«ضربونا وصرنا رجالا». جملة يردِّدها كثيرون بثقة كلما دار الحديث عن تربية الأطفال، ويقدّمون أنفسهم دليلاً عليها. والجملة تستحق أن تُسمع بإنصاف، فأصحابها صاروا فعلاً آباء صالحين وموظفين أمناء، وأحبّوا آباءهم وبرّوا بهم إلى آخر يوم.
وفي الجملة نفسها ما يستوقف القارئ المتأمل. كثير ممن يقولونها يتذكَّرون بعد أربعين سنة اليوم الذي ضُربوا فيه وسببه الصغير، ويصفون المكان كأنهم يرونه، ولو سُئلوا عمّا تعلّموه من الضربة لتذكَّروا الألم أكثر مما يتذكَّرون الدرس.
ومع ذلك يدافع عنها صاحبها بحرارة، لأن الجملة في حقيقتها وفاء لأبٍ يحبّه. الاعتراف بأن الضربة آذته يبدو له خيانة لذكرى ذلك الأب، فيحمي اليد التي ضربته لأنها يد من رعاه وسهر عليه. والمرء يستطيع أن يحب أباه ويبرّه حياً وميتا، وأن يختار لأولاده طريقا غير طريقه، ولا تناقض بين الأمرين.
وعادت إليّ هذه الجملة يوماً في المتجر الذي أتسوّق منه عادة. أسقط طفلٌ صغير ما كان على الرف، فتناثرت الأغراض على الأرض وتلف بعضها، فامتدّت إليه يد أبيه بالضرب أمام المتسوقين. وقفتُ أراقب المشهد وقلبي مع الصغير، ومع أبيه أيضاً، فلعلّ نظرات الناس أحرجته، فسبقه الغضب إلى يده قبل أن يفكّر. ولفتني المشهد لأنه صار نادراً فيما أراه، فالآباء الذين أصادفهم كل يوم يمسكون أيدي صغارهم برفق بين الرفوف، ويصبرون على إلحاحهم، ومن بقي يرى في اليد وسيلة للتربية قلّة.
وكلمة العنف تستدعي في أذهان الناس صور الحروب والشجار في الشوارع، وقلّ من يتذكّر أن الإنسان كثيراً ما يتعلّم العنف أول مرة في البيت، وهو صغير. فالطفل الذي يُضرب لأنه أخطأ قد يتعلّم ألا يكرّر خطأه، لكنه قد يتعلّم معه درساً آخر يبقى في نفسه طويلاً، أن من يغضب يضرب، وأن الأقوى يُنهي الخلاف بيده.
والقانون في البحرين لم يترك الأمر بلا نص. فقانون الحماية من العنف الأسري الصادر عام 2015 يعدّ إيذاءً جسدياً أي اعتداء على جسم أحد أفراد الأسرة بأي وسيلة كانت، والأبناء منهم. وقانون العدالة الإصلاحية للأطفال وحمايتهم من سوء المعاملة، الصادر عام 2021، نظّم عمل مركز حماية الطفل، فجعل من مهامه تلقّي البلاغات عبر خط ساخن، ومتابعة الطفل وأسرته بالعلاج والتأهيل.
غير أن قانون العقوبات يُخرج من دائرة الجريمة ما يقع استعمالاً لحقّ يقرّه القانون أو العرف، والعرف هو ما استقرّ عليه الناس زمناً طويلاً حتى صاروا يرونه واجب الاتباع. وقانون الأسرة يذكر تأديب الطفل بين واجبات أبيه ووليّه، دون أن يقول ما التأديب ولا أين ينتهي. فيجد الأب نفسه بين نص يعدّ كل اعتداء عنفاً، ونص يعترف بما يقرّه العرف من حق، ونص يطلب منه أن يؤدّب ولا يشرح له كيف.
والعرف يتبدّل من بيت إلى بيت. ما يراه بيت قسوة لا تُحتمل، يراه بيت آخر تربية حازمة تصنع الرجال. وبعض الآباء يمدّ يده وهو يكرّر ما فعله أبوه معه، مطمئناً إلى أن ما جرى عليه يجوز أن يجري على ولده. والغضب لا يعرف حدّاً إن لم يجد حدّاً مكتوباً، فيبقى الأب والأم وحدهما أمامه كلما اشتدّ.
وأتمنّى أن تجد هذه المسألة طريقها إلى نظر المشرّع، فنصٌّ صريح يوضّح أن حقّ التأديب لا يمتدّ إلى العقاب البدني للأبناء، كفيلٌ بأن تلتقي النصوص على معنى واحد يعرفه كل أب وأم. والتربية تبقى بعد ذلك شأن البيت، يختار فيه الأب والأم طريقتهما كما يريان، والنص يرسم الحدّ الذي يحمي الطفل ويحميهما معه من ضربة يندمان عليها. وإلى أن يحدث ذلك، تبقى معرفة الأسر بقانون 2015 خطوة أولى، فهو يعدّ أي اعتداء على جسم الطفل إيذاءً جسدياً، ولم يستثنِ منه الضربة الخفيفة، وقد لا يعرف بعض الآباء ذلك. والنص يُقرأ رسالةً قبل أن يُقرأ عقوبةً، وخطوةً نحو تربية يستغني فيها البيت عن اليد بإرادته.
وليست الفكرة جديدة. فالسويد كانت أول دولة في العالم تمنع الآباء صراحةً من ضرب أبنائهم، عام 1979، حين كتبت في قانون الوالدين أن الطفل لا يجوز أن يتعرّض لعقاب بدني ولا لمعاملة مهينة. ولم تضع للمنع عقوبة خاصة به، واكتفت بأن يعرف كل أب أن ما يُعدّ اعتداءً على الكبير يُعدّ اعتداءً على الصغير. وأقرب إلينا تونس، التي حذفت عام 2010 من قانون العقوبات عبارة كانت تقول إن تأديب الطفل ممن له سلطة عليه لا عقاب عليه. عبارة حُذفت هناك، ونصٌّ أوضح قد يُكتب هنا، والغاية واحدة.
وكثير من بيوتنا يعرف هذا الطريق جيداً. آباء وأمهات يربّون بالكلمة الهادئة والصبر الطويل، ويحاسبون أبناءهم بحرمان مؤقت أو بجلسة حديث، فيكبر الأبناء مؤدّبين واثقين بأنفسهم. والضربة إن وقعت في بيت كهذا كانت غضباً سبق صاحبه ثم ندم عليه. والنص الواضح يعين هذه البيوت على ما اختارته أصلاً، ويحفظها من ذلك الغضب.
واللاعنف الذي يتمنّاه الناس للعالم يبدأ كل يوم من يد كبيرة تمسك نفسها في بيت صغير.
{ قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك