الأزمة المشتعلة عند مضيق باب المندب بعد سيطرة الحوثيين لها وجهان متلازمان.
الأول، يتصل مباشرة بأزمة مضيق هرمز، التي ترتبت على الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
والثاني، يعود إلى الأزمة اليمنية بكل تعقيداتها الإقليمية، التي أخذت مداها إثر عملية «عاصفة الحزم» عام (2015) وما تلاها من تحولات وصدامات وانقلابات داخل المعسكر اليمني.
لا يمكن بأي حساب، ضمان أمن الملاحة البحرية في المضيقين الاستراتيجيين بالقوة العسكرية وحدها.
الحسابات حرجة للغاية، ولكل حساب اعتباراته وتقاطعاته.
الإيرانيون، يستشعرون أنهم حققوا إنجازا كبيرا بتمكن حليفهم «الحوثي» من السيطرة على الساحل الغربي في اليمن وجزر استراتيجية عند باب المندب، فهو يقوي مركزهم التفاوضي ويعمق بالوقت نفسه مأزق إدارة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» قرب الانتخابات النصفية لمجلسي الكونجرس نوفمبر المقبل.
إذا ما خسر الجمهوريون الانتخابات، وهو احتمال وارد بقوة حسب استطلاعات الرأي العام، فإن إدارة «ترامب» سوف تجد نفسها بلا سند تشريعي يدعم قراراتها وتصرفاتها بلا قيد.
والأفدح أنها سوف تجد نفسها أمام شروط إيرانية لوقف الاستنزاف العسكري والاقتصادي هناك: أزمة إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وفك الحصار البحري عن موانيها، والحصول على أصولها المالية المجمدة.
الحساب الإيراني يتقاطع مع الحساب الحوثي، لكنه لا يطابقه في بعض التفاصيل.
كان لافتا أن مجلس الأمن الدولي أدان بالإجماع سيطرة الحوثيين على باب المندب داعيا إلى الانخراط في العملية السياسية، التي تقودها الأمم المتحدة للمصالحة اليمنية!
لم تعترض روسيا والصين على الشطر الأول من القرار الأممي، وإيران نفسها حاولت أن تأخذ مسافة عن الحوثي حتى لا تتهم بتعمد خنق التجارة الدولية وحركة ناقلات النفط والغاز عبر الممرات المائية الدولية، بينما بدا الشطر الثاني تقليديا ومعتادا، ولا يرتب أي جهد دولي ملموس في التوصل إلى تسوية للأزمة اليمنية.
ما يهم الدول الكبرى، على اختلاف توجهاتها ومصالحها، ألا تفضي سيطرة الحوثيين على باب المندب، إلى تفاقم أزمة الطاقة لحدود غير محتملة.
بالنسبة إلى إدارة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» فإنها ضربة موجعة لسياساته ورهاناته قبيل الانتخابات الوشيكة.
شعبيته متراجعة بفداحة، واحتمالات خسارة الجمهوريين للانتخابات ماثلة في استطلاعات الرأي على خلفية عدم تحقيق وعوده.
لقد وعد بتحسن كبير في الاقتصاد الأمريكي، وهو ما لم يحدث.
بل العكس تماما حيث تقوضت الثقة العامة فيه – حسب «نيويورك تايمز«.
ووعد بوقف التورط في أي حروب، خاصة في الشرق الأوسط، وهو ما لم يحدث بدوره، ولم تعد أمريكا عظيمة مرة أخرى كما تصوروا!
حسب تصريحات «ترامب» المتواترة فإن «الحرب سوف تنتهي قريبا عقب انتهاء الانتخابات».
تصريحاته لا تعني شيئا موثوقا، هدفها الواضح التأثير في الرأي العام بمحاولة إقناعه التصويت لصالح الجمهوريين، حتى يكون في موقف تفاوضي أفضل بعد الانتخابات.
لم يكن من أهداف الحرب في بدايتها فتح مضيق هرمز، لكنه تحول بالوقت إلى صلب العمليتين العسكرية والسياسية الأمريكيتين.
بإضافة أي إغلاق محتمل لمضيق باب المندب فإن الأمور ستكون أكثر تعقيدا.
استبعد ترامب أي عمل عسكري ضد الحوثيين، خشية التورط في المستنقع اليمنى.
قال: «الحوثيون لا يريدون قتالنا» كذريعة للتحلل من مسؤولياته في هذه الأزمة.
المفارقة الكبرى أنه دعا دول الخليج إلى الاجتماع به على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للتباحث حول ما قد يحدث في اليوم التالي لانتهاء الحرب. لقد قفز إلى التهويمات فيما الحرب لم تتوقف بعد.
بقوة الحقائق فإن أي إغلاق محتمل لمضيق باب المندب يضرب قناة السويس ودورها المحوري في التجارة العالمية ويؤذي بالعمق دول الخليج في قدرتها على تصدير النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
الإيرانيون يكتفون هذه اللحظة بإشهار ورقة باب المندب، دون استعداد لتحمل مسؤولية أي إغلاق محتمل.
الحوثيون بدورهم يرسلون خطابات طمأنة للعالم كله، بأن حرية الملاحة سوف تكون آمنة في مضيق باب المندب، باستثناء دولة واحدة.
لقد تصاعدت الاشتباكات والغارات المتبادلة بين صنعاء والرياض إلى حدود استدعت تحذيرا من الخارجية الأمريكية لمواطنيها بتجنب السفر إلى الشرق الأوسط، أو عبره.
احتدام المعارك على جبهات عدة بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين المواليين لإيران «لاستعادة الزمام» استدعى سؤالا حرجا عن الموقف العملي للحليفين التركي والباكستاني بموجب التزامات اتفاق مكة.
الباكستانيون يصرحون: «حان الوقت» لتفعيل الاتفاق، ويطالبون الإيرانيين بكبح هجمات الحوثيين»
لم يتجاوز الدور التركي بدوره المساحة الدبلوماسية المعتادة خشية التأثير السلبي على حساباته الإقليمية المعقدة، لا يريد صداما مع إيران، مع استمرار التصريحات الصدامية مع إسرائيل، التي تحاول الاستثمار في الأزمة بصورة مباشرة وغير مباشرة.
حسب المعلومات الأولية فإن القاهرة تستبعد أي تورط عسكري وتميل إلى التهدئة والحوار ووقف التصعيد.
بين التهدئة والتصعيد، بدا إلغاء اجتماع كان مقررا في سلطنة عمان بين إيران ودول الخليج والعراق لبحث التوترات في مضيق هرمز قبل موعده منذرا بما حدث بعده.. الإلغاء بذاته تعبير عن فجوات الثقة الواسعة بين أطرافه.
بعد أزمة باب المندب ازدادت الفجوات عمقا واتساعا. كما أن عسكرة الملاحة بالبحر الأحمر، خطر ماثل على الأمن القومي المصري، ولا يتوقف عند الإضرار بقناة السويس وحدها.
إن الدور الإسرائيلي غير خاف حيث مشروعات التقسيم ماثلة في عدن وأرض الصومال والسودان،.
يتركز الدور المصري في العمل على وقف التصعيد، واستبعاد التورط العسكري، والعمل بكل طاقته على حل شامل للأزمة اليمنية تحفظ وحدته وتصون في الوقت نفسه حرية الملاحة في البحر الأحمر.
{ كاتب صحفي مصري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك