العدد : ١٧٧٢٨ - الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٨ - الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

التأديب بين العرف والقانون

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

‮«‬ضربونا‭ ‬وصرنا‭ ‬رجالا‮»‬‭. ‬جملة‭ ‬يردِّدها‭ ‬كثيرون‭ ‬بثقة‭ ‬كلما‭ ‬دار‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تربية‭ ‬الأطفال،‭ ‬ويقدّمون‭ ‬أنفسهم‭ ‬دليلاً‭ ‬عليها‭. ‬والجملة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُسمع‭ ‬بإنصاف،‭ ‬فأصحابها‭ ‬صاروا‭ ‬فعلاً‭ ‬آباء‭ ‬صالحين‭ ‬وموظفين‭ ‬أمناء،‭ ‬وأحبّوا‭ ‬آباءهم‭ ‬وبرّوا‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬يوم‭.‬

وفي‭ ‬الجملة‭ ‬نفسها‭ ‬ما‭ ‬يستوقف‭ ‬القارئ‭ ‬المتأمل‭. ‬كثير‭ ‬ممن‭ ‬يقولونها‭ ‬يتذكَّرون‭ ‬بعد‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬ضُربوا‭ ‬فيه‭ ‬وسببه‭ ‬الصغير،‭ ‬ويصفون‭ ‬المكان‭ ‬كأنهم‭ ‬يرونه،‭ ‬ولو‭ ‬سُئلوا‭ ‬عمّا‭ ‬تعلّموه‭ ‬من‭ ‬الضربة‭ ‬لتذكَّروا‭ ‬الألم‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتذكَّرون‭ ‬الدرس‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يدافع‭ ‬عنها‭ ‬صاحبها‭ ‬بحرارة،‭ ‬لأن‭ ‬الجملة‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬وفاء‭ ‬لأبٍ‭ ‬يحبّه‭. ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الضربة‭ ‬آذته‭ ‬يبدو‭ ‬له‭ ‬خيانة‭ ‬لذكرى‭ ‬ذلك‭ ‬الأب،‭ ‬فيحمي‭ ‬اليد‭ ‬التي‭ ‬ضربته‭ ‬لأنها‭ ‬يد‭ ‬من‭ ‬رعاه‭ ‬وسهر‭ ‬عليه‭. ‬والمرء‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يحب‭ ‬أباه‭ ‬ويبرّه‭ ‬حياً‭ ‬وميتا،‭ ‬وأن‭ ‬يختار‭ ‬لأولاده‭ ‬طريقا‭ ‬غير‭ ‬طريقه،‭ ‬ولا‭ ‬تناقض‭ ‬بين‭ ‬الأمرين‭.‬

وعادت‭ ‬إليّ‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬المتجر‭ ‬الذي‭ ‬أتسوّق‭ ‬منه‭ ‬عادة‭. ‬أسقط‭ ‬طفلٌ‭ ‬صغير‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الرف،‭ ‬فتناثرت‭ ‬الأغراض‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وتلف‭ ‬بعضها،‭ ‬فامتدّت‭ ‬إليه‭ ‬يد‭ ‬أبيه‭ ‬بالضرب‭ ‬أمام‭ ‬المتسوقين‭. ‬وقفتُ‭ ‬أراقب‭ ‬المشهد‭ ‬وقلبي‭ ‬مع‭ ‬الصغير،‭ ‬ومع‭ ‬أبيه‭ ‬أيضاً،‭ ‬فلعلّ‭ ‬نظرات‭ ‬الناس‭ ‬أحرجته،‭ ‬فسبقه‭ ‬الغضب‭ ‬إلى‭ ‬يده‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفكّر‭. ‬ولفتني‭ ‬المشهد‭ ‬لأنه‭ ‬صار‭ ‬نادراً‭ ‬فيما‭ ‬أراه،‭ ‬فالآباء‭ ‬الذين‭ ‬أصادفهم‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يمسكون‭ ‬أيدي‭ ‬صغارهم‭ ‬برفق‭ ‬بين‭ ‬الرفوف،‭ ‬ويصبرون‭ ‬على‭ ‬إلحاحهم،‭ ‬ومن‭ ‬بقي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬اليد‭ ‬وسيلة‭ ‬للتربية‭ ‬قلّة‭.‬

وكلمة‭ ‬العنف‭ ‬تستدعي‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬الناس‭ ‬صور‭ ‬الحروب‭ ‬والشجار‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬وقلّ‭ ‬من‭ ‬يتذكّر‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يتعلّم‭ ‬العنف‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬وهو‭ ‬صغير‭. ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬يُضرب‭ ‬لأنه‭ ‬أخطأ‭ ‬قد‭ ‬يتعلّم‭ ‬ألا‭ ‬يكرّر‭ ‬خطأه،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يتعلّم‭ ‬معه‭ ‬درساً‭ ‬آخر‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬طويلاً،‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يغضب‭ ‬يضرب،‭ ‬وأن‭ ‬الأقوى‭ ‬يُنهي‭ ‬الخلاف‭ ‬بيده‭.‬

والقانون‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬الأمر‭ ‬بلا‭ ‬نص‭. ‬فقانون‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬يعدّ‭ ‬إيذاءً‭ ‬جسدياً‭ ‬أي‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬جسم‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬بأي‭ ‬وسيلة‭ ‬كانت،‭ ‬والأبناء‭ ‬منهم‭. ‬وقانون‭ ‬العدالة‭ ‬الإصلاحية‭ ‬للأطفال‭ ‬وحمايتهم‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬المعاملة،‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬نظّم‭ ‬عمل‭ ‬مركز‭ ‬حماية‭ ‬الطفل،‭ ‬فجعل‭ ‬من‭ ‬مهامه‭ ‬تلقّي‭ ‬البلاغات‭ ‬عبر‭ ‬خط‭ ‬ساخن،‭ ‬ومتابعة‭ ‬الطفل‭ ‬وأسرته‭ ‬بالعلاج‭ ‬والتأهيل‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬قانون‭ ‬العقوبات‭ ‬يُخرج‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الجريمة‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬استعمالاً‭ ‬لحقّ‭ ‬يقرّه‭ ‬القانون‭ ‬أو‭ ‬العرف،‭ ‬والعرف‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬استقرّ‭ ‬عليه‭ ‬الناس‭ ‬زمناً‭ ‬طويلاً‭ ‬حتى‭ ‬صاروا‭ ‬يرونه‭ ‬واجب‭ ‬الاتباع‭. ‬وقانون‭ ‬الأسرة‭ ‬يذكر‭ ‬تأديب‭ ‬الطفل‭ ‬بين‭ ‬واجبات‭ ‬أبيه‭ ‬ووليّه،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬ما‭ ‬التأديب‭ ‬ولا‭ ‬أين‭ ‬ينتهي‭. ‬فيجد‭ ‬الأب‭ ‬نفسه‭ ‬بين‭ ‬نص‭ ‬يعدّ‭ ‬كل‭ ‬اعتداء‭ ‬عنفاً،‭ ‬ونص‭ ‬يعترف‭ ‬بما‭ ‬يقرّه‭ ‬العرف‭ ‬من‭ ‬حق،‭ ‬ونص‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يؤدّب‭ ‬ولا‭ ‬يشرح‭ ‬له‭ ‬كيف‭.‬

والعرف‭ ‬يتبدّل‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭. ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬بيت‭ ‬قسوة‭ ‬لا‭ ‬تُحتمل،‭ ‬يراه‭ ‬بيت‭ ‬آخر‭ ‬تربية‭ ‬حازمة‭ ‬تصنع‭ ‬الرجال‭. ‬وبعض‭ ‬الآباء‭ ‬يمدّ‭ ‬يده‭ ‬وهو‭ ‬يكرّر‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬أبوه‭ ‬معه،‭ ‬مطمئناً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬عليه‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬ولده‭. ‬والغضب‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬حدّاً‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬حدّاً‭ ‬مكتوباً،‭ ‬فيبقى‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬وحدهما‭ ‬أمامه‭ ‬كلما‭ ‬اشتدّ‭.‬

وأتمنّى‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬نظر‭ ‬المشرّع،‭ ‬فنصٌّ‭ ‬صريح‭ ‬يوضّح‭ ‬أن‭ ‬حقّ‭ ‬التأديب‭ ‬لا‭ ‬يمتدّ‭ ‬إلى‭ ‬العقاب‭ ‬البدني‭ ‬للأبناء،‭ ‬كفيلٌ‭ ‬بأن‭ ‬تلتقي‭ ‬النصوص‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬واحد‭ ‬يعرفه‭ ‬كل‭ ‬أب‭ ‬وأم‭. ‬والتربية‭ ‬تبقى‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬البيت،‭ ‬يختار‭ ‬فيه‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬طريقتهما‭ ‬كما‭ ‬يريان،‭ ‬والنص‭ ‬يرسم‭ ‬الحدّ‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬الطفل‭ ‬ويحميهما‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬ضربة‭ ‬يندمان‭ ‬عليها‭. ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬معرفة‭ ‬الأسر‭ ‬بقانون‭ ‬2015‭ ‬خطوة‭ ‬أولى،‭ ‬فهو‭ ‬يعدّ‭ ‬أي‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬جسم‭ ‬الطفل‭ ‬إيذاءً‭ ‬جسدياً،‭ ‬ولم‭ ‬يستثنِ‭ ‬منه‭ ‬الضربة‭ ‬الخفيفة،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬ذلك‭. ‬والنص‭ ‬يُقرأ‭ ‬رسالةً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬عقوبةً،‭ ‬وخطوةً‭ ‬نحو‭ ‬تربية‭ ‬يستغني‭ ‬فيها‭ ‬البيت‭ ‬عن‭ ‬اليد‭ ‬بإرادته‭.‬

وليست‭ ‬الفكرة‭ ‬جديدة‭. ‬فالسويد‭ ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تمنع‭ ‬الآباء‭ ‬صراحةً‭ ‬من‭ ‬ضرب‭ ‬أبنائهم،‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬حين‭ ‬كتبت‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬الوالدين‭ ‬أن‭ ‬الطفل‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يتعرّض‭ ‬لعقاب‭ ‬بدني‭ ‬ولا‭ ‬لمعاملة‭ ‬مهينة‭. ‬ولم‭ ‬تضع‭ ‬للمنع‭ ‬عقوبة‭ ‬خاصة‭ ‬به،‭ ‬واكتفت‭ ‬بأن‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬أب‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُعدّ‭ ‬اعتداءً‭ ‬على‭ ‬الكبير‭ ‬يُعدّ‭ ‬اعتداءً‭ ‬على‭ ‬الصغير‭. ‬وأقرب‭ ‬إلينا‭ ‬تونس،‭ ‬التي‭ ‬حذفت‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬العقوبات‭ ‬عبارة‭ ‬كانت‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬تأديب‭ ‬الطفل‭ ‬ممن‭ ‬له‭ ‬سلطة‭ ‬عليه‭ ‬لا‭ ‬عقاب‭ ‬عليه‭. ‬عبارة‭ ‬حُذفت‭ ‬هناك،‭ ‬ونصٌّ‭ ‬أوضح‭ ‬قد‭ ‬يُكتب‭ ‬هنا،‭ ‬والغاية‭ ‬واحدة‭.‬

وكثير‭ ‬من‭ ‬بيوتنا‭ ‬يعرف‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬جيداً‭. ‬آباء‭ ‬وأمهات‭ ‬يربّون‭ ‬بالكلمة‭ ‬الهادئة‭ ‬والصبر‭ ‬الطويل،‭ ‬ويحاسبون‭ ‬أبناءهم‭ ‬بحرمان‭ ‬مؤقت‭ ‬أو‭ ‬بجلسة‭ ‬حديث،‭ ‬فيكبر‭ ‬الأبناء‭ ‬مؤدّبين‭ ‬واثقين‭ ‬بأنفسهم‭. ‬والضربة‭ ‬إن‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬كهذا‭ ‬كانت‭ ‬غضباً‭ ‬سبق‭ ‬صاحبه‭ ‬ثم‭ ‬ندم‭ ‬عليه‭. ‬والنص‭ ‬الواضح‭ ‬يعين‭ ‬هذه‭ ‬البيوت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬اختارته‭ ‬أصلاً،‭ ‬ويحفظها‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الغضب‭.‬

واللاعنف‭ ‬الذي‭ ‬يتمنّاه‭ ‬الناس‭ ‬للعالم‭ ‬يبدأ‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬كبيرة‭ ‬تمسك‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬صغير‭.‬

 

{   قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا