كم كتابا تستطيع أن تتذكّره من بين مئات الكتب التي قرأتها؟ وربما تستطيع أن تتذكّر مكانك وأنت تقرأه، ومن كان يجلس إلى جوارك، والمدينة التي كنت تعيش فيها، وحتى شكل النافذة التي كان يدخل منها الضوء. تبقى بعض الكتب في الذاكرة بطريقة تتجاوز صفحاتها وحكاياتها، ويكفي أحياناً أن تقع العين على عنوان قديم حتى تعود سنوات كاملة إلى مكانها، كأن الكتاب كان يحتفظ لنا بنسخة من أعمارنا.
هناك كتب نقرأها ثم نضعها في الرفّ ونمضي، وبعد سنوات قد لا نتذكّر منها شيئاً. وهناك كتب تلتصق بمرحلة من حياتنا إلى درجة يصعب معها الفصل بين الكتاب وما كنّا عليه حين قرأناه. يصبح الكتاب جزءاً من السيرة الشخصية، وتتحوّل صفحاته إلى أبوابٍ تؤدّي إلى أماكن قديمة في الذاكرة.
ربما لهذا لا تكون علاقتنا بالكتب معرفية فقط. نحن نقرأ لكي نعرف، ونكتشف أصواتاً وأفكاراً وتجارب لم نعشها، ونقرأ أحياناً لكي نفهم أنفسنا من خلال الآخرين. وكلما تقدّم بنا العمر اكتشفنا أن الكتاب الذي أثر فينا في العشرين قد لا يقول لنا الشيء نفسه في الأربعين. الكلمات نفسها، ونحن الذين تغيّرنا.
عدتُ مرّة إلى بعض الكتب التي أحببتها في بدايات القراءة، فوجدتُ نفسي أمام قارئة أخرى كنتُها ذات يوم. جُملٌ كانت تبدو لي عظيمة مرّت هذه المرّة بهدوء، وأخرى لم أنتبه إليها من قبل توقفت عندها طويلا. شعرت بأنني أقرأ الكتاب وأقرأ معه المسافة التي قطعتُها منذ المرّة الأولى. وهذه من أجمل وظائف القراءة: إنها تكشف لنا تغيّرنا من غير أن تطلب منا ذلك.
حتى التفاصيل الصغيرة المحيطة بالكتاب تدخل في ذاكرته. كتاب اشتريته من معرضٍ للكتب قد يحمل معه رائحة المكان وأصواته وممرّاته. رواية أهداك إياها صديق قد تبقى مرتبطة بصوته وبمرحلة جمعتكما. وديوان شعر قرأته في سفر قد يستعيد معك شارع المدينة ومساءاتها. وأحيانا تكون هناك ورقة صغيرة بين الصفحات، أو تذكرة، أو ملاحظة بخط اليد، فتتحول هذه الورقة إلى مفتاح يفتح ذاكرة كاملة.
لهذا يصعب علينا أحيانا التخلص من كتابٍ لم نعد بحاجة إليه. نعرف أن الرفّ مزدحم، وأن بعض الكتب قد لا نفتحها مرّة أخرى، ومع ذلك نتردّد. فنحن حين ننظر إلى الكتاب لا نرى غلافه فقط، وإنما نرى أنفسنا في زمنٍ قرأناه فيه، ونرى فكرة كنا نؤمن بها، أو سؤالاً كان يشغلنا، أو شخصاً كان قريباً منا ثم ابتعد. والكتاب لا يحفظ الماضي فقط، وإنما يساعدنا على إعادة قراءته. نعود إلى نص قديم فنكتشف أن بعض أفكارنا تغيرت، وأن ما كنّا نراه حقيقة نهائية كان موقفاً من مواقف العمر، وأن تجاربنا اللاحقة منحت الكلمات معاني جديدة.
لهذا أحبّ أن أرى المكتبة خريطة شخصية للوقت. هناك كتابٌ يمثّل بداية، وآخر يمثّل تحولاً، وثالث يرتبط برحلة، ورابع جاء في سنة ثقيلة وفتح نافذة صغيرة. وبين هذه الكتب تتشكّل حياة كاملة، ربما أكثر صدقاً من صور كثيرة نحتفظ بها.
حين نفتح كتاباً قديما بعد سنوات، قد لا نجد القارئ الذي كنا عليه، لكننا نجد أثره. نلمس شخصاً جلس يوماً تحت ضوء مختلف، وقرأ الكلمات نفسها بقلبٍ آخر وأسئلة أخرى. عندها نفهم أن بعض الكتب لا تبقى معنا لأنها عظيمة فقط، وإنما لأنها وصلت إلينا في اللحظة التي كنّا مستعدّين فيها لسماعها.
لهذا تصبح القراءة ذاكرة ثانية للحياة. ننسى تفاصيل كثيرة، وتبقى بعض الكتب شاهدة عليها. يكفي أن نفتح صفحة قديمة حتى يعود صوت بعيد، ومكان غاب، ووجه تغير، ونسخة من أنفسنا ظننا أننا فقدناها. وحينها لا نقرأ كتاباً قديما، وإنما نفتح عمرا كاملا.
{ شاعرة وكاتبة كويتية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك