تأتي مداولات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تفي بوعودها للجميع»، لتكشف مجدداً الفجوة العميقة بين قوة الخطاب وضعف القدرة على إيقاف الحروب. ويسعى هذا المقال إلى تقييم أعمال الدورة ومواقف القوى الفاعلة فيها، والإجابة عن سؤال يتجدد مع كل دورة: هل فشلت الجمعية واكتفت بالخطابات بدلا من حل المشكلات العالمية وخاصة إيقاف الحروب
للإجابة عن هذا السؤال نتوقف عند 3 نقاط أساسية:
النقطة الأولى: استمرار الانقسام الدولي
لقد عكست منصة الأمم المتحدة هذا العام انقساماً جيوسياسياً حاداً. فقد دافع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الحرب التي تخوضها بلاده ضد إيران منذ سبعة أشهر، ملوّحاً بقدرته على «إبادتها»، ومتوقعاً في الوقت نفسه التوصل إلى اتفاق معها بعد الانتخابات النصفية، فيما بقيت الحرب الروسية الأوكرانية بلا أفق واضح للتسوية رغم الوعود المتكررة بإنهائها.
وتصدّرت المأساة الإنسانية في غزة والضفة الغربية كلمات القادة العرب؛ إذ وصف أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ما جرى في غزة بأنه «إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى» و«وصمة عار في جبين الإنسانية»، وأكد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أن القرارات الدولية تصبح «حبراً على ورق» حين يتعلق الأمر بإسرائيل. وفي مشهد بالغ الدلالة، غادرت وفود عشرات الدول القاعة قبيل كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي نفى تهمة الإبادة رغم تجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين ثلاثة وسبعين ألفاً.
كما حضرت أزمات متقاطعة أخرى، في مقدمتها أمن الممرات المائية من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، والأوضاع في لبنان وسوريا والسودان.
النقطة الثانية: معضلة الصلاحيات
للحكم على أداء الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنصاف، ينبغي التمييز بين دورها منبراً دبلوماسياً وآليات القرار الملزم. فعلى الصعيد السياسي، نجحت الدورة جزئياً في تعرية المواقف وعزل الأطراف المنتهكة للقانون الدولي، وكانت الانسحابات الجماعية تعبيراً رمزياً قوياً عن ذلك. أما على الصعيد التنفيذي، فقد عجزت المداولات عن إنتاج أي آلية تُلزم الدول بوقف آلتها العسكرية، لأن الميثاق يضع مسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين في يد مجلس الأمن، حيث يكفي «فيتو» واحد من الأعضاء الدائمين لشلّ أي تحرك. وحتى الأدوات المتاحة للجمعية، كقرار «الاتحاد من أجل السلام» أو مطالبة مستخدم الفيتو بتبرير قراره أمامها، تظل توصيات تفتقر إلى قوة الإلزام.
النقطة الثالثة
القول إن الجمعية العامة للأمم المتحدة «فشلت كالعادة واكتفت بالخطابات» صحيح من الناحية العملية؛ فالأبرياء في مناطق الصراع لا يلمسون أثراً مباشراً للخطب الرنانة. غير أنه لا يصح وصفها بالفشل المطلق؛ فهي ليست «حكومة عالمية»، بل مرآة للنظام الدولي بكل اختلالاته. ويكمن الخلل الحقيقي في بنية مجلس الأمن ونظام الفيتو الذي يمنح القوى الكبرى وحلفاءها حصانة من المساءلة.
ولعل هذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش إلى التأكيد في افتتاح الدورة الحالية أن العالم يتحول «بشكل لا رجعة فيه» نحو نظام متعدد الأقطاب، مطالباً بإصلاح مجلس الأمن ليعكس واقع القرن الحادي والعشرين. وما لم يتحقق هذا الإصلاح، ستبقى الجمعية العامة للأمم المتحدة صوتا عاليا للضمير الإنساني، لكنه صوتٌ بلا يد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك