يبدو أن الرئيس ترامب، واقع تحت تأثير مشهد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس؛ ونتيجة لذلك، فهو يؤجل اتخاذ أي قرار بشأن مسار المواجهة مع إيران، ولكنه في الوقت ذاته لا يريد إغلاق هذا الملف تماماً. وبناءً على ذلك، فهو لا يكف عن إطلاق تصريحاته بشأن ملف الحرب، وفي ظني أنه يفعل ذلك لكي يُشعر الإيرانيين أن موضوع حسم الصراع – سواء بالسلم أو القتال – مازال حيا في حساباته.
ومن هنا، فإن محتوى تصريحاته يجمع بين النقيضين: التهديد باقتلاع نظام الملالي من جذوره، والدعوة إلى إبرام صفقة جديدة. وتأسيساً على ذلك يمكن التأكيد أن قرار الحرب أو السلم مع طهران لم يعد معلقاً بجهوزية الآلة العسكرية أو جدوى العقوبات الاقتصادية وحسب، بل بات رهيناً لطبيعة التفويض الذي سيمنحه الناخب الأمريكي للرئيس ترامب. إذ إن مخرجات هذه الانتخابات ستحدد بشكل مباشر شكل «الغطاء السياسي» الذي سيتحرك من خلاله ترامب في محيط إقليمي شديد التعقيد؛ حيث تتداخل حسابات واشنطن الداخلية مع شبكة معقدة من المواقف الإقليمية المتباينة، والتي تبدأ من استراتيجية الردع والدبلوماسية في طهران، وتمر بمقاربة عواصم المنطقة المتمسكة بالاستقرار والحفاظ على المنجزات التنموية، وصولا إلى مساعي تل أبيب لاقتناص اللحظة التاريخية لفرض واقع جديد.
هنا، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة في هذا السياق وهو: إلى أي مدى ترتبط خيارات ترامب القادمة بالنتائج التي ستسفر عنها صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي ستجرى في الثالث من نوفمبر القادم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال يمكن تلخيصه في سيناريوهين: الأول هو فوز الجمهوريين وفي هذه الحالة سيحافظ الحزب الجمهوري على أغلبيته، وهذا سيمنح ترامب فرصة لتمرير سياساته بشأن المواجهة مع إيران دون قيود. وهذا السيناريو قد يدفعه نحو خيارين؛ إما الذهاب إلى الحد الأقصى من التصعيد العسكري والاقتصادي ضد إيران دون عراقيل من معارضة الكونجرس، أو استخدام هذا التفويض القوي كأداة ضغط هائلة لإجبار طهران على إبرام «صفقة كبرى» بشروطه الخاصة.
أما السيناريو الثاني، فهو فوز الديمقراطيين بالكونجرس وهذا يعني خسارة إدارة ترامب الأغلبية، وفي هذه الحالة سيصطدم الرئيس بكونجرس معارض يمتلك القدرة على تكبيل صلاحياته الحربية وتقييد ميزانيات الدفاع. هنا، قد يتجه ترامب إما إلى خيار «الضربة الخاطفة الاستباقية» قبل تسلم الكونجرس الجديد مقاعده لفرض أمر واقع، أو الانكفاء نحو العقوبات الاقتصادية المشددة مع تجنب التورط في حرب مفتوحة لا تحظى بغطاء تشريعي.
في المقابل، تتابع طهرن المشهد السياسي الأمريكي، وتقرأه بتعمق وحذر شديدين من أجل اتخاذ القرار المناسب الذي ينسجم مع كل المستجدات التي تطرأ على الساحة الأمريكية، وهي تعلم علم اليقين أنه في حال فوز الجمهوريين بالأغلبية في الكونجرس فإن ذلك يعني أن خيار المواجهة بات أكثر ترجيحاً، مما سيدفعها لتبني استراتيجية «الردع الخشن» عبر تحريك أذرعها في المنطقة، بهدف إيصال رسالة لواشنطن بأن تكلفة الحرب العسكرية ستكون باهظة على المصالح الأمريكية.
أما إن فاز الديمقراطيون، فستستغل طهران الانقسام الداخلي في واشنطن، وستلعب على هذا الوتر، وستبدي مرونة دبلوماسية أكبر، محاولةً فتح قنوات خلفية للتفاوض مع الكونجرس الجديد لتخفيف العقوبات، مستفيدة من رغبة الديمقراطيين التقليدية في تجنب الحروب الشرق أوسطية.
أما دول الخليج العربية فمواقفها واضحة منذ بداية الصراع الأمريكي الإيراني؛ فهي دائماً تدعو إلى التهدئة وعدم التصعيد تجنباً لتبعات الحرب على المنطقة، ولا اعتقد أن مواقفها ستتغير نتيجة المستجدات التي قد تطرأ على المشهد السياسي الأمريكي، فإن هذه الدول ووسط هذا التجاذب، تنطلق في قراءتها للمشهد من رؤية حاسمة ومستقلة عن تقلبات واشنطن الداخلية، وسواء أسفرت الانتخابات عن كونجرس أغلبيته جمهورية مؤيد للتصعيد أو ديمقراطي مكبل له، فإن الموقف الخليجي يظل ثابتاً على استراتيجية تصفير الأزمات وحماية المنجزات الاقتصادية. كما أن دول المنطقة –وحسب تصريحات المسؤولين فيها– لن تكون مظلة لأي مواجهة مفتوحة تهدد ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد؛ بل ستستمر في ممارسة دبلوماسية متوازنة تحافظ على قنوات التهدئة مفتوحة مع طهران، مع التمسك الصارم برفض استخدام أراضيها أو أجوائها كمنطلق لأي عمل عسكري هجومي.
من جانب آخر، ونحن نتحدث عن التغيرات التي قد تطرأ على الساحة السياسية الأمريكية، علينا ألا نغفل الموقف الإسرائيلي خاصة أن إسرائيل شريك فعّال للولايات المتحدة في الهجوم على إيران في بداية الحرب. وبناءً على ذلك تمثل تل أبيب اللاعب الأكثر ترقباً لاستثمار تحولات واشنطن لتقويض المشروع النووي الإيراني. ولذلك تتمنى إسرائيل أن يفوز الجمهوريون بمقاعد الكونجرس الجديد؛ لأن هذه النتيجة بمثابة فرصة تاريخية لهم وتنسيق كامل للقيام بعمل عسكري مشترك أو مغطى أمريكياً بالكامل لإنهاء الخطر الإيراني وزوال نفوذه الإقليمي. لكن إذا فاز الديمقراطيون ستشعر إسرائيل بخيبة أمل بسبب ضيق الهامش الزمني والسياسي، مما قد يُسرع من وتيرة اتخاذها لقرارات دراماتيكية أو ضربات استباقية منفردة قبل يناير القادم، بهدف وضع الإدارة الأمريكية والكونجرس الجديد أمام «أمر واقع» معقد يجبر واشنطن على التدخل لحمايتها وتأمينها عسكرياً.
خلاصة القول، إن صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل لن تعيد رسم الخريطة السياسية داخل واشنطن فحسب، بل ستشكل حجر الزاوية في توجيه بوصلة إدارة ترامب تجاه ملف الحرب مع إيران. ومع ذلك، فإن القراءة المتأنية للمشهد تؤكد أن القرار النهائي لن يكون رهيناً للداخل الأمريكي وحده؛ فالمواقف الإقليمية المتباينة – بين إصرار إسرائيلي على استثمار اللحظة السياسية، وحذر إيراني يمزج بين الردع والحلول الدبلوماسية، ورؤية خليجية حاسمة تتمسك بالاستقرار والمحافظة على المنجزات وترفض الانجرار إلى مغامرات عسكرية – ستفرض جميعها محددات صارمة على هوامش الحركة في البيت الأبيض. وفي المحصلة، سواء أفرزت الانتخابات »كونجرساً« يتماهى مع سياسات ترامب ويدعمه في التصعيد، أو معارضاً يكبل طموحاته، فإن الشرق الأوسط يظل محكوماً بمعادلة شديدة الحساسية، حيث تغدو حسابات التهدئة وتجنب المواجهة الشاملة الخيار الأكثر علانية، حتى وإن بدت طبول الحرب تقرع في الأفق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك