بعد عمليات «11 سبتمبر عام» (2001) الإرهابية قرَّرت أمريكا أن تنتقم، فشنّت حربين. الأولى على أفغانستان ضدّ «طالبان»، انتهت بعد ربع قرن بعودتهم إلى السلطة، وإبقاء معسكر غوانتنامو مفتوحاً. واقتادت القوات الأمريكية إليه 758 رجلًا و22 قاصراً، مواطني 40 بلداً، كلّهم مسلمون. تمكّنت من خطفهم بواسطة عُملائها، الأفغان والباكستانيين. وركّبت عليهم تهمة الانتساب إلى «القاعدة»، المسؤولة المُفترضة عن تلك العمليات. خضع بعضهم للمحاكم العسكرية، وبقي الآخرون هناك من دونها. وجميعهم تَعرّضوا للتعذيب بأشكاله المعروفة، والأقلّ حظّاً منهم أُدخل إلى سجون «سي أي أي» السرّية، وكان نصيبه أنواعاً غير «مألوفة» من التعذيب. عددٌ منهم خرج من المُعسكر، بعد سنوات، أحياناً عشر أو 15 أو حتى 20 سنة، وأحياناً من دون أن تُوجّه إليه تهمة مُحدّدة. وبالتالي من دون محاكمة. واليوم، يقبع في غوانتنامو 15 سجينا.
كتب ثلاثة سجناء مُحرّرون قصصهم في غوانتنامو. الأوّل الموريتاني محمدو ولد صلاحي، أمضى 14 سنة هناك، واضطر للاعتراف بجرائم لم يرتكبها ليخرجَ منه. كتابه «دفاتر غوانتنامو». الثاني، مراد كورناز، تركي وُلد في ألمانيا وعاش فيها. قضى حوالي خمس سنوات في المعسكر، وخرج منه عاجزاً عن المشي. كتابه «في جحيم غوانتنامو». والثالث اسمه معظم بيك، بريطاني، كان نصيبه ثلاث سنوات فيه، من دون أنْ تُوجّه إليه أيّ تُهمة. كان قبل ذلك شاهداً على التعذيب حتى الموت في قاعدة باغرام الأمريكية داخل أفغانستان. عنوان كتابه: «مقاتل عدو: سجني في أفغانستان، في باغرام وفي قندهار».
جورج بوش، صاحب القرار في هذا كله أوجعه ضميره في نهاية عهده، وتمنّى إغلاق السجن. لم يفلح. أوباما وبايدن حاولا أيضا إغلاقه، وفشلا. أمّا ترامب، فتمسّك به، وممّا قال عنه: «لدينا 30 ألف سرير في غوانتنامو لاحتجاز أسوأ المهاجرين غير الشرعيين المجرمين الذين يهددون الشعب الأمريكي».
تلك هي الحصيلة «المحلية» للحرب الأمريكية على الإرهاب الإسلامي، بعد ربع قرن. معسكر فظائع، مُخالف بكلّ أوجهه للقانون الأمريكي، تحوّل إلى سجن غير قانوني لطرائد غير قانونية، بالنظر إلى القانون الأمريكي نفسه.
حصلت وقائع الفصل الثاني لهذه الحرب في العراق بعد أفغانستان، بتشجيع من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ وتمثلت في الاجتياح نفسه عبر القصف والزحف البري والإنزال، وصولاً إلى اعتقال رئيسه صدام حسين.
والنتيجة أنّ العراق، بعد هذا الاجتياح، دخل في المدار الإيراني. قبل ذلك، كانت أمريكا في أوج تألّقها. وسمحت لنفسها باختراع كذبة امتلاك صدّام حسين «أسلحة الدمار الشامل»، فجاءت هيمنتها على المنطقة، وصارت بحاجة إلى إعادة هذه الهيمنة بحرب جديدة على إيران، وبتشجيع من نتنياهو، إيّاه، من أجل «فجر شرق أوسط جديد»، منعًا لتحوّل إيران إلى قوّة إقليمية جديدة (على غرار «العراق سيكون جزءاً من شرق أوسط جديد»، لمستشارة الأمن القومي الأمريكي وقتها، كوندوليزا رايس). ولا حاجة إلى ذكر تفاصيل المجموعات العراقية المسلّحة ذات الولاء الإيراني، التي تُشارك في هذه الحرب الأخيرة بهجمات مُتنوّعة مُركّزة، أو بأخَوات تلك المجموعات، السائرة على نهجها، أمثال حزب الله (لبنان) وأنصار الله (اليمن). تلك هي نتائج 11 سبتمبر على أمريكا. النتائج «الموضوعية»، أقصد، لأنّ «الجو» الآن فيها ليس مُؤَاتياً أبداً للبحث في إخفاقاتها، مع أنّ خيطاً رفيعاً يربط الوقائع كلّها، التي ينساها الأمريكيون أو يتجاهلونها. حروبهم السابقة التي فشلوا فيها عسكرياً وأخلاقياً، وحربهم الحالية التي تحاول تصحيح هذا الفشل... وخيطها هذا هو الإسلاموفوبيا التي انتقلت من الخارج، حيث كانت تُعطي الحجّة تلو الأخرى، لتصريف طاقات أمريكا الحربية، وحطّت أخيراً رحالها في الداخل. أو على الأقل، كان الإسلام عدواً خارجيّاً قابلاً لحروب لا تضرّ الداخل، وتحوّل إلى شأن محلي صرف. كيف؟ بأيّ حافز؟
بدأت حملة الإسلاموفوبيا الجديدة هذه قبل الذكرى السنوية لـ11 سبتمبر. بعد فوز زهران ممداني عمدة لبلدية نيويورك. وتصاعدت وبلغت حدّة غير معهودة بُعيد فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، للترشّح إلى مجلس الشيوخ، في الانتخابات النصفية القادمة، بعد أقلّ من شهرين. وحسب المُراقبين والباحثين قد تكون هذه الحملة الأقوى منذ عمليات 11 سبتمبر، مع الفرق كما ذكرتُ بأنّ الحملة السابقة كانت موجّهة إلى الخارج.
من الذي سبق الآخر؟ مواقع التواصل؟ النواب الجمهوريون؟ ترامب نفسه، أو نائبه جي دي فانس؟ اللوحة مُتداخلة، ومضطربة أحياناً. فلنبدأ بالجمهور العريض، أي المواقع.
إذن، فوز عبد الرحمن السيد: قبل هذا الفوز، وخلال حملته الانتخابية، كان مأخذ روّاد المواقع عليه أنّه «اشتراكي، تقدمي»، وأحياناً «شيوعي». وبعد فوزه، صارت آلاف التعليقات تركّز على كونه «مسلماً». وبمجرّد أنّه تمنى لنفسه النجاح ونطق بالعربية «إن شاء الله»، تحوّل إلى حامل مشروع «أسلمة الولايات المتحدة»، و«تهديد ديني وأيديولوجي للولايات المتحدة». وهكذا... دخل السيد في المشهد، وقبله ممداني، فسيطرت الإسلاموفوبيا على المواقع. وصارت «الشريعة» الهدف الأوّل للحرب «الفكرية» في المواقع، وحُمِّل عبد الرحمن السيد لقب «إسلامي متطرف».
الموجة نفسها على المستوى الأعلى، أي النواب، ليس الأمر بالأرقى. نائبا تكساس، مثلاً، أسّسا، «التكتل من أجل أمريكا خالية من الشريعة». سبقهما أو لحقهما نوّاب جمهوريون، ذوو تصريحات مُضحكة، تستهدف ممداني والسيد، من نوع: «يكرهون اليهود، يكرهون المسيحيين، ويكرهون الرأسمالية، ويكرهون أمريكا» (تد كروز). أو: «كل مسلم يتولى منصباً عاماً في أمريكا هو حصان طروادة» (نانسي ماس). أو: «نحن بحاجة إلى المزيد من الإسلاموفوبيا، لا إلى التقليل منها. والخوف من الإسلام أمر عقلاني» (راندي فاين). أو: «لا مكان للمسلمين في المجتمع الأمريكي» (آندي أوغل).
نائب الرئيس جي دي فانس لم يُدشّن الحملة الإسلاموفوبية، إنّما انضم إليها ومنحها ثقلاً رسمياً لا يُضاهى. يركّز على السيد، يُشيْطنه، يُهينه، يَعزله. فيخطب: «ثمة شيء في (عبد الرحمن) السيد شرير، شرير جدا». أو: «رجل يُبدي التعاطف والشفقة تجاه الأشخاص الذين يشاركونه دينه، لكنه لا يُبدي شيئاً من ذلك تجاه الذين لا يشاركونه هذا الدين» (...) هكذا تُدمَّر الولايات المتحدة الأمريكية».
أمّا ترامب، فلا حاجة له أن يخطب. إسلاموفوبيته موزّعة هنا وهناك، بين أقوال وأفعال لا تُحصى: منع المسلمين من دخول أمريكا، تعميم الشبْهة حولهم، ربطهم بالإرهاب، انتقاله بسهولة فائقة من الكلام عن الإسلاميين المتطرفين إلى المسلمين والإسلام، كلامه عن «كراهية شديدة يكنّها الإسلام لنا»، وأنّ «نسبة عالية من المسلمين في أمريكا مُتأهّبة لمحاربتها». تشديده على «حسين» وسط اسم باراك أوباما، ودائما بلهجة عدائية. قوله المشحون دائما: «باراك حسين أوباما!». نشره لصورته هو زوجته بفستان السهرة الباذخ الكاشف، إلى جانب صورة عبد الرحمن السيد وزوجته المُحجّبة بثيابها البسيطة... ومن دون الحاجة إلى التعليق.
وقد يكون استقباله «الدافئ» الرئيس السوري أحمد الشرع أبلغ معنى لانتقال الإسلاموفوبيا من الخارج إلى الداخل. قال عنه وقتها: «أنا معجب به، وأنسجم معه (...) قائد قوي جدا (...) إنه آتٍ من مكان شديد الصعوبة، وهو رجل صلب… لقد كانت لنا جميعاً تجارب صعبة في الماضي». وهذا «الماضي الصعب» يروي أنّ الشرع قاتل القوات الأمريكية في العراق، عبر تنظيم «القاعدة»، ثم قاد «جبهة النصرة» المُرتبطة بـ«القاعدة» في سورية، قبل أن يؤسّس «جبهة فتح الشام»، ثم يشارك في تأسيس «هيئة تحرير الشام»، ويتولى قيادتها لاحقا.
{ باحثة وأكاديمية من لبنان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك