«قدمت على عشرات الوظائف، ولم أحصل حتى على فرصة مقابلة واحدة».
عبارة نسمعها من أغلب الباحثين عن عمل، وغالبًا ما يصاحبها شعور بالإحباط والحيرة. فهو يقدم على وظائف مرة بعد أخرى، ولا يرى نتيجة تتناسب مع الجهد الذي يبذله، فيبدأ بالسؤال: أين المشكلة؟
لكن ربما هناك سؤال يسبق ذلك:
هل كل شخص يبحث عن عمل يحتاج إلى النوع نفسه من الدعم؟
نستخدم وصف «باحث عن عمل» وكأنه يشير إلى فئة واحدة، بينما قد يقف خلفه أشخاص في مراحل وظروف مختلفة تمامًا.
فقد يكون خريجًا يدخل سوق العمل للمرة الأولى ولا تزال وجهته غير واضحة. وقد يكون آخر يعرف ما يريد، لكنه تقدم إلى عشرات الوظائف دون أن يصل إلى مقابلة واحدة. وهناك من يصل إلى المقابلات باستمرار، لكن رحلته تتوقف عندها.
وقد يكون الباحث صاحب خبرة أمضى سنوات في سوق العمل، ثم فقد وظيفته أو انتهى عمله، ليجد نفسه أمام سوق ربما تغير كثيرًا منذ آخر مرة بحث فيها عن فرصة، ولا يعرف من أين يبدأ طريق العودة.
جميعهم باحثون عن عمل، لكن نقطة البداية وفجوة الجاهزية ليست واحدة.
أين تقع فجوة الجاهزية؟
الجاهزية المهنية ليست مجرد امتلاك سيرة ذاتية جيدة، أو حضور برنامج في مهارات التوظيف، أو التدريب على المقابلة. إنها قدرة الباحث على إدارة انتقاله إلى سوق العمل بوعي واستقلالية، بحسب المرحلة التي يقف فيها.
لذلك، ربما يكون السؤال الأول الذي نحتاج إلى طرحه:
أين تقع فجوة جاهزية هذا الباحث؟
فمن لا يعرف إلى أين يتجه يحتاج إلى تدخل مختلف عمن يعرف وجهته لكنه لا يصل إلى المقابلات. ومن يصل إلى المقابلة ثم تتوقف رحلته يحتاج إلى دعم مختلف عمن يعود إلى سوق العمل بعد سنوات من الخبرة.
حتى تعديل السيرة الذاتية، الذي تقدمه اليوم جهات ومواقع ومعاهد وجامعات ضمن خدمات دعم الباحثين، يظل أداة مهمة، لكنه ليس نقطة البداية لكل حالة.
ومع انتشار خدمات كتابة السير الذاتية، قد يعتقد الباحث القَلِق أن عدم حصوله على مقابلات يعني تلقائيًا أن المشكلة في سيرته. فيعيد تعديلها مرة بعد أخرى، بينما قد تكون فجوة الجاهزية في مكان آخر تمامًا.
القضية ليست في قيمة الخدمة، بل في اختيار التدخل المناسب بعد فهم الفجوة.
الباحث هو قائد الرحلة ومهما تعددت الخدمات والبرامج، يبقى الباحث نفسه قائد رحلة البحث عن عمل.
فهو الأعرف بنفسه، وبتجاربه وما يحمله من قدرات وخبرات. وهو من يحتاج إلى فهم ما يستهدفه ومتطلبات الفرصة التي يتقدم إليها، وكيف يقدم ما لديه بصورة مهنية واضحة.
يمكن للآخرين أن يساعدوه، لكن الهدف الأبعد هو ألا يبقى معتمدًا في كل مرة على شخص يعيد كتابة سيرته، أو يخبره ماذا يقول في المقابلة، أو يحدد له خطوته التالية.
الهدف أن يصبح أكثر قدرة على إدارة ذلك بنفسه.، وهنا يتغير دور المرشد المهني.
هنا تبرز فرصة مهمة أمام المرشدين في الجامعات ومراكز التوظيف والجهات المعنية بدعم الباحثين عن عمل، ومنها وزارة العمل.
فدور المرشد يمكن أن يكون أعمق من تقديم خدمة جاهزة أو إحالة الباحث إلى برنامج تدريبي. يبدأ بفهم الشخص الذي أمامه، وتحديد مستوى جاهزيته، ثم إدارة عملية تساعده على الانتقال من موقعه الحالي إلى الخطوة التالية.
وهذا يتطلب من المرشد جدارات في الكوتشنج المهني، وفهمًا لسوق العمل، ومعرفة بنظريات التطوير المهني، وأدوات عملية لقياس الجاهزية وإدارة الاستكشاف واتخاذ القرار.
ويمكن أن يستعين الممارس بأدوات مثل قائمة فحص الجاهزية المهنية، وخريطة الخيارات، والتحقق من السوق؛ ليس لتقديم الإجابة للباحث، بل لمساعدته على الاستكشاف وفهم موقعه واتخاذ خطواته بوعي أكبر.
الأداة هنا لا تقدم الإجابة للباحث؛ بل تساعد المرشد على إدارة عملية يصبح من خلالها الباحث أكثر وعيًا وقدرة على الوصول إلى إجابته وبناء خطته.
وهذا هو الفرق بين أن ننجز المهمة للباحث وأن نبني قدرته على إنجازها بنفسه.
ومن خلال عملي في تطوير وإعداد ممارسين في الكوتشنج المهني، أرى أن جودة الجاهزية التي نبنيها لدى الباحث ترتبط أيضًا بجودة إعداد الممارس الذي يرافقه؛ فالممارسة تحتاج إلى أكثر من معرفة إجراءات التوظيف، وتحتاج إلى القدرة على إدارة رحلة تساعد الإنسان على التفكير والاستكشاف واتخاذ قراراته بنفسه.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نقيس به أثر أي برنامج أو خدمة مقدمة للباحثين عن عمل:
ليس فقط: ماذا قدمنا لهم؟ بل: ما الذي أصبحوا قادرين على فعله بأنفسهم بعد ذلك؟
فالجاهزية المهنية لا تعني تقديم الحل نفسه للجميع. إنما أن نفهم من أمامنا، وأين يقف، وما الذي ينقص جاهزيته، وما التدخل الذي يحتاج إليه، ثم نساعده حتى يصبح أكثر قدرة على قيادة رحلة البحث بنفسه.
فربما لا نحتاج فقط إلى مزيد من خدمات التوظيف، بقدر ما نحتاج إلى ممارسات تبني باحثًا أكثر جاهزية واستقلالية في سوق عمل متغير.
{ مستشارة موارد بشرية وتطوير مهني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك