العدد : ١٧٧٣١ - الجمعة ٠٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣١ - الجمعة ٠٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

دروس حرب إيران.. وكيفية تحقيق الأمن في المنطقة العربية

بقلم: د. عمرو حمزاوي

الخميس ٠٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ - ‬الإيرانية‭ ‬الراهنة‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬تجاهلها‭: ‬أزمة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬الصراعات،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬نظام‭ ‬أمنى‭ ‬إقليمي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬حروب‭ ‬مفتوحة‭. ‬فمنذ‭ ‬سنوات،‭ ‬تتعامل‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬مع‭ ‬أمنها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬والتحالفات‭ ‬والردع‭ ‬المتبادل‭ ‬والاستقواء‭ ‬بالقوى‭ ‬الخارجية،‭ ‬بينما‭ ‬تتراجع‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والتفاوض‭ ‬والوساطة‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬الأدوات‭ ‬الثانوية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬اللجوء‭ ‬إليها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الحروب‭. ‬والنتيجة‭ ‬هي‭ ‬شرق‭ ‬أوسط‭ ‬أكثر‭ ‬تسلحًا‭ ‬وأقل‭ ‬أمنًا،‭ ‬وأكثر‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية‭ ‬وأقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬شؤونه‭ ‬بنفسه‭.‬

الحرب‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬تقدم‭ ‬المثال‭ ‬الأوضح‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭. ‬فمن‭ ‬ناحية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬أسهمت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬في‭ ‬تقويض‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تدخلاتها‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬ودعمها‭ ‬قوى‭ ‬ومليشيات‭ ‬مسلحة‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتطوير‭ ‬قدراتها‭ ‬الصاروخية‭ ‬والنووية،‭ ‬واستخدام‭ ‬أدوات‭ ‬عسكرية‭ ‬وأمنية‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬خصومها‭ ‬وجيرانها‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬مجرد‭ ‬مصدر‭ ‬للقلق‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬أمنى‭ ‬يهدد‭ ‬دولًا‭ ‬عربية‭ ‬ويضع‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬والمشرق‭ ‬العربي‭ ‬أمام‭ ‬مخاطر‭ ‬متزايدة‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬المسلح‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬لا‭ ‬يؤدى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أمن‭ ‬مستدام‭ ‬لإيران‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬بيئة‭ ‬إقليمية‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬الثقة‭ ‬والتوتر‭ ‬المستمر‭. ‬وحين‭ ‬تصبح‭ ‬المليشيات‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬وحين‭ ‬تستخدم‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬والتهديدات‭ ‬البحرية‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الخصوم،‭ ‬فإن‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬وتجد‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬حساباتها‭ ‬الأمنية‭ ‬بصورة‭ ‬دائمة‭.‬

لكن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بمسؤولية‭ ‬إيران‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬لا‭ ‬يبرر‭ ‬التغاضي‭ ‬عن‭ ‬مسؤولية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عن‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بوصفها‭ ‬القوة‭ ‬العالمية‭ ‬الأكبر‭ ‬والدولة‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬اختارت‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬المباشرة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬أدوات‭ ‬الضغط‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والتفاوضي‭. ‬وهذا‭ ‬الاستخدام‭ ‬للقوة‭ ‬لا‭ ‬يطرح‭ ‬فقط‭ ‬سؤال‭ ‬الجدوى،‭ ‬وإنما‭ ‬يطرح‭ ‬كذلك‭ ‬سؤال‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭.‬

فاللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬حقًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للدول‭ ‬الأقوى‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬قد‭ ‬قام،‭ ‬نظريًا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬تحظر‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ضد‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬وسلامتها‭ ‬الإقليمية،‭ ‬فإن‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬يضعفها‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الجميع‭. ‬وما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقلق‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الضربة‭ ‬الأمريكية‭ ‬قد‭ ‬حققت‭ ‬هدفًا‭ ‬عسكريًا‭ ‬محددًا،‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬مصلحة‭ ‬المنطقة‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الحرب‭ ‬أداة‭ ‬عادية‭ ‬لإدارة‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭.‬

هذه‭ ‬نقطة‭ ‬جوهرية،‭ ‬لأن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭. ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬أقاليم‭ ‬العالم‭ ‬تسلحًا،‭ ‬وتوجد‭ ‬فيه‭ ‬قوى‭ ‬عسكرية‭ ‬كبيرة،‭ ‬وترسانات‭ ‬صاروخية،‭ ‬وقدرات‭ ‬جوية‭ ‬متقدمة،‭ ‬وقواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬أجنبية،‭ ‬وانتشار‭ ‬بحري‭ ‬واسع‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬ينتج‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الأمن‭. ‬أنتج‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬والشك‭ ‬والاستعداد‭ ‬للحرب‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬المفارقة‭ ‬الكبرى‭: ‬إيران‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬قدراتها‭ ‬العسكرية‭ ‬ضرورية‭ ‬لحماية‭ ‬أمنها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬تفوقها‭ ‬العسكري‭ ‬ضروري‭ ‬لحماية‭ ‬أمنها‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬وغيرها،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬وجودها‭ ‬العسكري‭ ‬ضروري‭ ‬لحماية‭ ‬حلفائها‭ ‬وردع‭ ‬خصومها،‭ ‬بينما‭ ‬تقول‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬إن‭ ‬عليها‭ ‬زيادة‭ ‬قدراتها‭ ‬العسكرية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأخطار‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭. ‬وهكذا‭ ‬تدخل‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭: ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬يزيد‭ ‬قدراته‭ ‬بحجة‭ ‬حماية‭ ‬أمنه،‭ ‬فيشعر‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬بتهديد‭ ‬أكبر،‭ ‬فيزيد‭ ‬بدوره‭ ‬قدراته،‭ ‬فتتراجع‭ ‬فرص‭ ‬الثقة‭ ‬والتسوية‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬كسر‭ ‬هذه‭ ‬الدائرة‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬وحده‭.‬

ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬المنطقة‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الردع‭ ‬المتبادل‭ ‬والتحالفات‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭. ‬والفرق‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬أساسي‭. ‬فالتحالف‭ ‬العسكري‭ ‬يقوم‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬تهديد‭ ‬محدد‭ ‬أو‭ ‬خصم‭ ‬محدد،‭ ‬بينما‭ ‬يقوم‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬مختلفة‭: ‬أمن‭ ‬دولة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أمن‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬وأن‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ضد‭ ‬دولة‭ ‬عضو‭ ‬يمثل‭ ‬تهديدًا‭ ‬للنظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬بأكمله‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬الدرس‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬استخلاصه‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية‭. ‬فلا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭. ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تؤدى‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬أوسع‭ ‬لطريقة‭ ‬إدارة‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وفي‭ ‬تقديري،‭ ‬تستطيع‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬أن‭ ‬تضطلعا‭ ‬بالدور‭ ‬العربي‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المراجعة‭. ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬إنشاء‭ ‬حلف‭ ‬عسكري‭ ‬عربي‭ ‬جديد،‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬بناء‭ ‬قدرة‭ ‬عربية‭ ‬على‭ ‬المبادرة،‭ ‬وعلى‭ ‬وضع‭ ‬قواعد‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وعلى‭ ‬إدارة‭ ‬الخلافات‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬سياسي‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬عربي‭ ‬أكثر‭ ‬تماسكًا‭.‬

تمتلك‭ ‬مصر‭ ‬مقومات‭ ‬خاصة‭ ‬تؤهلها‭ ‬لهذا‭ ‬الدور‭: ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬والمشرق‭ ‬والمتوسط،‭ ‬وخبرتها‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬الوساطة‭ ‬والتفاوض،‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬كون‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬بأمن‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وشرق‭ ‬المتوسط‭.‬

وتملك‭ ‬السعودية،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬وزنًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬وأمنيًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬موقعها‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬التعاون‭ ‬المصري‭ - ‬السعودي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬نقطة‭ ‬ارتكاز‭ ‬لمسار‭ ‬عربي‭ ‬أوسع،‭ ‬ينضم‭ ‬إليه‭ ‬لاحقًا‭ ‬الأردن‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬والعراق‭ ‬وغيرها،‭ ‬ويهدف‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬رؤية‭ ‬عربية‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬برد‭ ‬الفعل‭ ‬على‭ ‬حروب‭ ‬الآخرين‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الملفات‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬قواعد‭ ‬ومبادئ‭ ‬يمكن‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليها‭ ‬تدريجيًا‭: ‬احترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬ووحدة‭ ‬أراضيها،‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬بها،‭ ‬عدم‭ ‬استهداف‭ ‬المنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬احترام‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬والممرات‭ ‬المائية‭ ‬الدولية،‭ ‬عدم‭ ‬دعم‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬خارج‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وإنشاء‭ ‬قنوات‭ ‬اتصال‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬القيادات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭ ‬لمنع‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬والانزلاق‭ ‬غير‭ ‬المقصود‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭.‬

وبعد‭ ‬بناء‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬يمكن‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الملفات‭ ‬الأصعب‭: ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني،‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة،‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأجنبي،‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬ومستقبل‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تجاهل‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬المزعزع‭ ‬للاستقرار،‭ ‬وإنما‭ ‬يعني‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قواعد‭ ‬جماعية‭ ‬وآليات‭ ‬تفاوضية‭ ‬تجعل‭ ‬تغيير‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬أمنية‭ ‬إقليمية‭ ‬أوسع‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتجاهل‭ ‬إسرائيل‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬أمنى‭ ‬شرق‭ ‬أوسطي‭ ‬حقيقي،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬المنطقة‭ ‬أسيرة‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وسياسات‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يُطلب‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬ضبط‭ ‬سلوكها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬دون‭ ‬حل‭ ‬عادل‭ ‬ومستدام‭ ‬سيظل‭ ‬أحد‭ ‬المصادر‭ ‬الأساسية‭ ‬لعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬تسوية‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ - ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬وإقامة‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬الجديدة،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬مختلف‭. ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تظل‭ ‬قوة‭ ‬دولية‭ ‬ذات‭ ‬مصالح‭ ‬وقدرات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ولا‭ ‬مصلحة‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬قطع‭ ‬علاقاتها‭ ‬بها‭. ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬فارقًا‭ ‬بين‭ ‬الشراكة‭ ‬والاعتماد‭ ‬الكامل‭. ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬حماية‭ ‬أمنها‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬قدراتها‭ ‬الذاتية‭ ‬وإلى‭ ‬بناء‭ ‬ترتيبات‭ ‬إقليمية‭ ‬تستطيع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬إدارة‭ ‬أزماتها‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭ ‬قرار‭ ‬واشنطن‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬عاصمة‭ ‬خارج‭ ‬المنطقة‭.‬

لقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ - ‬الإيرانية‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬الخارجية‭ ‬لا‭ ‬يلغى‭ ‬المخاطر،‭ ‬وإنما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لتداعيات‭ ‬صراعات‭ ‬الآخرين‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬المسلح‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬دون‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬خطيرة‭. ‬لكن‭ ‬الدرس‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬لن‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الأمن،‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬حروب‭ ‬جديدة‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تطرحه‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الآن‭ ‬ليس‭: ‬كيف‭ ‬نستعد‭ ‬للحرب‭ ‬المقبلة؟‭ ‬بل‭: ‬كيف‭ ‬نبني‭ ‬نظامًا‭ ‬إقليميًا‭ ‬يقلل‭ ‬احتمال‭ ‬اندلاعها‭ ‬أصلًا؟

هذا‭ ‬هو‭ ‬الاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭. ‬فبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المتلقي‭ ‬لتداعيات‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬تشنها‭ ‬قوى‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية،‭ ‬تستطيعان‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬المبادرة،‭ ‬وطرح‭ ‬عملية‭ ‬أمن‭ ‬جماعي‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬تبدأ‭ ‬عربيًا‭ ‬ثم‭ ‬تتوسع‭ ‬إقليميًا،‭ ‬وتضع‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬لاستخدام‭ ‬القوة،‭ ‬وتمنح‭ ‬التفاوض‭ ‬والوساطة‭ ‬موقعًا‭ ‬مركزيًّا‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الصراعات‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا