العدد : ١٧٧٢٨ - الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٨ - الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مشكلة صعود اليمين المتطرف في أوروبا

بقلم: د. نبيل العسومي

الاثنين ٠٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬تصاعد‭ ‬الأحزاب‭ ‬اليمينية‭ ‬المتطرفة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬اليوم،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ (‬حزب‭ ‬التجمع‭ ‬الوطني‭) ‬وفي‭ ‬ألمانيا‭ (‬حزب‭ ‬البديل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ألمانيا‭) ‬وفي‭ ‬إيطاليا،‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬نزعة‭ ‬عنصرية‭ ‬متصاعدة‭ ‬بصورة‭ ‬خطيرة‭ ‬تصوّر‭ ‬المهاجرين‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬تهديدًا‭ ‬للهوية‭ ‬والقيم‭ ‬الوطنية‭ ‬الغربية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعضها‭ ‬بات‭ ‬يستلهم‭ ‬صراحةً‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«نظرية‭ ‬الاستبدال‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تزعم‭ ‬أن‭ ‬الهجرة‭ ‬مؤامرة‭ ‬لإحلال‭ ‬سكان‭ ‬مسلمين‭ ‬محل‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الأصليين‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬الأحزاب‭ ‬أصواتًا‭ ‬هامشية،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تحصد‭ ‬نسبًا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الوطنية‭ ‬والأوروبية،‭ ‬وتشارك‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬أو‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬الوطني،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬خطابها‭ ‬أخطر‭ ‬وأوسع‭ ‬أثرًا‭ ‬وانتشارا‭. ‬وهي‭ ‬خطابات‭ ‬تثير‭ ‬قلقًا‭ ‬مشروعًا‭ ‬لدى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬والمنظمات‭ ‬الحقوقية،‭ ‬ومنهم‭ ‬أصوات‭ ‬أوروبية‭ ‬ليبرالية‭ ‬ويسارية‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬التعددية‭ ‬والانفتاح‭ ‬والتعايش‭.‬

ويتغذى‭ ‬الخطاب‭ ‬اليميني‭ ‬الأوروبي‭ ‬المتطرف‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬طويل،‭ ‬يستحضر‭ ‬أفكارا‭ ‬ومواقف‭ ‬مسبقة‭ ‬قديمة‭ ‬وجديدة‭ ‬ومنها‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬صدام‭ ‬الحضارات‮»‬،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬نفسها‭ ‬متعددة‭ ‬الأديان‭ ‬والثقافات،‭ ‬وأن‭ ‬قيمها‭ ‬المعلنة،‭ ‬كالديمقراطية‭ ‬والعلمانية‭ ‬والنزعة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬تتناقض‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬خطاب‭ ‬إقصائي‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأوروبية‭ ‬نفسها‭ ‬تعتمد‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬المهاجرة‭ ‬لسد‭ ‬النقص‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬شيخوخة‭ ‬السكان،‭ ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬أبناء‭ ‬المهاجرين‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬بإيجابية‭ ‬علمًا‭ ‬وثقافةً‭ ‬ورياضةً‭ ‬وفنا،‭ ‬وهي‭ ‬حقيقة‭ ‬يتعمد‭ ‬الخطاب‭ ‬المتطرف‭ ‬تجاهلها‭ ‬عن‭ ‬قصد‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬تيارات‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬والتيار‭ ‬الغربي‭ ‬العريض‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬الانفتاح‭ ‬والتنوع،‭ ‬وكذلك‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الرسمية‭ ‬وخطاب‭ ‬بعض‭ ‬الأحزاب‭ ‬الشعبوية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬تصاعد‭ ‬هذه‭ ‬الخطابات‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الأوروبي‭: ‬موجات‭ ‬الهجرة‭ ‬الكبيرة‭ ‬والحروب‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬والضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬داخل‭ ‬أوروبا‭ ‬نفسها،‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬السكن‭ ‬والبطالة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تحديات‭ ‬أمنية‭ ‬حقيقية‭ ‬أفرزتها‭ ‬أعمال‭ ‬إرهابية‭ ‬أساءت‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬الإسلام‭ ‬والمسلمين‭ ‬معًا‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬وقد‭ ‬وجد‭ ‬الشعبويون‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬مادة‭ ‬جاهزة‭ ‬لتحويل‭ ‬المهاجر‭ ‬إلى‭ ‬كبش‭ ‬فداء‭ ‬يُحمَّل‭ ‬مسؤولية‭ ‬إخفاقات‭ ‬لا‭ ‬يد‭ ‬له‭ ‬فيها‭. ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مجتمعة‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬تشدد‭ ‬وحدود‭ ‬وجدران،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تبرر‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬ولا‭ ‬تمنح‭ ‬شرعية‭ ‬للعنف‭.‬

كما‭ ‬يجب‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬أسهم،‭ ‬عبر‭ ‬قراءات‭ ‬أحادية‭ ‬للتاريخ‭ ‬وللدين،‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬صورة‭ ‬الصدام‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الحوار،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬قراءات‭ ‬غربية‭ ‬متسرعة،‭ ‬كتلك‭ ‬التي‭ ‬فسّرت‭ ‬اعتداءات‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬بعوامل‭ ‬ذاتية‭ ‬بحتة‭ ‬متجاهلةً‭ ‬سياقات‭ ‬التدخل‭ ‬والتهميش‭. ‬فمواجهة‭ ‬التطرف‭ ‬بخطاب‭ ‬مضاد‭ ‬متجهم‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬القضية،‭ ‬بل‭ ‬تُبقي‭ ‬الطرفين‭ ‬أسيرَي‭ ‬ذاكرة‭ ‬الصراع‭ ‬والثارات،‭ ‬ويغذي‭ ‬ذلك‭ ‬إعلامٌ‭ ‬مشحون‭ ‬بالغضب‭ ‬من‭ ‬الجانبين‭ ‬حين‭ ‬يختزل‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬نمطية‭ ‬واحدة‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬سلبية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬جماعات‭ ‬متشددة‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬قدّمت،‭ ‬بممارساتها‭ ‬وخطابها،‭ ‬ذرائع‭ ‬مجانية‭ ‬لليمين‭ ‬الأوروبي‭ ‬كي‭ ‬يعمم‭ ‬أخطاء‭ ‬قلة‭ ‬على‭ ‬أمة‭ ‬بأكملها،‭ ‬ويحوّل‭ ‬الاستثناء‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭.‬

فالمطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مبارزة‭ ‬لتبادل‭ ‬الاتهامات،‭ ‬بل‭ ‬دبلوماسية‭ ‬وقائية‭ ‬وجسور‭ ‬معرفية‭ ‬وإنسانية‭ ‬تعترف‭ ‬بالمخاوف‭ ‬المشروعة‭ ‬لدى‭ ‬الطرفين،‭ ‬وتفكك‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭ ‬المتبادلة،‭ ‬وتعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للأصوات‭ ‬المعتدلة‭ ‬والعقلانية‭ ‬في‭ ‬الجانبين‭. ‬ويقع‭ ‬على‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬والمسلمة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬دور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬عبر‭ ‬الاندماج‭ ‬الإيجابي‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬والمشاركة‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭ ‬واحترام‭ ‬القانون،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هويتها‭ ‬الثقافية‭ ‬مع‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬النموذج‭ ‬لخطاب‭ ‬صحي‭ ‬متوازن‭ ‬وواقعي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا