في السادس من أكتوبر يصادف اليوم العالمي للمعلم الذي يأتي ليذكرنا بقيمة هذه المهنة العظيمة، ودورها في بناء الإنسان والمجتمع، وربما يكون من الأفضل أن نتجاوز عبارات الشكر التقليدية، وأن نتوقف عند المعلم نفسه دقيقة تأمل ونسأل أنفسنا: كيف هي بيئة عمله؟ وهل هذه البيئة تمنحه ما يحتاجه حتى يستمر في العطاء والإنجاز ويبقي شغفه مرتفعًا ويمكنه تأدية رسالته بروح متجددة. فالمعلم ليس مجرد موظف يقوم بتأدية مهام يومية، بل هو إنسان بحاجة إلى التقدير، والانتماء، وفرص التعلم والنمو، وأن يصل إليه شعور بأن ما يقوم به مهمًا في مؤسسته وله أثر بالغ وقوي على مجتمعه.
وهنا نتساءل عن دور الاستدامة في بناء بيئة العمل للمعلم، ونحن عندما نتحدث عن الاستدامة، فإن افكارنا غالبًا تتجه نحو البيئة، والمياه والطاقة والموارد الطبيعية والتغير المناخي، والمدن الذكية والاقتصاد والتكنولوجيا الخضراء. ولكن لو تأملنا قليلًا فإن خلف هذه المفاهيم جميعها يقف الإنسان؛ فهو الذي يفكر ويقرر وينتج ويستهلك، وهو المؤثر الأول في البيئة في محيطه. ولذلك فإن بناء مستقبل مستدام لا يمكن أن يعتمد فقط على السياسات والتكنولوجيا وحدها، إنما بحاجة إلى الإنسان الذي يمتلك وعيًا وقيمًا وسلوكًا تمكنه من القدرة على حماية الموارد الطبيعية، وصناعة الثقافة الخضراء وإمكانية التغير والتأثير في المحيط الذي يعيش فيه.
وبالإشارة إلى البيئة الإنسانية فهذا لا يعني أن تقل المسؤولية أو أن تخف التوقعات في إنجازات المعلم، إنما يقصد بذلك أن يتم التعادل في تحقيق التوازن بين المسؤولية والإنسانية، وبين الإنجاز ورفاه المعلم، وبين متطلبات العمل وحاجته إلى الاستمرار. فالاستدامة لا تعني فقط المحافظة على الموارد الطبيعية من التدهور، لكن هي مصطلح يتسع لجميع المجالات بما فيها الحفاظ على طاقة الموارد البشرية ومشاعرها وقدرتها على العطاء. ولعل هذا الأمر يبدو أكثر وضوحًا في الميدان التعليمي، فالمعلم لا يعمل في بيئة مهنية عادية، وإنما يعمل في المكان الذي تتشكل فيه أفكار الأجيال وقيمتها واتجاهاتها، ولذلك فإن بيئة عمل المعلم ليست مجرد مكان يؤدي فيه مهامه اليومية، بل هي جزء من البيئة التي تؤثر في جودة التعليم وفي شخصية الطالب، والمجتمع الذي نريده مستقبلا. والقصد من ذلك، أن الاستدامة تبدأ من الإنسان قبل أن تبدأ من المشروعات والأدوات المصاحبة، ومن الثقافة قبل أن تصبح سياسة أو خطة، وهنا فإننا حين نتحدث عن المعلم، فنحن نتحدث عن إنسان يعيش هذه القيم الخضراء، وينقلها إلى جيل بعد جيل؛ لذا فإن التركيز على بيئة العمل للمعلم، والتأكد من جودتها ليس أمرًا جانبيًا، إنما هو جزء لا يتجزأ من العمليات التعليمية واستدامتها، وحتى يمتد أثرها إلى الطلبة من خلال تعلمهم، وتفاعلهم، وشعورهم بالدافعية، والأمان.
وربما نحتاج اليوم إلى إعادة النظر في السؤال الذي نطرحه عن بيئة العمل. فبدلًا من أن نسأل ماذا أنجز المعلم؟ نسأل كيف عاش تجربته في العمل، وهل ساعدته البيئة أن يكون أفضل؟ وهنا شهادة للتاريخ من موقع خبرتي التربوية سنوات عدة في الميدان التربوي بجميع مراحله التعليمية، والتي عشتها فيها موقع المعلم، أرى أن المعلم في مدارسنا يعيش تجربة مهنية متوازنة تحفظ حقوقه، وتدعم أداء واجباته، وتساعده على تطوير ممارساته لإحداث فرق حقيقي في حياة طلبته. كما أن للقيادات التعليمية العليا دورًا جوهريًا، انطلاقًا من إيمانها بقدرة وكفاءة المعلم، ودوره المحوري الداعم للعملية التعليمية عبر صناعتها لبيئة يشعر فيها المعلم ليس مجرد منفذ، بل إنه شريك أساسي في صناعة الأثر، والثقافة المستدامة؛ لذا فقد حرصت على توفير بيئة تمكنه من أداء رسالته ليقدم أفضل ما لديه بكفاءة وجودة.
إن القيادة الناجحة التي تدير مؤسساتنا التعليمية لديها إيمان راسخ بأن الاستدامة لا تبدأ فقط من المباني، ولا من الخطط، ولا من النظام؛ بل من المعلم الإنسان، وحين يشعر المعلم أن جهده له قيمة وتقدير، وصوته مسموع، يصبح أكثر قدرة على جعل البيئة التعليمية بيئة مانحة لطلبته الثقة والانتماء والدافعية رغم أي تحديات، ولعل الدليل الأبرز على ذلك هو ما نراه اليوم من إنجازات تعليمية لأبنائنا الطلبة يفخر بها الوطن في شتى المجالات، وفي الحقيقة ما هي إلا ثمرة معلمين يؤمنون برسالتهم في مواصلة العطاء لبناء وصناعة طالب المستقبل. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المعلم ليس مجرد جزء من بيئة العمل، بل هو أحد أهم صانعيها. فهو يؤثر في أقرانه من المعلمين وفي طلبته، وينقل ثقافة المؤسسة التعليمية التي تنتمي إليها فصوله الدراسية، ويسهم بفاعلية في تحويل القيم والسياسات إلى ممارسات يراها الطالب كل يوم، ولهذا فإن الاستثمار في بيئة عمل المعلم هو استثمار في الطلبة، وفي المدرسة والمجتمع، وصولًا إلى مستقبل الوطن.
وعليه فإن بناء ثقافة الاستدامة وصناعتها تبدأ من ثقافة العمل نفسه، فعندما يشعر المعلم ان المتابعة المهنية هدفها مساعدته على تحسين أدائه، فإن العلاقة تصبح أكثر إيجابية، وعندما تتحول العلاقة من البحث عن الخطأ إلى البحث عن فرصة للتحسين، فإنها بالتأكيد سوف تسهم في بناء ثقافة مهنية قائمة على التعلم المستدام، وهنا يأتي دور القيادات التعليمة والجهات المختصة في بناء هذه الثقافة، فعلى سبيل المثال الزيارة الصفية التي تعبر عن أهم أدوات تقييم المعلم في الأداء والتقدم الوظيفي، لم تكن مجرد متابعة لأداء المعلم، إنما هي مساحة للحوار، وتحديد جوانب التميز والتطوير، وتبادل الخبرات، وتحديد الاحتياجات المهنية، وتقديم تغذية راجعة تساعد المعلم على التطور. وغالبًا ما ينزعج المعلمون عند تحديدها، والشروع في تنفيذها، وطبعًا هذا لا يعني أن نتخلى عن معايير الجودة أو متابعة الأداء، وإنما في الطريقة التي نحقق بها هذه الأهداف، فالتقييم والتطوير ليسا طرفين متعارضين، بل يمكن أن يكون التقييم نقطة انطلاق للتطوير عندما يتم في إطار الاحترام والحوار والعدالة.
وأخيرًا نحن نعلم جيدًا أن كل إنجازات المعلم ليست قابلة للقياس، ولا يمكن اختزال أثره في تقرير أداء وظيفي أو في نتيجة اختبار، فهناك أثر آخر يتشكل بصمت في جانب آخر، وقد يظهر بعد عدة سنوات، وقد يكون هو الأعمق والأقوى؛ ومن أكثر الأمثلة ثباتًا وأثرًا هو ما يترك لدى الطلبة أثرًا في استعادة ثقتهم بأنفسهم، واكتشاف مواهبهم والإيمان من قبل معلميهم بأنهم يصنعون الفرق، وجميع هذه التفاصيل الصغيرة لا تظهر في مؤشرات الأداء ولا ترصد في التقارير، ولكنها في الواقع تمثل جوهر الرسالة التعليمية، ومن هنا إذا أردنا أن نبني مستقبًلا مستدامًا، وأن نصنع جيًلا يحترم الإنسان والبيئة، فيجب علينا أن نستمر بالاستثمار في تهيئة بيئة العمل المحفزة للمعلم، لأن المستقبل الأخضر، لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، وإنما تصنعه الثقافة الإنسانية، التي ترى أن للمعلم قيمة، وفي عمله رسالة، واستدامة بما يغير أسلوب الحياة وجودتها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك