة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬مباشرةً‭ ‬الدولة‭ ‬الوحيدة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الفيتو‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬أحادي‭ ‬القطبية،‭ ‬ولأهداف‭ ‬تتنافى‭ ‬تماماً،‭ ‬ليس‭ ‬مع‭ ‬الأغراض‭ ‬التي‭ ‬شُرّع‭ ‬الفيتو‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬لأهداف‭ ‬تتناقض‭ ‬كلياً‭ ‬مع‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬نصاً‭ ‬وروحاً‭.‬

فقد‭ ‬استخدمته‭ ‬يوم‭ ‬الـ‭ ‬4‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭ ‬ضد‭ ‬مشروع‭ ‬قرار‭ ‬يطالب‭ ‬بوقف‭ ‬فوري‭ ‬ودائم‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ورفع‭ ‬القيود‭ ‬عن‭ ‬دخول‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ثم‭ ‬تكرر‭ ‬المشهد‭ ‬نفسه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الـ‭ ‬18‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025،‭ ‬حين‭ ‬استخدمته‭ ‬ضد‭ ‬مشروع‭ ‬قرار‭ ‬يطالب‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬رغم‭ ‬حصوله‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬استخدمت‭ ‬حقاً‭ ‬إجرائياً‭ ‬لتمكين‭ ‬دولة‭ ‬مارقة‭ ‬من‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬ومواصلة‭ ‬جرائمها‭.‬

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإسراف‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬حق‭ ‬الفيتو‭ ‬لحماية‭ ‬دولة‭ ‬تحتل‭ ‬أراضي‭ ‬الغير‭ ‬وتمارس‭ ‬سياسات‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬والتهجير‭ ‬القسري‭ ‬وترتكب‭ ‬جرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ليس‭ ‬الشاهد‭ ‬الوحيد‭ ‬على‭ ‬مخالفة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬وتحدّيها‭ ‬لإرادة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬فقد‭ ‬قطعت‭ ‬شوطاً‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬تعمّد‭ ‬هدم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬أيضاً‭. ‬فقد‭ ‬رفضت‭ ‬منح‭ ‬الرئيس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬محمود‭ ‬عباس‭ ‬تأشيرة‭ ‬دخول‭ ‬لإلقاء‭ ‬كلمته‭ ‬أمام‭ ‬الدورة‭ ‬الحالية‭ ‬للجمعية‭ ‬العامة،‭ ‬التي‭ ‬افتُتحت‭ ‬أعمالها‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ (‬22/9/2026‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬شكّل‭ ‬انتهاكاً‭ ‬جسيماً‭ ‬لنص‭ ‬الفقرة‭ ‬الخامسة‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬105‭ ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬تمتّع‭ ‬ممثلي‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬بامتيازات‭ ‬وحصانات‭ ‬تمكّنهم‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬وظائفهم‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة،‭ ‬وخرقاً‭ ‬فاضحاً‭ ‬لنص‭ ‬المادة‭ ‬13‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬المقر،‭ ‬الموقّعة‭ ‬عام‭ ‬1947،‭ ‬التي‭ ‬تُلزم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بمنح‭ ‬ممثلي‭ ‬الدول‭ ‬تأشيرات‭ ‬دخول‭ ‬‮«‬من‭ ‬دون‭ ‬مقابل‭ ‬وفي‭ ‬أسرع‭ ‬وقت‭ ‬ممكن‮»‬‭. ‬ولم‭ ‬تجد‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الخرق‭ ‬الفاضح،‭ ‬من‭ ‬سبيل‭ ‬سوى‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬يتيح‭ ‬للرئيس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬إلقاء‭ ‬كلمته‭ ‬عن‭ ‬بُعد،‭ ‬تم‭ ‬إقراره‭ ‬بأغلبية‭ ‬152‭ ‬دولة،‭ ‬ولم‭ ‬ترفضه‭ ‬سوى‭ ‬3‭ ‬دول،‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬و«إسرائيل‮»‬‭ ‬وأوروغواي،‭ ‬وامتناع‭ ‬4‭ ‬دول‭ ‬عن‭ ‬التصويت،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬عزلة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬المفارقة‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الأخيرة‭ ‬لم‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬نتنياهو،‭ ‬المطلوب‭ ‬للمثول‭ ‬أمام‭ ‬محكمة‭ ‬الجنايات‭ ‬الدولية‭ ‬بتهمة‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬وجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية،‭ ‬تأشيرة‭ ‬مكنتّنه،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬مخاطبة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬منبر‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها،‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬قمة‭ ‬الصلف‭ ‬والتحدّي‭.‬

تدل‭ ‬تصرفات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الأقوى‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭ ‬لا‭ ‬تتعمّد‭ ‬إهانة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬تسعى‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬هدم‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترضي‭ ‬عنها،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬تابعة‭ ‬لمنظومة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬من‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬وكالة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لغوث‭ ‬وتشغيل‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ (‬أونروا‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬أحد‭ ‬الفروع‭ ‬المشكّلة‭ ‬عام‭ ‬1949‭ ‬بقرار‭ ‬من‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة،‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬القرن،‭ ‬والمحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬وهي‭ ‬مؤسسة‭ ‬دولية‭ ‬مستقلة‭ ‬نشأت‭ ‬بموجب‭ ‬معاهدة‭ ‬روما‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭ ‬عام‭ ‬2002‭.‬

حين‭ ‬تصبح‭ ‬القوة‭ ‬الأعظم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر،‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بالجهد‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الراهن،‭ ‬والتي‭ ‬تستضيف‭ ‬مقر‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬والتي‭ ‬تملك‭ ‬أكثر‭ ‬الأدوات‭ ‬تأثيراً‭ ‬ونفوذاً‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬الدولي،‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬المتهمة‭ ‬بتقويض‭ ‬الأسس‭ ‬والقواعد‭ ‬القانونية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الدافع‭ ‬وراء‭ ‬سلوكها‭ ‬المنحرف‭ ‬يتعلق‭ ‬بمساعدة‭ ‬وإنقاذ‭ ‬كيان‭ ‬توسعي‭ ‬متهم‭ ‬بارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬وإبادة‭ ‬جماعية‭ ‬وجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية،‭ ‬فنحن‭ ‬إزاء‭ ‬مفارقة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الراهن‭ ‬يتداعى،‭ ‬وأن‭ ‬الوقت‭ ‬حان‭ ‬لتركه‭ ‬ينهار،‭ ‬وللسعي‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬جديد‭ ‬يُدار‭ ‬وفق‭ ‬أسس‭ ‬وقواعد‭ ‬فلسفية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬مختلفة‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا