ليست المشكلة دائماً في نقص المعلومات، كما أن امتلاك قدر كبير منها لا يعني بالضرورة امتلاك عقلية علمية. فقد يكون الإنسان واسع الاطلاع، كثير القراءة، قادراً على استعراض عدد هائل من المعلومات والمصطلحات، لكنه يظل عاجزاً عن التفكير المنظم أو التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين السبب والنتيجة، وبين ما يعرفه بالفعل وما يظنه أو يتخيله.
وهنا تبرز أهمية التفكير العلمي. فالتفكير العلمي ليس حكراً على العلماء، ولا يحتاج بالضرورة إلى معرفة متخصصة في الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات أو غيرها من فروع العلم. إنه قبل ذلك كله طريقة في النظر إلى الأشياء، ومنهج في التعامل مع المشكلات، وأسلوب في اختبار الأفكار قبل التسليم بها.
العالم المتخصص يحتاج، بطبيعة الحال، إلى أدوات معرفية ومنهجية دقيقة تمكنه من البحث في مجاله. لكن المجتمع لا يستطيع أن يحول كل أفراده إلى علماء متخصصين. ما يحتاجه المجتمع هو أن يصل إلى نتيجة أخرى أكثر أهمية: أن تنتقل بعض القواعد التي أنتجها العلم إلى طريقة تفكير الإنسان العادي.
وهذه هي القيمة الحقيقية للتفكير العلمي. فالعلم، عبر تاريخه الطويل، لم يقدم للبشر اكتشافات واختراعات فقط. لقد قدم لهم، بصورة غير مباشرة، طريقة مختلفة في النظر إلى العالم. طريقة تقوم على السؤال، والبحث، والملاحظة، والتحقق، والربط بين الأسباب والنتائج، والاستعداد لمراجعة الفكرة عندما تظهر أدلة جديدة.
العلم نفسه بناء تراكمي. لا يبدأ كل عالم من الصفر، وإنما ينطلق مما سبقه إليه الآخرون، فيضيف جديداً أو يصحح خطأ أو يعيد اختبار نتيجة سابقة. ولذلك فإن التطور العلمي لا يقوم على الاعتقاد بأن ما نعرفه اليوم هو الحقيقة النهائية، وإنما على الاعتراف بأن المعرفة قابلة دائماً للاختبار والمراجعة والتطوير.
وهذه الفكرة البسيطة تحمل دلالة عميقة في حياتنا اليومية. فالإنسان الذي يفكر بطريقة علمية لا يتعامل مع كل معلومة يسمعها باعتبارها حقيقة. ولا يرفضها لمجرد أنها لا تتفق مع رأيه. يسأل أولاً: ما مصدرها؟ وما الدليل عليها؟ وهل توجد تفسيرات أخرى؟ وهل يمكن اختبارها؟ وهل تتفق النتائج مع مقدماتها؟
وبذلك يصبح التفكير العلمي نوعاً من الانضباط العقلي. إنه لا يعني أن الإنسان لا يخطئ، وإنما يعني أن لديه استعداداً لاكتشاف خطئه وتصحيحه. ولا يعني أنه يمتلك إجابة عن كل سؤال، وإنما أن يعرف متى يقول: لا أعرف. وهذه ربما واحدة من أصعب المهارات الفكرية؛ لأن الاعتراف بعدم المعرفة يتطلب قدراً من الثقة بالنفس أكبر من الادعاء بمعرفة لا يمتلكها الإنسان.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم الفرق بين المعرفة والثقافة العلمية. فالمعرفة قد تعني امتلاك المعلومات، أما الثقافة العلمية فتتجاوز ذلك إلى امتلاك القدرة على استخدام هذه المعلومات بطريقة صحيحة. قد يحفظ شخص عشرات الحقائق، لكنه يربط بينها بطريقة خاطئة. وقد يعرف آخر معلومات أقل، لكنه يستطيع تحليلها واستخلاص نتائج منطقية منها. وفي كثير من الأحيان يكون الثاني أكثر قدرة على التعامل مع الواقع.
المشكلة الأخرى أن التخصص العلمي، وهو ضرورة لا غنى عنها لتقدم المجتمعات، قد يتحول أحياناً إلى عزلة معرفية. فكلما ازداد العلم تخصصاً، أصبحت لغته أكثر تعقيداً، وأصبحت المسافة بين المتخصص والجمهور أكبر. وهذا أمر مفهوم إلى حد كبير، لكنه يصبح مشكلة عندما تتحول اللغة العلمية إلى وسيلة لإقصاء الآخرين، أو إلى أداة لإظهار التفوق، أو عندما يصبح استخدام المصطلحات المعقدة بديلاً عن وضوح الفكرة.
العالم الحقيقي لا يحتاج إلى الغموض لكي يثبت علمه. والمثقف الحقيقي لا يحتاج إلى تعقيد لغته لكي يثبت ثقافته. قيمة المعرفة تظهر عندما تستطيع أن تفسر الواقع، وتساعد الآخرين على فهمه، وتفتح الطريق أمام معالجة مشكلاته.
ولذلك فإن التفكير العلمي الذي تحتاج إليه المجتمعات لا ينبغي أن يبقى محصوراً داخل الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات. يجب أن ينتقل إلى المدرسة، والإعلام، والإدارة، والسياسة، والاقتصاد، وحتى إلى العلاقات اليومية بين الناس.
فالمجتمع الذي يتعلم أفراده السؤال قبل التصديق، والتحقق قبل الحكم، والبحث عن الدليل قبل إطلاق المواقف، يصبح أكثر قدرة على مواجهة الشائعات والخرافة والتضليل، وأكثر استعداداً لاتخاذ قرارات عقلانية في القضايا التي تمس حياته ومستقبله.
وهنا يصبح التفكير العلمي قضية اجتماعية وليست أكاديمية فقط.
إن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس أن يجهل بعض المعلومات، فالمعلومات يمكن الحصول عليها، وإنما أن يفقد القدرة على التفكير المنظم في المعلومات التي يمتلكها. ففي عصر تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لم تعد المشكلة الكبرى هي الوصول إلى المعلومة، وإنما معرفة أي المعلومات تستحق التصديق، وأيها يحتاج إلى التحقق، وأيها لا يتجاوز كونه رأياً أو ادعاءً.
وهذا يجعل التفكير العلمي أكثر أهمية من أي وقت مضى. إننا لا نحتاج جميعاً إلى أن نكون علماء، لكننا نحتاج جميعاً إلى أن نتعلم شيئاً من طريقة العلماء في التفكير: أن نسأل، ونبحث، ونختبر، ونراجع، وأن نضع الحقيقة فوق الرغبة في الانتصار للرأي. فالمجتمع الذي يمتلك هذه العقلية لا يخشى تصحيح أخطائه، لأن الخطأ عنده ليس نهاية الطريق، وإنما خطوة في طريق المعرفة.
أما المجتمع الذي يحول أفكاره إلى مسلمات مغلقة، ويرفض مراجعتها مهما تغيرت الأدلة، فإنه لا يحمي الحقيقة، بل يحمي تصوراته عنها.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم نعرف؟ لكن السؤال الأهم هو: كيف نفكر فيما نعرف؟ فهنا تحديداً تبدأ المعرفة الحقيقية، ويبدأ التفكير العلمي.
{ باحث في الشؤون العربية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك