هل يمكن لانتخابات التجديد النصفي المنتظرة المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر 2026 أن تكسر إحدى أكثر القواعد السياسية ثباتاً ورسوخا في الولايات المتحدة الأمريكية؟
وفي حين أن المعسكر الرئاسي عادةً ما يتعرض للعقاب الانتخابي في منتصف الولاية الرئاسية، فقد يستفيد الرئيس دونالد ترامب من سياق سياسي وانتخابي غير مسبوق، من شأنه أن يرسّخ حالة «إعادة الاصطفاف» الجمهوري التي بدأت ملامحها تظهر منذ عام 2016.
وغالباً ما اعتبر فوز دونالد ترامب في عام 2024 مؤشراً على إعادة اصطفاف دائمة في الحياة السياسية الأمريكية؛ إذ بدا أن المرشح الجمهوري قد أحدث تحولاً عميقاً في التحالف الانتخابي لحزبه، وذلك من خلال فوزه بالتصويت الشعبي، وتحقيقه تقدماً في صفوف جميع الفئات الاجتماعية والديموغرافية تقريباً، ومواصلته تعزيز المكاسب التي بدأها منذ عام 2016 بين الناخبين من الطبقات الشعبية وذوي الأصول الإسبانية والأمريكيين من أصل إفريقي.
رأى العديد من المراقبين في ذلك بدايةً لـما أسموه «أغلبية جمهورية جديدة»، تضاهي عمليات إعادة الاصطفاف الكبرى التي طبعت التاريخ السياسي للولايات المتحدة الأمريكية.
وستشكل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 اختباراً حاسماً في هذا الصدد. فإذا نجح الجمهوريون في الحفاظ على أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس، فإن فرضية حدوث إعادة اصطفاف حقيقية ستتعزز بشكل كبير هذه المرة.
غير أن رهانات هذا الاستحقاق الانتخابي تتجاوز مجرد الصراع حول التفسيرات، نظراً إلى الدور الحاسم الذي تلعبه صلاحيات الكونغرس في تحديد مسار الأجندة الرئاسية، إذ من شأن خسارة مجلس النواب وحده أن تحرم دونالد ترامب من جزء من هامش المناورة التشريعية المتاح له.
أما الهزيمة المزدوجة في كل من مجلسي النواب والشيوخ فستحول ترامب -خلال العامين الأخيرين من ولايته- إلى ما يُعرف بـ«البطة العرجاء»، أي رئيساً ضعيفاً ومعرضاً، علاوة على ذلك، لخطر الملاحقة بهدف العزل.
غير أن التاريخ الانتخابي الأمريكي لا يصب في مصلحة المعسكر الرئاسي في هذه المرحلة من العهدة الرئاسية. فمن أصل 41 انتخابات نصفية أُجريت منذ عام 1860 -أي منذ ترسيخ نظام الحزبين في الولايات المتحدة الأمريكية- أسفرت 38 منها عن تراجع حزب الرئيس في مجلس النواب.
ولا يقتصر هذا الاتجاه على مجلس النواب الأمريكي فحسب؛ إذ إن انتخابات مجلس الشيوخ التي تُجرى في منتصف العهدة الرئاسية غالباً ما تكون نتائجها غير مواتية لحزب الرئيس أيضاً، وكذلك الحال بالنسبة إلى انتخابات حكام الولايات أو المجالس التشريعية فيها.
وهذا النمط المتكرر -الذي أشار إليه لأول مرة عام 1913 الخبير البريطاني الشهير في القانون الدستوري جيمس برايس- لا يرتبط بمستوى شعبية الرئيس. فقد شهد كل من فرانكلين روزفلت (عام 1938) ودوايت أيزنهاور (عام 1958) ورونالد ريجان (عام 1986) تراجعاً في أداء أحزابهم، رغم تمتعهم بتأييد واسع من الرأي العام، تماماً كما حدث مع رؤساء كانوا يفتقرون إلى الشعبية وقت إجراء الانتخابات النصفية.
وحدها درجة التراجع هي التي تتفاوت بشكل كبير؛ إذ يبلغ متوسط المقاعد المفقودة في مجلس النواب 34 مقعداً منذ عام 1862، لكن مع وجود فوارق هائلة تتراوح بين 4 مقاعد في عهد جون كينيدي عام 1962 و127 مقعداً في عهد غروفر كليفلاند عام 1894.
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن متوسط ??حجم هذه «الخسائر الرئاسية» يميل إلى الانخفاض، وذلك نتيجةً لعوامل مجتمعة تشمل: ندرة الدوائر الانتخابية المتنافس عليها (التي لا تحسم نتيجتها مسبقاً)، والميزة الانتخابية المتزايدة التي يتمتع بها شاغلو المناصب الحاليون، وتصاعد الاستقطاب الحزبي الذي يحد من احتمالات تحول الولاءات الانتخابية.
وقد طرح علماء السياسة الأمريكيون تفسيرين رئيسيين لهذه الظاهرة؛ إذ ينظر التفسير الأول إلى انتخابات منتصف العهدة الرئاسية باعتبارها نوعاً من الاستفتاء على العامين الأولين من فترة الرئاسة؛ حيث يستغل الناخبون هذا الاقتراع للتعبير عن رضاهم -أو في الواقع عن استيائهم- إزاء الأداء والسياسات التي انتهجتها سلطات البيت الأبيض.
علاوة على ذلك، فإن تراجع المعسكر الرئاسي في انتخابات منتصف الولاية يزداد حدةً -من الناحية الهيكلية- بسبب ميل الناخبين المعارضين للرئيس إلى التوجه لصناديق الاقتراع أكثر من أولئك الذين يؤيدون أداءه. ومع ذلك، يظل هذا التفسير عاجزاً عن توضيح سبب تعرض رؤساء يتمتعون بشعبية -وفي ظل ظروف اقتصادية مواتية- لانتكاسات انتخابية أحياناً.
ويركز التفسير الثاني بشكل أكبر على الخصائص المميزة للانتخابات الرئاسية التي تسبق انتخابات منتصف العهدة الرئاسية. ففي الانتخابات الرئاسية، تؤدي التغطية الإعلامية المكثفة للحملة والأهمية الكبيرة التي يوليها الناخبون للرهانات المطروحة إلى استقطاب ناخبين لا يتمتعون بوعي سياسي كبير نحو صناديق الاقتراع.
وعادةً ما يصوت هؤلاء للمرشح الذي يكتسب زخماً قوياً في تلك اللحظة، مع دعمهم في الوقت نفسه لمرشحي حزبه في الكونغرس الأمريكي. أما بعد مرور عامين فيؤدي تراجع الأهمية الملموسة للانتخابات إلى انخفاض حاد في نسبة المشاركة، ولا سيما في أوساط هذه الفئة من الناخبين غير المسيسين.
وهكذا، يفقد حزب الرئيس جزءاً من الكتلة الناخبة الإضافية التي أسهمت في فوزه، وهو ما قد يفسر الانتكاسات التي تُسجَّل بانتظام في منتصف العهدة الرئاسية. والواقع أنه تاريخياً، كلما كان الفوز الرئاسي ساحقاً كانت هزيمة الحزب بعد عامين أشد وطأة.
وفي حقبتي الثمانينيات والتسعينيات نجح الأكاديمي جيمس كامبل في التوفيق بين المقاربتين؛ إذ يفسر «تراجع التعبئة الانتخابية المتفاوت» (الجانب الأكبر من ظاهرة «خسائر الحزب الرئاسي»، في حين لا تظهر فاعلية «منطق الاستفتاء» إلا لدى الناخبين المستقلين، الذين يشكل تصويتهم في منتصف العهدة الرئاسية حكماً على الأداء الرئاسي. وتكمن ميزة هذا النموذج في قدرته على تفسير كل من الطابع شبه الحتمي لهزيمة الحزب الحاكم، والتباين الكبير في حجم هذه الهزيمة.
تشير كل المعطيات إذن إلى أن هزيمة الجمهوريين في عام 2026 هي السيناريو الأكثر ترجيحاً بفارق كبير. ومع ذلك، ثمة عوامل عدة تدعو إلى عدم اعتبار هذه النتيجة حتمية.
يتعلق العامل الأول بمجلس الشيوخ؛ فخلافاً لمجلس النواب الذي تُجدَّد فيه جميع المقاعد دفعة واحدة، يخضع ثلث أعضاء مجلس الشيوخ فقط لاختبار صناديق الاقتراع كل عامين. وتُظهر الخريطة الانتخابية لعام 2026 وضعاً يبدو مواتياً نسبياً للجمهوريين، إذ سيتعين على الديمقراطيين الدفاع عن مقاعد عدة في ولايات فاز فيها دونالد ترامب خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024 (مثل ميشيغان وجورجيا)، في حين يبدو أن عدداً قليلاً فقط من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الحاليين يواجهون تهديداً حقيقياً في هذه المرحلة.
ولإزاحة الأغلبية الجمهورية الحالية في مجلس الشيوخ (التي تبلغ 53 مقعداً من أصل 100)، سيتعين على الديمقراطيين الفوز في ولايات دعمت الرئيس بقوة في الانتخابات الأخيرة، نذكر منها على وجه الخصوص ولايتي أوهايو وتكساس.
هكذا ومن ثم، حتى في حال تدهور المناخ السياسي في الولايات المتحدة الأمريكي، يظل الاحتفاظ بالسيطرة على مجلس الشيوخ هدفاً قابلاً للتحقيق بالنسبة إلى سلطات البيت الأبيض.
أما العنصر الثاني فيتعلق بمجلس النواب، إذ يأمل الديمقراطيون بطبيعة الحال الاستفادة من النزعة التقليدية لمعاقبة حزب الرئيس في الانتخابات، وذلك لاستعادة الأفضلية في مواجهة الأغلبية الجمهورية الضئيلة (220 مقعداً من أصل 435).
غير أن معركة إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية -التي أطلقها الجمهوريون في تكساس صيف عام 2025 بناءً على طلب دونالد ترامب شخصياً- قد زادت من تعقيد مهمة الديمقراطيين.
وبشكل عام، عززت هذه المواجهة السياسية والقضائية موقف الجمهوريين، حيث أعادت ثماني ولايات ترسيم دوائرها الانتخابية بما يصب في مصلحة الحزب الجمهوري، مقابل ولايتين فقط فعلتا الأمر ذاته لصالح الديمقراطيين، ما جعل الخريطة الانتخابية لمجلس النواب تميل -في مجملها- لصالح المعسكر الرئاسي أكثر مما كانت عليه بعد انتخابات عام 2024.
ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية لا تخلو من المخاطر؛ ففي سعيهم لتأمين أكبر عدد ممكن من المقاعد، اضطر الجمهوريون أيضاً إلى تشتيت قاعدتهم الانتخابية في عدد من معاقلهم، ما قد يجعلهم أكثر عرضة للخطر في حال حدوث موجة ديمقراطية أقوى مما كان متوقعاً.
والأهم من ذلك، ربما تشكل الآفاق الاقتصادية المتغير الأبرز لفهم مجريات الاقتراع. فإذا كانت انتخابات منتصف الولاية تمثل -جزئياً- استفتاءً على أداء الرئاسة، فإن نظرة الناخبين إلى الوضع الاقتصادي تلعب دوراً محورياً في تشكيل أحكامهم.
غير أن المؤشرات أظهرت في الأشهر الأخيرة علامات مدهشة على الصمود. فعلى الرغم من استمرار التوتر الشديد في السياق الدولي، ظل معدل البطالة تحت السيطرة، وجاءت وتيرة التضخم أقل حدة مما كان متوقعاً.
وفي ظل مناخ عام يتسم بالكآبة الشديدة، ومواجهة رئيس غالباً ما تتسم رسائله بالتخبط أو حتى بالنتائج العكسية فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية، قد تكون قدرة المرشحين الجمهوريين على إبراز بعض نجاحاتهم الأخيرة -مثل خفض الضرائب على الإكراميات وساعات العمل الإضافية- عاملاً حاسماً.
يخوض دونالد ترامب انتخابات التجديد النصفي في ظل وضع متناقض؛ فمن ناحية، تشير الوقائع التاريخية الأمريكية والنماذج الانتخابية ونتائج عقود من الأبحاث في العلوم السياسية إلى استنتاج موحد؛ هو أن حزب الرئيس يفقد عادةً جزءاً من نفوذه بعد عامين من توليه السلطة. ومن ناحية أخرى، قد تتيح بعض العوامل الهيكلية والظرفية للجمهوريين الحد من هذه الخسائر، أو حتى الحفاظ على أغلبيتهم في الكونغرس.
ورغم أن هذا السيناريو يظل اليوم أقل احتمالاً من فوز الديمقراطيين -ولا سيما في مجلس النواب- فإنه يظل احتمالاً وارداً لا يمكن استبعاده. وإذا ما نجح دونالد ترامب بالفعل في الاحتفاظ بالسيطرة على كل من مجلسي النواب والشيوخ فإن الأبعاد السياسية لهذه النتيجة ستتجاوز بكثير حدود انتخابات منتصف الولاية هذه.
وحينها، سيُشكل هذا الإنجاز حجة قوية للغاية تدعم فكرة أن الانتصارات الجمهورية التي تحققت في عامي 2016 و2024 لم تكن مجرد محطات عابرة، بل كانت بمثابة نقاط تحول جوهرية في التاريخ الانتخابي والسياسي للولايات المتحدة الأمريكية.
{ كاتب صحفي بمجلة الدراسات السياسية الفرنسية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك