من الواضح أن تصاعد الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا اليوم، وخاصة في فرنسا (حزب التجمع الوطني) وفي ألمانيا (حزب البديل من أجل ألمانيا) وفي إيطاليا، تكشف عن نزعة عنصرية متصاعدة بصورة خطيرة تصوّر المهاجرين العرب والمسلمين تهديدًا للهوية والقيم الوطنية الغربية، بل إن بعضها بات يستلهم صراحةً ما يُعرف بـ«نظرية الاستبدال الكبير» التي تزعم أن الهجرة مؤامرة لإحلال سكان مسلمين محل الأوروبيين الأصليين. ولم تعد هذه الأحزاب أصواتًا هامشية، بل باتت تحصد نسبًا متقدمة في الانتخابات الوطنية والأوروبية، وتشارك في الحكم أو تؤثر في صناعة القرار الوطني، مما يجعل خطابها أخطر وأوسع أثرًا وانتشارا. وهي خطابات تثير قلقًا مشروعًا لدى كثير من المراقبين والمنظمات الحقوقية، ومنهم أصوات أوروبية ليبرالية ويسارية تدافع عن التعددية والانفتاح والتعايش.
ويتغذى الخطاب اليميني الأوروبي المتطرف من إرث طويل، يستحضر أفكارا ومواقف مسبقة قديمة وجديدة ومنها فكرة «صدام الحضارات»، رغم أن أوروبا نفسها متعددة الأديان والثقافات، وأن قيمها المعلنة، كالديمقراطية والعلمانية والنزعة الإنسانية، تتناقض من حيث المبدأ مع أي خطاب إقصائي. بل إن الاقتصادات الأوروبية نفسها تعتمد اليوم على اليد العاملة المهاجرة لسد النقص الناجم عن شيخوخة السكان، وقد أسهم أبناء المهاجرين في نهضة القارة الأوروبية بإيجابية علمًا وثقافةً ورياضةً وفنا، وهي حقيقة يتعمد الخطاب المتطرف تجاهلها عن قصد. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين تيارات اليمين المتطرف والتيار الغربي العريض الذي لا يزال يدافع عن الانفتاح والتنوع، وكذلك بين المؤسسات الرسمية وخطاب بعض الأحزاب الشعبوية.
ومع ذلك، لا يمكن فهم تصاعد هذه الخطابات بمعزل عن التحولات في الواقع الأوروبي: موجات الهجرة الكبيرة والحروب في المنطقة، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل أوروبا نفسها، من تراجع القدرة الشرائية إلى أزمات السكن والبطالة، فضلًا عن تحديات أمنية حقيقية أفرزتها أعمال إرهابية أساءت إلى صورة الإسلام والمسلمين معًا في أوروبا. وقد وجد الشعبويون في هذه الأزمات مادة جاهزة لتحويل المهاجر إلى كبش فداء يُحمَّل مسؤولية إخفاقات لا يد له فيها. هذه العوامل مجتمعة أفضت إلى سياسات تشدد وحدود وجدران، لكنها لا تبرر خطاب الكراهية ولا تمنح شرعية للعنف.
كما يجب في الوقت نفسه من الإقرار بأن جانبًا من الخطاب العربي والإسلامي أسهم، عبر قراءات أحادية للتاريخ وللدين، في تكريس صورة الصدام بدلا من الحوار، تمامًا كما فعلت قراءات غربية متسرعة، كتلك التي فسّرت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر بعوامل ذاتية بحتة متجاهلةً سياقات التدخل والتهميش. فمواجهة التطرف بخطاب مضاد متجهم لا تخدم القضية، بل تُبقي الطرفين أسيرَي ذاكرة الصراع والثارات، ويغذي ذلك إعلامٌ مشحون بالغضب من الجانبين حين يختزل الآخر في صورة نمطية واحدة غالبًا ما تكون سلبية. كما أن جماعات متشددة في عالمنا العربي والإسلامي قدّمت، بممارساتها وخطابها، ذرائع مجانية لليمين الأوروبي كي يعمم أخطاء قلة على أمة بأكملها، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة.
فالمطلوب اليوم ليس مبارزة لتبادل الاتهامات، بل دبلوماسية وقائية وجسور معرفية وإنسانية تعترف بالمخاوف المشروعة لدى الطرفين، وتفكك الصور النمطية المتبادلة، وتعيد الاعتبار للأصوات المعتدلة والعقلانية في الجانبين. ويقع على الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا دور محوري في هذا المسار، عبر الاندماج الإيجابي في المجتمعات الأوروبية والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة واحترام القانون، مع الحفاظ على هويتها الثقافية مع السعي إلى تقديم النموذج لخطاب صحي متوازن وواقعي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك