العدد : ١٧٧٢٣ - الخميس ٠١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٣ - الخميس ٠١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

كيف يمكن تقديم الدعم لكل باحث عن عمل؟

بقلم: أميرة معيوف

الخميس ٠١ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

‮«‬قدمت‭ ‬على‭ ‬عشرات‭ ‬الوظائف،‭ ‬ولم‭ ‬أحصل‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬فرصة‭ ‬مقابلة‭ ‬واحدة‮»‬‭.‬

عبارة‭ ‬نسمعها‭ ‬من‭ ‬أغلب‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬عمل،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يصاحبها‭ ‬شعور‭ ‬بالإحباط‭ ‬والحيرة‭. ‬فهو‭ ‬يقدم‭ ‬على‭ ‬وظائف‭ ‬مرة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى،‭ ‬ولا‭ ‬يرى‭ ‬نتيجة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬الجهد‭ ‬الذي‭ ‬يبذله،‭ ‬فيبدأ‭ ‬بالسؤال‭: ‬أين‭ ‬المشكلة؟

لكن‭ ‬ربما‭ ‬هناك‭ ‬سؤال‭ ‬يسبق‭ ‬ذلك‭:‬

هل‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬النوع‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬الدعم؟

نستخدم‭ ‬وصف‭ ‬‮«‬باحث‭ ‬عن‭ ‬عمل‮»‬‭ ‬وكأنه‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬فئة‭ ‬واحدة،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬يقف‭ ‬خلفه‭ ‬أشخاص‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬وظروف‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭.‬

فقد‭ ‬يكون‭ ‬خريجًا‭ ‬يدخل‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬وجهته‭ ‬غير‭ ‬واضحة‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬آخر‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬يريد،‭ ‬لكنه‭ ‬تقدم‭ ‬إلى‭ ‬عشرات‭ ‬الوظائف‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬مقابلة‭ ‬واحدة‭. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬المقابلات‭ ‬باستمرار،‭ ‬لكن‭ ‬رحلته‭ ‬تتوقف‭ ‬عندها‭.‬

وقد‭ ‬يكون‭ ‬الباحث‭ ‬صاحب‭ ‬خبرة‭ ‬أمضى‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬ثم‭ ‬فقد‭ ‬وظيفته‭ ‬أو‭ ‬انتهى‭ ‬عمله،‭ ‬ليجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬سوق‭ ‬ربما‭ ‬تغير‭ ‬كثيرًا‭ ‬منذ‭ ‬آخر‭ ‬مرة‭ ‬بحث‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬فرصة،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬يبدأ‭ ‬طريق‭ ‬العودة‭. ‬

جميعهم‭ ‬باحثون‭ ‬عن‭ ‬عمل،‭ ‬لكن‭ ‬نقطة‭ ‬البداية‭ ‬وفجوة‭ ‬الجاهزية‭ ‬ليست‭ ‬واحدة‭.‬

أين‭ ‬تقع‭ ‬فجوة‭ ‬الجاهزية؟

الجاهزية‭ ‬المهنية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬امتلاك‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬جيدة،‭ ‬أو‭ ‬حضور‭ ‬برنامج‭ ‬في‭ ‬مهارات‭ ‬التوظيف،‭ ‬أو‭ ‬التدريب‭ ‬على‭ ‬المقابلة‭. ‬إنها‭ ‬قدرة‭ ‬الباحث‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬انتقاله‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬بوعي‭ ‬واستقلالية،‭ ‬بحسب‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬يقف‭ ‬فيها‭.‬

لذلك،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬طرحه‭:‬

أين‭ ‬تقع‭ ‬فجوة‭ ‬جاهزية‭ ‬هذا‭ ‬الباحث؟

فمن‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يتجه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬مختلف‭ ‬عمن‭ ‬يعرف‭ ‬وجهته‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬المقابلات‭. ‬ومن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬المقابلة‭ ‬ثم‭ ‬تتوقف‭ ‬رحلته‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬مختلف‭ ‬عمن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الخبرة‭.‬

حتى‭ ‬تعديل‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية،‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه‭ ‬اليوم‭ ‬جهات‭ ‬ومواقع‭ ‬ومعاهد‭ ‬وجامعات‭ ‬ضمن‭ ‬خدمات‭ ‬دعم‭ ‬الباحثين،‭ ‬يظل‭ ‬أداة‭ ‬مهمة،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬نقطة‭ ‬البداية‭ ‬لكل‭ ‬حالة‭.‬

ومع‭ ‬انتشار‭ ‬خدمات‭ ‬كتابة‭ ‬السير‭ ‬الذاتية،‭ ‬قد‭ ‬يعتقد‭ ‬الباحث‭ ‬القَلِق‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬مقابلات‭ ‬يعني‭ ‬تلقائيًا‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬سيرته‭. ‬فيعيد‭ ‬تعديلها‭ ‬مرة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬فجوة‭ ‬الجاهزية‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬تمامًا‭.‬

القضية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬الخدمة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬التدخل‭ ‬المناسب‭ ‬بعد‭ ‬فهم‭ ‬الفجوة‭.‬

الباحث‭ ‬هو‭ ‬قائد‭ ‬الرحلة‭ ‬ومهما‭ ‬تعددت‭ ‬الخدمات‭ ‬والبرامج،‭ ‬يبقى‭ ‬الباحث‭ ‬نفسه‭ ‬قائد‭ ‬رحلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬عمل‭.‬

فهو‭ ‬الأعرف‭ ‬بنفسه،‭ ‬وبتجاربه‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬وخبرات‭. ‬وهو‭ ‬من‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يستهدفه‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الفرصة‭ ‬التي‭ ‬يتقدم‭ ‬إليها،‭ ‬وكيف‭ ‬يقدم‭ ‬ما‭ ‬لديه‭ ‬بصورة‭ ‬مهنية‭ ‬واضحة‭.‬

يمكن‭ ‬للآخرين‭ ‬أن‭ ‬يساعدوه،‭ ‬لكن‭ ‬الهدف‭ ‬الأبعد‭ ‬هو‭ ‬ألا‭ ‬يبقى‭ ‬معتمدًا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬يعيد‭ ‬كتابة‭ ‬سيرته،‭ ‬أو‭ ‬يخبره‭ ‬ماذا‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬المقابلة،‭ ‬أو‭ ‬يحدد‭ ‬له‭ ‬خطوته‭ ‬التالية‭.‬

الهدف‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬ذلك‭ ‬بنفسه‭.‬،‭ ‬وهنا‭ ‬يتغير‭ ‬دور‭ ‬المرشد‭ ‬المهني‭.‬

هنا‭ ‬تبرز‭ ‬فرصة‭ ‬مهمة‭ ‬أمام‭ ‬المرشدين‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬التوظيف‭ ‬والجهات‭ ‬المعنية‭ ‬بدعم‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬عمل،‭ ‬ومنها‭ ‬وزارة‭ ‬العمل‭.‬

فدور‭ ‬المرشد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬خدمة‭ ‬جاهزة‭ ‬أو‭ ‬إحالة‭ ‬الباحث‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬تدريبي‭. ‬يبدأ‭ ‬بفهم‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬أمامه،‭ ‬وتحديد‭ ‬مستوى‭ ‬جاهزيته،‭ ‬ثم‭ ‬إدارة‭ ‬عملية‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬الحالي‭ ‬إلى‭ ‬الخطوة‭ ‬التالية‭.‬

وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬المرشد‭ ‬جدارات‭ ‬في‭ ‬الكوتشنج‭ ‬المهني،‭ ‬وفهمًا‭ ‬لسوق‭ ‬العمل،‭ ‬ومعرفة‭ ‬بنظريات‭ ‬التطوير‭ ‬المهني،‭ ‬وأدوات‭ ‬عملية‭ ‬لقياس‭ ‬الجاهزية‭ ‬وإدارة‭ ‬الاستكشاف‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يستعين‭ ‬الممارس‭ ‬بأدوات‭ ‬مثل‭ ‬قائمة‭ ‬فحص‭ ‬الجاهزية‭ ‬المهنية،‭ ‬وخريطة‭ ‬الخيارات،‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬السوق؛‭ ‬ليس‭ ‬لتقديم‭ ‬الإجابة‭ ‬للباحث،‭ ‬بل‭ ‬لمساعدته‭ ‬على‭ ‬الاستكشاف‭ ‬وفهم‭ ‬موقعه‭ ‬واتخاذ‭ ‬خطواته‭ ‬بوعي‭ ‬أكبر‭.‬

الأداة‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬الإجابة‭ ‬للباحث؛‭ ‬بل‭ ‬تساعد‭ ‬المرشد‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬عملية‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الباحث‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬إجابته‭ ‬وبناء‭ ‬خطته‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬ننجز‭ ‬المهمة‭ ‬للباحث‭ ‬وأن‭ ‬نبني‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬إنجازها‭ ‬بنفسه‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬وإعداد‭ ‬ممارسين‭ ‬في‭ ‬الكوتشنج‭ ‬المهني،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬جودة‭ ‬الجاهزية‭ ‬التي‭ ‬نبنيها‭ ‬لدى‭ ‬الباحث‭ ‬ترتبط‭ ‬أيضًا‭ ‬بجودة‭ ‬إعداد‭ ‬الممارس‭ ‬الذي‭ ‬يرافقه؛‭ ‬فالممارسة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬إجراءات‭ ‬التوظيف،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬رحلة‭ ‬تساعد‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والاستكشاف‭ ‬واتخاذ‭ ‬قراراته‭ ‬بنفسه‭.‬

وربما‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نقيس‭ ‬به‭ ‬أثر‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬مقدمة‭ ‬للباحثين‭ ‬عن‭ ‬عمل‭:‬

ليس‭ ‬فقط‭: ‬ماذا‭ ‬قدمنا‭ ‬لهم؟‭ ‬بل‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أصبحوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬فعله‭ ‬بأنفسهم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك؟

فالجاهزية‭ ‬المهنية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تقديم‭ ‬الحل‭ ‬نفسه‭ ‬للجميع‭. ‬إنما‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬أمامنا،‭ ‬وأين‭ ‬يقف،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬ينقص‭ ‬جاهزيته،‭ ‬وما‭ ‬التدخل‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه،‭ ‬ثم‭ ‬نساعده‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬رحلة‭ ‬البحث‭ ‬بنفسه‭.‬

فربما‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬خدمات‭ ‬التوظيف،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬تبني‭ ‬باحثًا‭ ‬أكثر‭ ‬جاهزية‭ ‬واستقلالية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬عمل‭ ‬متغير‭.‬

 

{‭ ‬مستشارة‭ ‬موارد‭ ‬بشرية‭ ‬وتطوير‭ ‬مهني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا