كشفت الحرب الأمريكية - الإيرانية الراهنة عن حقيقة لا يجوز تجاهلها: أزمة الشرق الأوسط ليست فقط في تعدد الصراعات، وإنما في غياب نظام أمنى إقليمي قادر على منعها من التحول إلى حروب مفتوحة. فمنذ سنوات، تتعامل دول المنطقة مع أمنها من خلال القوة العسكرية والتحالفات والردع المتبادل والاستقواء بالقوى الخارجية، بينما تتراجع الدبلوماسية والتفاوض والوساطة إلى مرتبة الأدوات الثانوية التي لا يتم اللجوء إليها إلا بعد اندلاع الحروب. والنتيجة هي شرق أوسط أكثر تسلحًا وأقل أمنًا، وأكثر اعتمادًا على القوى الخارجية وأقل قدرة على إدارة شؤونه بنفسه.
الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تقدم المثال الأوضح على هذه المعضلة. فمن ناحية، لا يمكن تجاهل أن إيران أسهمت على مدى عقود في تقويض الاستقرار الإقليمي من خلال تدخلاتها في الدول العربية، ودعمها قوى ومليشيات مسلحة خارج إطار الدولة الوطنية، وتطوير قدراتها الصاروخية والنووية، واستخدام أدوات عسكرية وأمنية للضغط على خصومها وجيرانها. ولم تعد هذه السياسة مجرد مصدر للقلق السياسي، بل تحولت إلى واقع أمنى يهدد دولًا عربية ويضع أمن الخليج والبحر الأحمر والمشرق العربي أمام مخاطر متزايدة.
لقد أثبتت التجربة أن الرهان الإيراني على النفوذ المسلح خارج الحدود لا يؤدى إلى بناء أمن مستدام لإيران نفسها، بل إلى إنتاج بيئة إقليمية من انعدام الثقة والتوتر المستمر. وحين تصبح المليشيات جزءًا من أدوات السياسة الخارجية، وحين تستخدم الصواريخ والطائرات المسيرة والتهديدات البحرية للضغط على الخصوم، فإن الحدود بين الحرب والسلم تصبح أكثر هشاشة، وتجد الدول المجاورة نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها الأمنية بصورة دائمة.
لكن الاعتراف بمسؤولية إيران عن جانب مهم من الأزمة لا يبرر التغاضي عن مسؤولية الولايات المتحدة عن الجانب الآخر. فالولايات المتحدة، بوصفها القوة العالمية الأكبر والدولة الأكثر قدرة على التأثير في النظام الدولي، اختارت اللجوء إلى الحرب المباشرة بدلًا من الاستمرار في توظيف أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والتفاوضي. وهذا الاستخدام للقوة لا يطرح فقط سؤال الجدوى، وإنما يطرح كذلك سؤال الشرعية الدولية.
فاللجوء إلى القوة العسكرية في العلاقات الدولية لا يمكن أن يصبح حقًا مفتوحًا للدول الأقوى. وإذا كان النظام الدولي قد قام، نظريًا على الأقل، على قواعد تحظر استخدام القوة ضد سيادة الدول وسلامتها الإقليمية، فإن تجاوز هذه القواعد من جانب قوة عظمى يضعفها بالنسبة إلى الجميع. وما ينبغي أن يقلق الدول العربية هنا ليس فقط ما إذا كانت الضربة الأمريكية قد حققت هدفًا عسكريًا محددًا، وإنما ما إذا كان من مصلحة المنطقة أن تصبح الحرب أداة عادية لإدارة الخلافات بين الدول.
هذه نقطة جوهرية، لأن الشرق الأوسط لا يعاني من نقص في القوة العسكرية. على العكس، هو أحد أكثر أقاليم العالم تسلحًا، وتوجد فيه قوى عسكرية كبيرة، وترسانات صاروخية، وقدرات جوية متقدمة، وقواعد عسكرية أجنبية، وانتشار بحري واسع. ومع ذلك لم ينتج كل هذا الأمن. أنتج مزيدًا من الخوف والشك والاستعداد للحرب.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: إيران تقول إن قدراتها العسكرية ضرورية لحماية أمنها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وإسرائيل تقول إن تفوقها العسكري ضروري لحماية أمنها من إيران وغيرها، والولايات المتحدة تقول إن وجودها العسكري ضروري لحماية حلفائها وردع خصومها، بينما تقول دول عربية إن عليها زيادة قدراتها العسكرية لمواجهة الأخطار المحيطة بها. وهكذا تدخل المنطقة في دائرة مغلقة: كل طرف يزيد قدراته بحجة حماية أمنه، فيشعر الطرف الآخر بتهديد أكبر، فيزيد بدوره قدراته، فتتراجع فرص الثقة والتسوية.
ولا يمكن كسر هذه الدائرة بالمزيد من السلاح وحده.
ما تحتاجه المنطقة هو الانتقال من مفهوم الأمن القائم على الردع المتبادل والتحالفات العسكرية إلى مفهوم الأمن الجماعي. والفرق بين الاثنين أساسي. فالتحالف العسكري يقوم عادة على مواجهة تهديد محدد أو خصم محدد، بينما يقوم الأمن الجماعي على قاعدة مختلفة: أمن دولة ما لا ينبغي أن يتحقق على حساب أمن الدول الأخرى، وأن استخدام القوة ضد دولة عضو يمثل تهديدًا للنظام الإقليمي بأكمله.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي استخلاصه من الحرب الحالية. فلا يكفي أن تتوقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. المطلوب هو أن تؤدى هذه الحرب إلى مراجعة أوسع لطريقة إدارة الأمن في الشرق الأوسط.
وفي تقديري، تستطيع مصر والسعودية أن تضطلعا بالدور العربي المركزي في هذه المراجعة. وليس المقصود إنشاء حلف عسكري عربي جديد، المطلوب هو بناء قدرة عربية على المبادرة، وعلى وضع قواعد للأمن الإقليمي، وعلى إدارة الخلافات مع القوى الإقليمية من موقع سياسي ودبلوماسي عربي أكثر تماسكًا.
تمتلك مصر مقومات خاصة تؤهلها لهذا الدور: موقعها الجغرافي الذي يربط الخليج والبحر الأحمر والمشرق والمتوسط، وخبرتها الطويلة في الوساطة والتفاوض، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، فضلًا عن كون أمنها الوطني مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
وتملك السعودية، في المقابل، وزنًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا لا يمكن تجاهله، إلى جانب موقعها المركزي في الخليج والعالم العربي. ولذلك فإن التعاون المصري - السعودي يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز لمسار عربي أوسع، ينضم إليه لاحقًا الأردن ودول الخليج والعراق وغيرها، ويهدف إلى صياغة رؤية عربية للأمن الإقليمي بدلا من الاكتفاء برد الفعل على حروب الآخرين.
ولا ينبغي أن يبدأ هذا المسار من أكثر الملفات تعقيدًا، وإنما من قواعد ومبادئ يمكن الاتفاق عليها تدريجيًا: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، عدم استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية، احترام حرية الملاحة والممرات المائية الدولية، عدم دعم الجماعات المسلحة التي تعمل خارج مؤسسات الدولة الوطنية، وإنشاء قنوات اتصال مباشرة بين القيادات العسكرية والأمنية لمنع سوء التقدير والانزلاق غير المقصود إلى الحرب.
وبعد بناء قدر من الثقة يمكن الانتقال إلى الملفات الأصعب: البرنامج النووي الإيراني، الصواريخ والطائرات المسيرة، الوجود العسكري الأجنبي، أمن الخليج والبحر الأحمر، ومستقبل العلاقات بين إيران والدول العربية. ولا بد هنا من التأكيد أن الأمن الجماعي لا يعني تجاهل السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار، وإنما يعني التعامل معه من خلال قواعد جماعية وآليات تفاوضية تجعل تغيير هذا السلوك جزءًا من عملية أمنية إقليمية أوسع.
كما أن الأمن الجماعي لا يمكن أن يتجاهل إسرائيل. فإذا كان الهدف بناء نظام أمنى شرق أوسطي حقيقي، فلا يمكن أن تبقى المنطقة أسيرة التفوق العسكري الإسرائيلي وسياسات استخدام القوة، في الوقت الذي يُطلب فيه من الدول الأخرى ضبط سلوكها. كما أن استمرار القضية الفلسطينية دون حل عادل ومستدام سيظل أحد المصادر الأساسية لعدم الاستقرار الإقليمي. ولذلك فإن الأمن الإقليمي لا ينفصل عن تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي على أساس إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
وفي المقابل، ينبغي أن تكون العلاقة مع الولايات المتحدة جزءًا من هذه الرؤية الجديدة، ولكن على أساس مختلف. الولايات المتحدة تظل قوة دولية ذات مصالح وقدرات كبيرة في الشرق الأوسط، ولا مصلحة للدول العربية في قطع علاقاتها بها. لكن هناك فارقًا بين الشراكة والاعتماد الكامل. والدول العربية التي تريد حماية أمنها على المدى الطويل تحتاج إلى تطوير قدراتها الذاتية وإلى بناء ترتيبات إقليمية تستطيع من خلالها إدارة أزماتها دون انتظار قرار واشنطن أو أي عاصمة خارج المنطقة.
لقد أظهرت الحرب الأمريكية - الإيرانية أن الاعتماد على القوة الخارجية لا يلغى المخاطر، وإنما يمكن أن يجعل الدول العربية أكثر عرضة لتداعيات صراعات الآخرين. كما أظهرت أن السلوك الإيراني القائم على النفوذ المسلح واستخدام القوة خارج الحدود لا يمكن أن يستمر دون ردود فعل إقليمية ودولية خطيرة. لكن الدرس الأهم هو أن استمرار هذه المعادلة لن يقود إلى الأمن، وإنما إلى حروب جديدة.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الدول العربية الآن ليس: كيف نستعد للحرب المقبلة؟ بل: كيف نبني نظامًا إقليميًا يقلل احتمال اندلاعها أصلًا؟
هذا هو الاختبار الحقيقي للدبلوماسية العربية في المرحلة المقبلة. فبدلا من أن تظل مصر والسعودية وغيرهما من الدول العربية في موقع المتلقي لتداعيات الحروب التي تشنها قوى إقليمية ودولية، تستطيعان الانتقال إلى موقع المبادرة، وطرح عملية أمن جماعي شرق أوسطية تبدأ عربيًا ثم تتوسع إقليميًا، وتضع قواعد واضحة لاستخدام القوة، وتمنح التفاوض والوساطة موقعًا مركزيًّا في إدارة الصراعات.
{ أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك