العدد : ١٧٧٢٢ - الأربعاء ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٢ - الأربعاء ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

قراءة في مداولات الجمعية العامة في دورتها 81

بقلم: د. نبيل العسومي

الأربعاء ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تأتي‭ ‬مداولات‭ ‬الدورة‭ ‬الحادية‭ ‬والثمانين‭ ‬للجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬المنعقدة‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬وإدارة‭ ‬التحول‭: ‬أمم‭ ‬متحدة‭ ‬تفي‭ ‬بوعودها‭ ‬للجميع‮»‬،‭ ‬لتكشف‭ ‬مجدداً‭ ‬الفجوة‭ ‬العميقة‭ ‬بين‭ ‬قوة‭ ‬الخطاب‭ ‬وضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إيقاف‭ ‬الحروب‭. ‬ويسعى‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬أعمال‭ ‬الدورة‭ ‬ومواقف‭ ‬القوى‭ ‬الفاعلة‭ ‬فيها،‭ ‬والإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬دورة‭: ‬هل‭ ‬فشلت‭ ‬الجمعية‭ ‬واكتفت‭ ‬بالخطابات‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬العالمية‭ ‬وخاصة‭ ‬إيقاف‭ ‬الحروب

للإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬3‭ ‬نقاط‭ ‬أساسية‭:‬

النقطة‭ ‬الأولى‭: ‬استمرار‭ ‬الانقسام‭ ‬الدولي

لقد‭ ‬عكست‭ ‬منصة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬انقساماً‭ ‬جيوسياسياً‭ ‬حاداً‭. ‬فقد‭ ‬دافع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تخوضها‭ ‬بلاده‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬منذ‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر،‭ ‬ملوّحاً‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬‮«‬إبادتها‮»‬،‭ ‬ومتوقعاً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬معها‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬النصفية،‭ ‬فيما‭ ‬بقيت‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬بلا‭ ‬أفق‭ ‬واضح‭ ‬للتسوية‭ ‬رغم‭ ‬الوعود‭ ‬المتكررة‭ ‬بإنهائها‭.‬

وتصدّرت‭ ‬المأساة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬كلمات‭ ‬القادة‭ ‬العرب؛‭ ‬إذ‭ ‬وصف‭ ‬أمير‭ ‬قطر‭ ‬الشيخ‭ ‬تميم‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬ثاني‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معنى‮»‬‭ ‬و«وصمة‭ ‬عار‭ ‬في‭ ‬جبين‭ ‬الإنسانية‮»‬،‭ ‬وأكد‭ ‬العاهل‭ ‬الأردني‭ ‬الملك‭ ‬عبدالله‭ ‬الثاني‭ ‬أن‭ ‬القرارات‭ ‬الدولية‭ ‬تصبح‭ ‬‮«‬حبراً‭ ‬على‭ ‬ورق‮»‬‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بإسرائيل‭. ‬وفي‭ ‬مشهد‭ ‬بالغ‭ ‬الدلالة،‭ ‬غادرت‭ ‬وفود‭ ‬عشرات‭ ‬الدول‭ ‬القاعة‭ ‬قبيل‭ ‬كلمة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬الذي‭ ‬نفى‭ ‬تهمة‭ ‬الإبادة‭ ‬رغم‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬الضحايا‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ثلاثة‭ ‬وسبعين‭ ‬ألفاً‭.‬

كما‭ ‬حضرت‭ ‬أزمات‭ ‬متقاطعة‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬أمن‭ ‬الممرات‭ ‬المائية‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬والأوضاع‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬والسودان‭.‬

النقطة‭ ‬الثانية‭: ‬معضلة‭ ‬الصلاحيات

للحكم‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بإنصاف،‭ ‬ينبغي‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬دورها‭ ‬منبراً‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬وآليات‭ ‬القرار‭ ‬الملزم‭. ‬فعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬السياسي،‭ ‬نجحت‭ ‬الدورة‭ ‬جزئياً‭ ‬في‭ ‬تعرية‭ ‬المواقف‭ ‬وعزل‭ ‬الأطراف‭ ‬المنتهكة‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وكانت‭ ‬الانسحابات‭ ‬الجماعية‭ ‬تعبيراً‭ ‬رمزياً‭ ‬قوياً‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭. ‬أما‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬التنفيذي،‭ ‬فقد‭ ‬عجزت‭ ‬المداولات‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬أي‭ ‬آلية‭ ‬تُلزم‭ ‬الدول‭ ‬بوقف‭ ‬آلتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬لأن‭ ‬الميثاق‭ ‬يضع‭ ‬مسؤولية‭ ‬حفظ‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬حيث‭ ‬يكفي‭ ‬‮«‬فيتو‮»‬‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الأعضاء‭ ‬الدائمين‭ ‬لشلّ‭ ‬أي‭ ‬تحرك‭. ‬وحتى‭ ‬الأدوات‭ ‬المتاحة‭ ‬للجمعية،‭ ‬كقرار‭ ‬‮«‬الاتحاد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬أو‭ ‬مطالبة‭ ‬مستخدم‭ ‬الفيتو‭ ‬بتبرير‭ ‬قراره‭ ‬أمامها،‭ ‬تظل‭ ‬توصيات‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬الإلزام‭.‬

النقطة‭ ‬الثالثة

القول‭ ‬إن‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬فشلت‭ ‬كالعادة‭ ‬واكتفت‭ ‬بالخطابات‮»‬‭ ‬صحيح‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية؛‭ ‬فالأبرياء‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الصراع‭ ‬لا‭ ‬يلمسون‭ ‬أثراً‭ ‬مباشراً‭ ‬للخطب‭ ‬الرنانة‭. ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬وصفها‭ ‬بالفشل‭ ‬المطلق؛‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬‮«‬حكومة‭ ‬عالمية‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬للنظام‭ ‬الدولي‭ ‬بكل‭ ‬اختلالاته‭. ‬ويكمن‭ ‬الخلل‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ونظام‭ ‬الفيتو‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬وحلفاءها‭ ‬حصانة‭ ‬من‭ ‬المساءلة‭.‬

ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬السيد‭ ‬أنطونيو‭ ‬غوتيريش‭ ‬إلى‭ ‬التأكيد‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬الدورة‭ ‬الحالية‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يتحول‭ ‬‮«‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه‮»‬‭ ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬مطالباً‭ ‬بإصلاح‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ليعكس‭ ‬واقع‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬الإصلاح،‭ ‬ستبقى‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬صوتا‭ ‬عاليا‭ ‬للضمير‭ ‬الإنساني،‭ ‬لكنه‭ ‬صوتٌ‭ ‬بلا‭ ‬يد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا